حــول بعـض قضــايـا "التكريــد"


"مالي مالي، مال الناس هَمْ مالي"

"تكريــد" كوردستان من قبل الكورد
تظهر بين الحين والآخر كتابات على بعض المواقع الالكترونية حول موضوع المناطق التي مارس فيها النظام السابق سياسة "تطهير عرقي" مخطط ومبرمج شارك في تنفيذها كل أصناف القوات المسلحة العراقية وقوات الشرطة وقوات والأمن والمخابرات وأعضاء الأجهزة الحزبية ألبعثية، في مساحة تمتد من خانقين ومندلي إلى سنجار مرورا بكركوك بسبب احتوائها على النفط ولموقعها الاستراتجي. تضمنت هذه السياسة المبرمجة طرد الكورد وقسم من ألتركمان من بيوتهم في المدن ومن قراهم وأراضيهم الزراعية وحيواناتهم ووضع اليد عليها (مصادرتها، أي سرقتها، بسبب عدم دفع تعويضات لأصحابها القانونيين والشرعيين) وعلى محتوياتها وقتل الأطفال والشباب والشيوخ من ورجال ونساء حتى الحاملات منهن (القبور الجماعية المكتشفة) وقام "الصناديد" من مراتب هذه القوات باغتصاب النساء والبنات العزل بعد الحصول على موافقة وتشجيع قسم من ضباطهم بالتمتع "بغنائم فتوحات ألأنفال" وأخذها.

بعدها قام النظام السابق بتشجيع الراغبين بتقديم المغريات والنقود (
10,000 عشرة آلاف دينار ) والأسلحة وقدم وسائط النقل المجانية لهم ولممتلكاتهم المنقولة ولإسكانهم في بيوت وقرى الكورد وألتركمان الذين تم ترحيلهم منها قسرا وقُتل قسم منهم (أكثر من 180,000 من الكورد أثناء عمليات الأنفال لوحدها). استجاب الراغبون لهذا التشجيع وهذه المغريات وانتقلوا طوعا لا إجبارا إلى بيوت هذه المدن وقرى هذه المناطق (ومندلي وخانقين إلى كركوك) واستوطنوها وحملوا السلاح دفاعا عن النظام السابق. مع العلم بأن هؤلاء المستوطنين القادمة غالبيتهم من جنوب العراق وقسم من وسطه كانوا على اطلاع تام بأنهم سينتقلون إلى بيوت وقرى وأراضي زراعية وحيوانات تعود ملكيتها شرعا وقانونا لعراقيين من الكورد وألتركمان المظلومين المرحلين قسرا، ومع ذلك وافق هؤلاء المستوطنون، بمحض إرادتهم وبدون أكراه أو قسر، على ذلك طمعا في المال والدار والأرض الحرام، ألأمر الذي تنهي عنه التعاليم السماوية وتمنعه القوانين الوضعية.

"تكريــد" بغــــداد من قبل الكورد ألفيليه
قام نفس النظام السابق بتنفيذ الجزء الآخر من سياسية "التطهير العرقي" المخطط والمبرمج الموجه أساسا ضد الكورد الفيلية والتي شاركت فيها قوات الأمن والشرطة والمخابرات وأعضاء الحزب والجيش وألقى بهم خارج الحدود بعد مصادرة (سرقة، بسبب عدم دفع تعويضات لأصحابها القانونيين والشرعيين) دور سكناهم وكل ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ووثائقهم ألثبوتية من هويات شخصية وجوازات سفر ووثائق الملكية (ألطابو) وشهاداتهم المدرسية والجامعية ودفاتر خدمتهم العسكرية وشهادات الولادة والزواج وغيرها. ثم قام ذلك النظام بتوزيع قسم من هذه "الغنائم" على أزلامه ومؤيديه وببيع البقية بأسعار بخسة على الراغبين من المشترين الذين كانوا على علم كامل بأن ما اشتروه طوعا لا إجبارا هي مال وممتلكات حرام تعود ملكيتها شرعا وقانونا لأصحابها العراقيين المظلومين.

"التعريب" آنـذاك و"التكريد" ألآن
الآن وبعد هزيمة النظام السابق مرتكب هذه جرائم السرقة هذه، بدأت تظهر بعض الكتابات حول "ألتعريب" و"التكريد" تصدر غالبيتها عن قوميين وإسلاميين. الغرابة في هذه الآراء هي مساواتها بين ضحايا سياسة التطهير العرقي للسكان الأصليين من الكورد وألتركمان وعودتهم إلى بيوتهم وقراهم ومناطقهم، وبين المستفيدين طوعا وعن وعي وسبق إصرار وبشكل غير قانوني وغير شرعي من هذا التطهير العرقي من المستوطنين القادمين من جنوب ووسط العراق، ويعتبرون إعادة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها الشرعيين والقانونيين أمر يساوي المصادرة الاعتباطية والكيفية التي مارسها النظام السابق والاستفادة منها من قبل المستوطنين، ويسمون عودة المهجرين قسرا إلى بيوتهم وقراهم ومناطقهم الأصلية "تكريدا" مع العلم إن العائدين إلى كركوك وغيرها ليسوا فقط من الكورد بل من ألتركمان أيضا (ولكننا لا نقرأ عن "تتريك" كركوك بعد عودة ألتركمان إليها من جنوب).

وهنا يطرح سؤال نفسه وهو هل سنقرأ كتابات عن "تكريد" بغداد بعد عودة الكورد الفيلية إلى بغداد ومطالبتهم باستعادة بيوتهم وبقية ممتلكاتهم بعد صدور قرار إلغاء التجميد وألترقين عن سجلاتهم وبعد صدور قانون حل الممتلكات المتنازع عليها؟

تســــــاؤلات
1- ماذا سيكون رد فعل أصحاب هذه الكتابات لو جاء شخص يساعده آخرون واعتدوا عليهم وأجبروهم بالقسر وبدون وجه حق أو قانون وضعي أو شريعة سماوية على مغادرة بيوتهم وسكنوا فيها بدلا عنهم واخذوا محتوياتها ووثائقهم ومستمسكاتهم ونقودهم وغيرها؟ وماذا سيقولون إذا تغيرت الظروف وسنحت لهم الفرصة لاستعادة بيوتهم ووثائقهم وأموالهم؟ فهل تتساوى عندئذ استعادتهم لحقوقهم مع ما تعرضوا له؟ وماذا سيكون ردهم إذا قال الساكنون في بيوتهم "مالي مالي، مال الناس هَمْ مالي"!
2- هل ستفقد كركوك عراقيتها عندما تصبح ضمن حدود إقليم كوردستان؟ وهل يعني هذا أن دهوك واربيل والسليمانية قد فقدت عراقيتها لأنها ضمن حدود الإقليم؟ أليست هذه المحافظات عراقية؟ ألا يقطنها سكانها الأصليون من الكورد وألتركمان والعرب والكلدان والأشوريين والسريان، مسلمون ومسيحيون وأزيديون وغيرهم، في سلام ووئام وحقوقهم الإنسانية والسياسية والقومية والدينية مصانة ومتساوية؟

د. مجيد جعفر، دكتوراه في التخطيط ألإقليمي واقتصاديات البلدان النامية، عضو اتحاد الكتاب السويدي.
majeed.jafar@maxima.se
26/2/2005