معوقات أمام التحول الديمقراطي في العراق

المهندس صارم الفيلي *
27/2/2005

تمر الأمم والشعوب بمنعطفات تاريخية تؤدي الى حدوث أنتقالات نوعية في طبيعة العلاقات الأجتماعية وطرائق التفكير وكمثال على ذلك ، التحولات التي صاحبت الثورة الصناعية الاولى الناتجة عن التطور التاريخي الهائل في أدوات الأنتاج ، وما رافقتها من علاقات أنتاج جديدة ، وأحدثت ارتجاجات عنيفة في البنبة الأجتماعية السائدة وبنائها الفوقي ، أدت الى ترسيخ طرائق جديدة في التفكير مهدت لاحقا لبدء عصر الحداثة . أن الأسطر السابقة تعبر عن أستحضار سريع لكلاسيكيات المادية التاريخية التي نجحت في استقرائها لتاريح تلك المرحلة . مع أن التاريخ قد سجل تحولات أجتماعية وثقافية أخرى كان العامل البشري علتهاالواضحة لا العامل المادي . وهذا يجعل من امكانية قراءة اصولية للتاريخ غير دقيقة في أحيان كثيرة . فالمشهد التاريخي لا يكتمل الأ بالنظر من مختلف الزوايا . أقتصادية . سياسية . دينية . جغرافية وغيرها مع أختلاف درجة تأثير هذه العوامل.

في عراق اليوم حصل تحول تاريخي بفعل عامل سياسي خارجي ، ومورست تجربة انتخابية ناجحة تمهيدا لأرساء اسس لبناء ديمقراطية هو الأول في تاريخ هذا البلد منذ ايام دويلات المدن السومرية الذي كانت ملكية الأرض وماعليها للحاكم ، أبن ألآلهة، مرورا بالدولتين الاموية والعباسية حيث بنيت عروش على جماجم ضحاياها ، وطائفية العثمانيين وفتاوي وعاظ سلاطينها في تكفير الآخر تمهيدا لألغائه المعنوي والمادي . وبرلمانات شكلية ملكية أعتمدت على توازنات مصالح معينة وعقد صفقات سياسية بينها في ظل سيادة احكام عرفية عملت على أبعاد قوى جماهيرية مفرغة بذلك الديمقراطية من محتواها الحقيقي . انتهاءا بصدام الذي بيض صفحات تاريخ عتاد المجرمين بتفردة بمسلة ضمت جميع فذارات أعمالهم .

أن المهمة التاريخية أمام الأحزاب والنخب العراقية الآن هي العمل على جعل العامل البنيوي الداخلي منسجما و متطلبات بناء ديمقراطي حقيقي ، حيث لايمكن للصيرورة الأجتماعية تأخذ طابعا أنسيابيا سهلا دون احداث تغيرات شاملة في منظومة الوعي لتجاوز أسباب الضعف والوقوف بقوة بوجه قوى الردة ، بالأستفادة الظرفية من العامل السياسي الخارجي من اجل المساعدة في تذليل المعوقات الداخلية والخارجيةالتي تقف عائقا أمام تطلعات الشعب . بعد وضع خطة شاملة تعيد ترتيب أولويات المرحلة وطبيعة مواجهة تلك التحديات بعد ان يتم تشخيص مستويات الخطورة .

