محاكمة صدام حسين سابقة لا مثيل لها في العراق وخلافا لمحاكم جرائم الحرب الأخرى لن تكون دولية
جريدة الشرق الاوسط،
7/3/2005
بغداد: جون دانيزوسكي*
بعد انقضاء 14 شهرا على القبض على صدام حسين في حفرته، أصبحت المحكمة
العراقية المشكلة لمحاكمته مع 11 من أعوانه الكبار جاهزة لمباشرة مهامها.
ولكن المحكمة ستكون، بدورها، تحت مراقبة الرأي العام العالمي.
لا يختلف إلا عدد قليل من الناس حول دور صدام حسين ومساعديه في مقتل عشرات الألوف من العراقيين الأكراد والشيعة. لكن الكثيرين يتساءلون ما إذا كانت المحكمة التي تشكلت في ظل الاحتلال
الأجنبي وفي أجواء تمرد مسلح ستكون قادرة على إصدار أحكام مقبولة على المستوى العالمي.
يقول ريتشارد ديكر، مدير العدالة الدولية في منظمة «مراقب حقوق الإنسان» انه يعتقد أن المحاكمة «ستكون تحديا». ويشعر ديكر وخبراء آخرون بالقلق من قرار يسمح باللجوء الى عقوبة الإعدام، كما
يعتقدون ان إجراءات اتصال المتهمين بمحاميهم غير ملائمة ويتساءلون إذا كان القضاة العراقيون يملكون الخبرة الكافية للتعامل مع قضايا معقدة كهذه.
ويضيف ديكر «لم يكن هناك قضاء مستقل في العراق منذ 30 عاما، وهذه المحاكمات هي من أكثر التحديات التي يمكن أن تواجه القضاة والمحامين».
والمخاطر التي تواجه أعضاء المحكمة اتضحت الثلاثاء الماضي حينما هاجم مسلحون قاضي التحقيق برويز مرواني وأردوه قتيلا مع ابنه المحامي خارج منزلهما في بغداد.
ويعد مرواني أول عضو من هيئة المحكمة يتم اغتياله، لكن خبيرا غربيا آخر قال إن العاملين في المحكمة يواجهون تهديدات كثيرة. قال جيفري روبرتسون المستشار والخبير القانوني البريطاني «إذا
كان القضاة سيقتلون في حالة بقائهم داخل العراق فإنه في هذه الحال عليهم أن يعقدوا محاكمهم في بلد آخر... أنت لا تستطيع أن تحقق العدالة في منطقة حرب».
وتتشكل المحكمة العراقية الخاصة من حوالي 35 قاضيا عراقيا مع مجموعة عاملة مساعدة يبلغ عددها حوالي
400 شخص وهذا يشمل محامين ومحققين وباحثين وحراسا. وفي كل خطوة ستتم استشارة
المحامين الأميركيين والبريطانيين ومن بلدان أخرى. كذلك على القضاة أن يعملوا وراء غرف مغلقة حيث عليهم بمراجعة أطنان من الوثائق ومقابلة آلاف الشهود المحتملين للتعامل مع جرائم منسوبة
للنظام البعثي السابق الذي استمر في الحكم قرابة الـ 4 عقود.
تبقى أسماء القضاة مجهولة بشكل عام بل وحتى مكان عقد المحاكمات لم يتم الإعلان عنه على الرغم من أن المسؤولين قالوا في جلساتهم الخاصة إن مبنى خاصا للمحاكمات قد تم إنشاؤه داخل إحدى
المناطق المحروسة حراسة مشددة من بغداد.
سيتم اليوم تحويل أولى التهم التي قدمها قضاة التحقيق إلى هيئة قضاة المحكمة وهي تطال خمسة من مساعدي صدام حسين الكبار، بينهم أخوه غير الشقيق برزان ونائب رئيس الجمهورية السابق طه
ياسين رمضان. واتهم هؤلاء بسلسلة من جرائم القتل الجماعي سنة 1982 ضد سكان قرية عراقية تقع في وسط العراق حيث وقعت هناك محاولة لاغتيال صدام حسين.
