الفيّلية، والدرس العراقي الجديد
د.علي ثويني
thwanyali@hotmail.com
موسوعة النهرين، 12/1/2005
الفيلية ذلك اللون الوردي من تلاوين فسيفسائنا الجميل الذي تعرض للسحق والمحق حتى خضب بلون الدم، وتناسى الناس في لجة الصراع من أجل البقاء، كم الحيف
الذي وقع على كاهلهم.وفي خضم الإنتخابات والعودة القوية المباركة للصوت الفيلي الجميل المتناغم مع صوت"العراقية" والمنسجم هرمونيا مع مقام همومها، فأن ذلك
يثير لدى جموع العراقيين إعجابا وإطراءا.
سمعت لغطا وقرأت إنتقادا مبطنا صادرا من بعض القوميين المتشنجين (كردويين)، يلومون فيها موقف التجمعات والتنظيمات الفيلية،حينما اختارت الانخراط في
القائمة الشيعية بدلا من القائمة القومية الكردية.بما يؤكد أمرين أولهما عراقية الفيلية التي استمرت منذ انكيدو رفيق كلكامش وكوديا الكوتي ومملكة لكش،حتى مقاومة
عكد الأكراد ضد عهر إنقلاب شباط 1963. كل ذلك التاريخ المديد والصادق والناصع يؤكد بما لايقبل الدحض أن هؤلاء هم أهل العراق الحقيقيون. والأمر الثاني
موقفهم الذي نعتبره "ضربة معلم" بحيث سموا فوق جراح التسفيرات وإقتلاع جذورهم وعذابات الدنيا على كاهلهم، لينتموا بجوارحهم لجمع الأكثرية ، بما يدلل عقلية
واقعية "براغماتيه" سمى بها الأخوة الفيليين فوق جراحهم ليعلنوا قطيعتهم مع المشاريع القومية التي كان من أنصح نماذجها المشروع القومي العروبي الذي قاده البعث
الفاشي،والذي سقط مروعا بعد أن وطأ ذروة الإبتذال ،ثم رمي إلى مزابل التاريخ .
أتسائل كيف فقه هؤلاء الطيبين بالسليقة المتفقته، بأن المشاريع القومية قد فشلت، وأن العالم يتجه إلى الواقعية المصلحية،التي تتداخل بها مصالح الناس، ويأخذ فيها،
كل ذي حق حقه، مع الاحترام التام للنتاج الثقافي والروحي واللغوي للفئات المكونه لفسيفساء المجتمعات. ودليلنا أن أوربا قفزت فوق جراحها التي أتى بها الفكر
القومي الألماني وفتتها وجعلها توهن إلى الحد الذي غزاها الروس والأمريكان في عقر دارها.وبعد إفاقتهم من الصدمة فكروا مليا وأخرجوا مشروع اليورو، الذي هو
مناقض تماما للمشروع القومي الذي تمخضت عنه النازية والفاشية يوما،ولدينا في العراق جاءت الناصرية والبعثية ،واليوم يولد تشنجات قومية متعددة.
وهكذا وعى الفيليون حركة التاريخ، وعرفوا أن حقوقهم مضمونه مع حقوق الأكثرية،ليس بنزعة لتفسير طائفي كما يسوق لها القوميون، بل من خلال إحساسهم الفطري
أن شرذمتهم بفدرالية عنصرية، يحرمهم من قدسية مواقع ومساجد وأضرحة لم تقع ضمن تلك التقسيمات الجزافية، بما يحرمهم من ذلك الرابط المشيمي الذي جعلهم
يقدسون العراق كونها تقع فيه ، وبما يؤكد أنهم ليسوا طارئين عليه كما يروج القوميون عموما، وأنهم منبوذين كونهم من نتاج نزق "سايكس بيكو".