الأرهاب يعتبر تحديا ببعدين داخلي وآخر خارجي ، فقد اعاد البعث تنظيمه واستولى على المفاصل المهمة في الدولة من أجهزة أمنية وقيادات في الجيش والمخابرات، في حين أصبحت توصيات الزرقاوي نصوصا مقدسة عند الأرهابيين تضاف الى تراثهم الأسود الذي كتب بدماء شهدائنا ، ليتشكل تحالفا غريبا بين الصداميين الفاشيين والسلفية الظلامية هدفه الأساس أعادة ، مجدهم الضائع ، الذي كان عنوانه الرئيسي هو تهميش الأغلبية ومعاملتهم كخدم وعبيد وكوقود لمغامرات قائدهم المغوار. هؤلاء حكموا بأسم الشرعية الدينية المستندة الى تخريجات فقهية انتجت من خلال نصوص موضوعة بأوامر أسلام السلطة ، نصوص جعلت من القتل جهادا والتعذيب شرعا والذبح تسلية ، انهم يعتبرون الأسلام بلا دماء كالجسد بلا روح ، والشكل بلا مضمون . أما أرض العراق فهي ذاكرة " أنتصاراتهم " أبتداءا من كربلاء مرورا بالفتنة الطائفية في بغداد وانتهاءا بالمقابر الجماعية . لذلك تركوا ، الجهاد ، في كل المناطق الساخنة ليتوجهوا الى العراق فالقضية عندهم ليست ارضا محتلة ، فهناك اراضي محتلة في الكثير من مناطق المنطقة . وانما تاريخ وفكر مهددين . المشكلة ليس زوال صدام وانما معادلة اشراك كل مكونات الشعب في قيادة العمليةالسياسية وهذا يحطم القاعدة التي قامت عليها عقيدتهم السياسية الأستبدادية وبعدها الطائفي العنصري ذات الأ متدادات الأقليمية ، ليكون الواقع العراقي الجديد بنظرهم ثغرة تقوض أركان هيمنتهم التاريخية . يضاف الى ذلك غياب الديمقراطية في الكثير من دول المنطفة مما تهدد عدواها انظمة قامت على مبدأ الأستخلاف لذلك قدمت بعض الأنظمة للبعثيين والظلامين دعما سياسيا ولوجستيا أدت لأدامة زخم ايذاءهم .
على ألحكومه القادمه العمل على تنظيف أجهزة الدوله من كل العناصر المخربه وفسح المجال لأبناء الوطن المخلصين لتبؤ مراكز قياديه . والوقوف بكل قوة أمام الأنتهاكات حيث أن الوحدة الوطنية لاتعني أن تذوب مكونات الشعب في بوتقة الجريمة والأرهاب . بل المشاركة بشكل ايجابي من قبل الجميع في وضع لبنات أساسية لبناء الفرد والوطن من جديد .
أما على المستوى الأبعد فيجب العمل على تفكيك ألبنى الشعورية والا شعورية لهذا المنهج التكفيري باحداث دراسات تراجعية على المسارالزمني لتتبع الظروف التاريخية والبيئية والنفسية التي صاحبت أنتاج تلك النصوص ، ودراستها لغويا ورمزيا لفصل السياسي عن التراثي الشعبي عن المثيولوجي تمهيدا لمهاجمته على الجبهة المعرفية .

كذلك يجب العمل على أيجاد برامج أجتماعية وأقتصادية لتنمية وأعادة أعمار النفس العراقية، كمطلب مهم لعملية التحول الديمقراطي ، حيث الأرث الدكتاتوري الطويل عمل على ترسيخ معايير مشوهه للقيم وجدت صداها في السلوك والمزاج الشخصي العام وفي أنماط التصور والتفكير فأخذت الضحية تفكر بعقل الجلاد ، وتبحث أحيانا عن ، أيجابيات له ، محدثة بذلك انقلابا حتى على نظام الغريزة .

يمكن الأعتماد على العمل الحزبي لتعزيز زخم التحول بأتجاه الديمقراطية شرط الأبتعاد عن الأنانية والأنغلاق على الذات التي تقف عقبة في طريق الأنفتاح على الجماهير والتعاون الأيجابي مع الأحزاب الأخرى . المشكلة ان أحزابا عراقية ونتيجة لظروف عملها غير الطبيعية ضد الدكتاتورية ، أصيبت لاأراديا ببعض امراضها كالفردية في أتخاذ القرار، فكيف لها ان تتعامل ديمقراطيا على صعيد المجتمع ؟

ألجواب ، ألانعطاف التاربخي الحاصل الآن في العراق بفعل قوة أغرقت العالم بأغراءاتها ومنجزاتها المادية وفرضت طابعها على العصر كله ، تجعل من عملية الأنتقال على المستوى الأجتماعي والسياسي والفكري ذات طابع أنسيابي ويمكن القفز على الحواجز أذ اصبحت متحركة ، والأستفادة من زخم هذه القوة لأحداث أرتجاجات في الوعي والسلوك المصاحب له ، وتجد صدى ذلك تحولا في نسق العلاقة بين الأحزاب ، على أساس المصلحة والتفاهم لا على الخلفية الأيديولوجية ، وهذا يساعد في نبذ السلوكيات التي تقدم مصلحة الفرد على الحزب ، وتضع الصالح العام في مقدمة الجميع .

* ماجستير هندسة توليد طاقة
sarimrs@tele2.nl