أما المتهمون الآخرون المتوقع مثولهم أمام المحكمة فهم علي حسن المجيد، المعروف باسم علي الكيماوي، لدوره في الهجوم بالغاز السام على الأكراد. كذلك سيكون هناك وزير الدفاع السابق اللواء
سلطان هاشم. وكلاهما ظهر في جلسات الاستماع التمهيدية التي جرت في ديسمبر (كانون الاول) الماضي. وقد تستخدم شهادتاهما لاقامة الدعوى على صدام حسين الذي قد لا تبدأ محاكمته إلا بعد عام
من الآن.
وقد سلم الجيش الأميركي 12 متهما للسلطات العراقية في 28 يونيو (حزيران) الماضي وهو يوم إعادة السيادة العراقية الى الحكومة العراقية المؤقتة، لكنهم ظلوا تحت حراسة مشددة من قبل الوحدات
الأميركية داخل سجن قريب من مطار بغداد.
وعلى عكس ما جرى في محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية أو المحاكمات الخاصة لجرائم الحرب التي وقعت في البوسنة ورواندا، فإن المحكمة العراقية لن تكون دولية، إذ أنها ستجري وفق
قانون عراقي.
ويزعم محامو الدفاع أن المحاكم التي شكلت في ديسمبر (كانون الاول) 2003 من قبل إدارة الائتلاف المؤقتة ومجلس الحكم الذي شكلته هو خرق لمعاهدات جنيف التي تحد من صلاحيات سلطات
الاحتلال في اتخاذ إجراءات من هذا النوع.
ويقول خالد الدليمي، أحد محامي صدام حسين، ان «المحكمة غير شرعية وغير قانونية وغير دستورية لأنها تشكلت من قبل بول بريمر». وقال الدليمي الذي تحدث عبر الهاتف من مخبأ له في بغداد إنه
تسلم رسائل تهديد كثيرة من مجهولين لقراره الدفاع عن صدام حسين وكان عليه أن يترك بيته بغية الحفاظ على حياته. وقال إن فريق الدفاع، ومقره في الأردن، يسعى إلى وضع الادعاء العام في
موضع المتهم والقيام بتحدي شرعية الحرب التي استهدفت إسقاط حكم صدام حسين.
لكن المحامين ضمن فريق المحاكمة قالوا إن المحكمة تتلقى نصائح من قبل الحكومة الأميركية لكنها لا تخضع لسيطرتها، وإن مخاوف من هذا النوع ستبدد بسهولة لأن المحكمة ستتم إعادة تثبيتها من
قبل الحكومة العراقية الجديدة.
وقال رامزي كلارك وزير العدل الأميركي الأسبق إن المحاكمة تفتقد للقواعد الأولية للعدالة، معلنا أن «مبدأها وكوادرها وتمويلها وعملها اختيرت من قبل الولايات المتحدة وهي ما زالت تحت سيطرتها
وتعتمد على إرادتها ومنحازة إلى رغباتها».
وكلارك هو من منتقدي الحرب على العراق ويتبنى من وقت إلى آخر قضايا لا تحظى بشعبية وقد تطوع للمساعدة على الدفاع عن صدام حسين. لكن كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة عبّر هو
الآخر عن تحفظات أخرى، فمع رغبته في عدم ربط الأمم المتحدة بمحاكمات قادرة على إصدار أحكام بالإعدام منع أنان أي مشاركة مباشرة للمحكمة التابعة للأمم المتحدة في لاهاي (هولندا) والمختصة
بالنظر في جرائم الحرب، من أن تتولى تدريب ومساعدة المحامين والقضاة العراقيين.
ومع استمرار أعضاء من حزب البعث في قيادة التمرد في العراق فإنه ينظر إلى المحاكمة باعتبارها ضرورة سياسية للحكومة العراقية الحديثة الوجود والمدعومة من قبل الولايات المتحدة.
ويجادل معارضون قدامى لصدام حسين، مثل أحمد الجلبي رئيس حزب المؤتمر الوطني العراقي، من أن الحكومة العراقية الجديدة ستكون قادرة على فرض سلطتها والتحرك إلى الأمام بعد أن تبث
جرائم صدام حسين عبر موجات الأثير في محاكمة علنية يسمح فيها للقانون أن يلبي متطلبات محاكمة عادلة.
وقال الجلبي في مقابلة جرت معه أخيرا «أنا أريد أن تجري المحاكمة. إنها إجراء موحِّد للعراقيين». ووجه اللوم لتأخر المحاكمة على أعضاء من حزب البعث الذين سمح لهم بالتأثير على المحاكمة.