أن جريمة المغيبين الذين أصبحوا حصة الأسد في المقابر الجماعية، هي اكبر ما أقترفه البعث جرما، فهم أضعاف جرائم حلبجة والانفال مجتمعة أو جرائم الأهوار ،
لكن الفيلية لم يتظلموا بها، أو يتاجروا بأرواح ذويهم ليستخدموها "كرداء عثمان" في استجداء الامتيازات، كما يفعل الآخرين،الذين أرادوا أن يتاجروا بالفيلية من خارج
سياقهم. وهكذا أعتبر الفيليون أن الأمر يدخل ضمن عدالة الظلم الذي طال الجميع، وبكونهم جزء من هذا الجمع ومحرك لروحه المتسامحة،بما ينأى بهم عن الفرز،
فأرواحهم ليست أغلى من أرواح (أولاد الخايبه) الآخرين، وهذه مكرمة أخلاقية تسجل لهم ،وليشهد عليها أصحاب الضمير الحر.
نعلم جميعا أن تلك الأحجية ونقصد بها "المظلومية" كان قد روجها اليهود منذ ظلم فرعون لهم، حتى هالوكوست هتلر، وتمرسوا عليها وصقلوها وهذبوها بحيث
أصبحت جزء من كيانهم النفسي والتنظيمي، التي لم تنطبق علينا نحن العراقيين حتما، ولم نتعود عليها، كون من ظلمنا هو "منا و بنا" ومن لحمتنا، ونحن نتحمل جميعا
تفريطنا بعراقيتنا عندما تحالفنا وصفقنا للبعثيين وأعتبرنا صدام (كاسترو العراق) وهزجنا (حزب البعث أحنا يلوك ألنه) ثم ابدلنا أرواح أخواننا وأبنائنا بسيارات
يابانية، على مذبح الرياء البعثي. وهنا أذكر أن الجميع صفق وتحالف مع البعثيين من قوى شيوعية وبرزانية وطلبانية إبتداءا منذ جبهة الإتحاد الوطني عام
1957، ثم
التحالف العروبي الناصري ـ البرزاني عام، 1961، أو الجبهة الوطنية الغبراء ،حتى التحالفات بين مسعود البرزاني وصدام، التي استمرت في شمال الوطن خلال
أحداث عام 1996 وما تلاها.
لقد تلقف الفيلية بلمحايتهم المعهودة أن الثقافة العراقية لا تؤمن بالصراعات بين الناس على أساس عرقي-قومي أو طبقي الذي ورد من أمهات النزق النهضوي
"لتنويري" الألماني، وأن العراق أنتج الإبراهيمية والمانوية وهذب المسيحية وصقل الإسلام وكرس فيه روح الحضارة والطين، وأقتلع منه فتيل البداوة وعدوانية الرمل
ونزق الصحراء وكراهية عباد الله. وهكذا نجدهم اليوم يمارسون الفطرة المسالمة ، ولم نسمع عن فيلي أنتقم من أحد أغتصب داره أو حلاله، فقد خاطبوا الناس
بالحسنى، ولم ينتقموا منهم،مثلما،هي سجية البدوي والبعثي الذي ينتقم من العراقيين تفخيخا اليوم ،ليثبت بالدليل الساطع أنه جلف وقادم من خارج الإطار النفسي
العراقي، الذي يجسده اليوم الفيلية. ونرى في هذا السياق كيف أنتقم صدام من شرفاء العراق كونه كان يظن أن عهر عائلته كانت بسبب ما أجبروهم عليه العراقيون ،
وليس هي جزء من سجية أهله،التي يعلم القاصي والداني ،لماذا سميت قريتهم العوجة،كونها كانت بيوت للدعارة.
ويتعرض الفيلية اليوم إلى عملية إبتزاز داخلي وخارجي، تبنته قوى قومية سابقة مؤدلجة متشنجة،من أجل إستمالتهم إلى الحل القومي، وجعل بغداد والكوت وديالى
والعمارة "كردستانية" لتواجدهم المكثف بها. لقد أيقنوا الفيلية بالسليقة أن مسوغ (حق تقرير المصير) المتشدقين به بعض السذج، ممن تنقصهم الحصافة التاريخية
والجغرافية، وبان تلك"الأحجية" مادة قانونية تدخل في إطار لجنة تصفية الاستعمار في الأمم والمتحدة، وأن شمالنا مثل بغدادنا وعمارتنا وكوتنا وكركوكنا لم تكن
مستعمرة، فقد كنا مغتصبين من قبل صدام والبعث والعروبيين الذي شملنا جميعا دون استثناء ووزع علينا الظلم بالقسطاس.