فالكثير من العراقيين العاديين ينتظرون بفارغ الصبر بدء محاكمة صدام حسين.
ويقول بائع الملابس البغدادي سعيد حمدي علي، 26 سنة، «لو عاد الامر إلي فأنا سأقطعه إلى قطع صغيرة ثم آكله». ويوافق على أن تجري لصدام حسين محاكمة لكنه متأكد من الحكم. «يجب عدم قتله
مباشرة لأن ذلك سيكون سهلا. يجب أن يوضع في سجن لعدة سنوات، كي يذوق الذل ثم يكون عقابه بتقطيعه إلى قطع صغيرة».
ويقول الدليمي محامي صدام حسين إنه التقى بزبونه مرة واحدة لمدة 4 ساعات ونصف الساعة يوم
16 ديسمبر الماضي ووجد أن الرئيس المخلوع مقطوع عن أخبار العالم لكنه كان يتمتع بصحة جيدة
ومتحمس للمحاكمة. ويقضي صدام حسين وقته مع الكتب وكتابة الشعر وقراءة القرآن والصلاة حسبما قال محاميه. «معنوياته عالية. الأميركيون لا يزعجونه. وطعامه جيد. وشرابه جيد. وملابسه
عادية».
وقال الدليمي إن صدام برهن على أنه بريء من التهم التي وجهت ضده بخصوص امتلاكه أسلحة الدمار الشامل التي أدت إلى غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة ولذلك فإن كل التهم التي تتبعها من
ذلك الإجراء «غير الشرعي» يجب عدم السماح برفعها ضده. «كل شيء يأتي من إجراء غير شرعي هو خال من أي قيمة ويساوي صفرا».
لكن مايكل شارْف بروفسور القانون الدولي في جامعة ويسترن القانونية بمدينة كليفلاند قال إنه بدأ أولا متشككا بالمحاكمة ومقتنعا بأنها «سينظر لها باعتبارها محاكمة شبيهة بمسرح الدمى» لكن بعد
حضوره جلسات مخصصة لتدريب بعض القضاة في أكتوبر (تشرين الاول) الماضي بلندن قال إنه أعجب بدرجة التصميم التي أظهرها القضاة العراقيون لإجراء محاكمة عادلة تلتزم بالمعايير الدولية.
«كل شيء شاهدته جعلني مقتنعا أكثر فأكثر من أنهم يقومون بأفضل ما يمكن في وضع صعب جدا».
وقال شارْف إنه لم يكن ممكنا تشكيل محكمة دولية لأن معظم الجرائم التي ستنظر فيها تلك المحكمة وقعت بين عامي
1968 و2003 ومعظم تلك الفترة كانت خارج صلاحية المحكمة الجنائية الدولية
التابعة للأمم المتحدة. ومن شأن معارضة بعض أعضاء مجلس الأمن الدولي أن تحول دون إجراء محاكمة طارئة شبيهة بتلك التي جرت للمتهمين بجرائم الحرب في البوسنة ورواندا.
مع ذلك فإن المحكمة درست عمل المحاكم الدولية وحصلت على «دعم دولي هائل» وهذا يشمل التدريب من قبل قضاة دوليين في لندن وتدريبات على كيفية تسيير الإجراءات داخل قاعة المحكمة في
إيطاليا وهولندا. كذلك هم عدلوا القواعد العراقية كي يبعدوا أي أدلة تم الحصول عليها تحت الضغط حسبما قال البروفسور شارْف. وأضاف خبير القانون الأميركي أن العراقيين، لا الأميركيين، أصروا
على إبقاء عقوبة الإعدام على الرغم من أن ذلك سيكون مثيرا للجدل في الكثير من بلدان العالم. كذلك أصر القضاة أيضا على بقاء وجوههم مكشوفة على الرغم من المخاطر على حياتهم الشخصية.
وقال شارْف «يريدون أن تنقل جلسات المحاكمة تلفزيونيا وهذا شيء طريف. إنهم فعلا يفكرون في أن المحاكمة يجب أن تكون عادلة أقصى ما يمكن وهم يريدون أن يرى الشعب العراقي عدالة حقيقية
أمامهم».
*خدمة «لوس أنجليس تايمز» ـ خاص بـ «الشرق الأوسط»