أن الحلول القومية التي قسمت هموم الوطن "بالقطاعي" لتباع بالتجزئة، أمر يرفضه كل واع في عراق اليوم، ومن الملفت للنظر أن تلك الحلول الشرذمية يتبناها
بعثيون سابقون مثل مشعان الجبوري وسعد البزاز، وكذلك قوميون عروبيون مثل هارون محمد أو متشنجون شيوعيون طلقوها أو مازالوا يحنون لأيام ستالين والجدار
الحديدي. ومايثير أنهم تركوا هموم الوطن الشاملة وتعلقوا بالحل القومي وتسويق موقف "كسران خاطر" أو"جبر خواطر" إنساني ،بعيدا عن تبني حلول شاملة وناشزة
لباقي فئات الأمة العراقية، وكأن ليس في العراق هم سوى الفدرالية العنصرية،
وحق فئات بعينها العيش دون سواها،قافزين ببهلوانية صريحة وذيلية متوارثة، فوق
الإحتلال وإنتهاكات البعثيين والإرهاب المتربص، ومحاولات قوى سياسية بيع العراق ومستقبله،
ناهيكم عن جوهر الهموم المتمثل في الفقر المدقع لأهلنا ، وغياب
الأمان والضمان،و حق العيش الكريم والعمل والسكن وإختفاء الخدمات من كهرباء وماء، ،وكل تلك الهموم الجلل بما ينطبق عليهم المثل العراقي (عايف أمه وأبوه
وتابع مرة أبوه).
وهنا ننبه القوى العنصرية القومية التي تسوم فئات العراق إبتزازا مستغلة فراغ إسقاط الدولة العراقية،
أن تعلم أن الله فوق الكل، وأن النتائج تأتي بحسب النوايا
وصدقها، وأن طرقهم الملتوية وأساليبهم الأبليسية هي مكشوفه للبيب،
و نعلمهم أن مراميهم تزول بزوال الإبتزاز، وسرعان ماسيعود الكل إلى سجيته وطبعه.
ألم يتعلموا
من تجربة البعث القومية التي أجبرت الناس على العروبية،وها هو معدن العراقيين يظهر من جديد،
بعدما مارسوا التقية لجيلين، فعادوا لأصلهم عند زوال
الأسباب.
لقد نالت روسيا البيضاء (بيلو روسيا) بسبب جرائم هتلر على أراضيها حق منصب إستثنائي
في الأمم المتحدة، بما يدعونا إلى إثارة الأمر عينه اليوم والمطالبة بمقاعد
إستثنائية للفيلية في البرلمان العراقي كونهم الأكثر من تعرض للظلم داخل العراق على
طول تاريخه. وأنا أول الموقعين على قائمة أريدها أن تصل إلى الرقم الرمزي ذو
الدلالات (1,7 ) مليون عراقي، مطالبين بحصول الفيلية على حقوق إستثنائية.
فمرحى للفيلية الذي يعطونا درسا جديدا في الوطنية العراقية، ومرحى لرجاحة الحكمة
التي ورثوها من جدهم أنكيدو الفيلي، الذي روض روع كلكامش المتهور بحكمته والتي
ستكون هدى للعراقيين جميعا. ومرحى للفيلية حينما لم يتبعوا حملات
"العلاقات العامة" التي تستعملها قوى قومية عروبية وكردوية من أجل شراء
الذمم، ومرحى لموقفهم العراقي الحر، ولسوف يشهدون أن الكثيرين من المتعاطفين معهم
سوف ينتخبوا ممثليهم، ليس بسبب كونهم فيلية ،بقدر كونهم عراقيون نزهاء، لم تتلوث
أيديهم بمصافحة صدام.