في انتظار الفتوى!

الدكتور طالب مراد ـ القاهرة
talibelam@hotmail.com

في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها العراق و أهله و كثرة الآراء و الأحاديث و الاجتماعات و القتل و الدمار و الفتاوى،تذكرت حادثةً عندما كنت طالباً في السنة الثانية بالجامعة بمنطقة أبو غريب و ذلك عام
1965 حيث كنا نضطر للمبيت في القسم الداخلي بالكلية لصعوبة و كلفة الانتقال لبغداد يومياً، و كان يُصرف لنا راتب شهري ( 7 دنانير و نصف ) و كان هذا مبلغا كبيراً آنذاك، و لم يكن أكثر الطلبة يشتري من مطعم القسم الداخلي بل كان أكثر الطلبة يشترون الطعام من مقاه شعبية على طريق أبي غريب لأنها أرخص سعراً، و في يوم قررت عمادة الكلية أن تعهد بمطعم القسم الداخلي لمتعهد و طباخ يوفر لنا الثلاث وجبات كاملة و بجودة معقولة، الطباخ كان اسمه توما، و كان مسيحيا، وبعد فترة تملل الطلبة من الأمر لأنه حرمهم من سيولة نقدية كان البعض يرسل منها لأهله إعانة كل شهر حيث كان أكثر الطلبة من فقيري الحال، و فجأة أبرز أحدهم فتوى من مكتب أو من وكيل السيد محسن الحكيم ( أسكنه الله فسيح جناته ) تُحرِّم أن يطبخ لنا مسيحي طعامنا، و سألتهم بدوري كوني مندوب عن طلبة السنة الثانية عن الورقة التي بها هذه الفتوى البعيدة عن سماحة السيد المعروفة عنه، و الذي كان قد أفتى من قبل بتحريم قتال الأكراد، فلم يجبني أحد بل كانوا يشيرون لأنه هناك شخص سأل المرجع، لقد احترت وقتها فمن جهة كنت شيعياً و من جهة أخرى لأن توما قد استنجد بي وقتها، و احترت لأن الفتوى تلزمنا و غالبنا من الشيعة و لكنها تعني قطع رزق توما المسكين، و قد أُخذ برأي أغلبية الطلبة و عادت لهم الـ 7 دنانير و نصف و خرج توما بلا عمل، و بقى لدي سؤال ( هل كان هناك بالفعل فتوى بهذا الشكل؟ أين الورقة المدون بها الفتوى؟ هل عليها ختم السيد؟ هل هو من أصدرها بنفسه؟ ثم هل لدى السيد الوقت ليهتم بسؤال مغرض عن تحريم أن يأكل المسلم طعاماً طبخه مسيحي رغم أن الرسول أكل في دور المسيحيين و تزوج منهم ؟ )

دارت الأيام و تذكرت ذاك الحدث عندما قرأت ما صرح به الدكتور محمود عثمان قبل أيام بأنه يتمنى أن يخرج السيد السيستاني ( دام ظله ) ليعلن بصوته على الأقل ما يفتي به و هو الأمر الذي أشار له الكاتب القدير عدنان حسين و كرره الكثيرون، إن الشعبية الكبيرة التي يحظى بها السيد السيستاني تتطلب منه أن يوظفها بفتاوى توقف حمامات الدم بالشوارع، وأن يوجه المواطنين العراقيين لنبذ الفرقة، و أن يحرم الفساد و الرشاوى تحريما قطعيا،و أن يوجه للمواطنين فتوى تلزمهم باختيار أفضل من يمثلهم و ليس هذه القائمة أو تلك التي يعلن كل فترة شخص أو وكيل أو نائب أنها مباركة من قبل السيد رغم أنها تضم أحزابا مختلفة و متنوعة.

إن المراجع الكبار بالعراق هم بمثابة آباء روحيين للعراق و ليسوا مجرد شخصيات أو رموز دينية، لا نريد أن نسمع من شخص مثل جواد الخالصي ما صرح به لموقع إيلاف قبل أيام بأن السيد السيستاني لا يعلم ما يدور حوله، لأن خروج السيد بنفسه أو نقل فتواه على الهواء إذاعياً أو تلفزيونيا ستقطع الطريق على مثل هذه الأقوال المغرضة، و كذلك على سيل الفتاوى و التصريحات التي تصدر باسمه و التي ربما لا علم له بمعظمها.

إن ما يحدث من إصدار عشوائي للفتاوى بأسم السيد أشبه بما حدث معي قبل أربعين عاماً في عام
1965 مع فتوى تحريم الأكل من يد طباخ مسيحي ( توما المسكين )، ففي هذه الأيام تعودنا أن نرى على شاشات التلفزة منظرا مألوفاً و هو أن مجموعة من الناس تخرج من دربونة ضيقة ـ زقاق ـ حيث يسكن السيد السيستاني ببيته المتواضع، و بدون استثناء يأخذ الذين كانوا بمنزل السيد و يشيرون لموقع منزل السيد، و يقولون السيد ( قال كذا "هيجي" و أفتى بذاك )، بل و أحيانا تكون الفتوى المعلن نسبتها للسيد متضاربة في مضمونها، و بالطبع الكثير من مواطنينا من الناس البسطاء يصدقون و لا يبحثون عن ختم السيد على الفتوى أو غيره،مثلما حدث معي و اقتنعت بفتوى لم أرها في عام 1965.

في الانتخابات الأخيرة حدث استخدام لاسم السيد السيستاني بصورة جعلت الملايين يخرجون للتصويت و لا يأبهون بالإرهاب الذي يهددهم و بتهديد الزرقاوي و "ربعه" و هذا أمر جيد في حد ذاته، بل و جعلهم يعطون أصواتهم لقائمة معينة صُورت بأنه مباركة من قبل السيد،إذن السيد السيستاني شخصية عامة محبوبة بالعراق و خارجه، و الآن ننتظر دوره للقيام بدور أكبر في العمل العام على أن يكون ذلك من قبله مباشرة دون وسيط، و وقتها ستكون فتاواه أكثر صدقاً و تأثيراً.

إن من طالب بخروج السيد السيستاني علانيةً و حديثه مباشرة للمواطن العراقي لم يطلب المستحيل، بل إن هؤلاء محقون لأن الظروف التي يمر بها العراق حساسة، ونحن لا نريد من الشخصيات العامة أن تكون مادة تلفزيونية ليل نهار ، و لكن لحساسية الظرف الذي يمر به العراق الآن فإننا نطلب منهم هذا لبعض الوقت،و موقع السيد كبير و قوته الروحية بوسعها التأثير في سلوك المواطنين و ليس الشيعة فقط، و حثهم على العمل أكثر، و ساعتها سوف يقارن المواطن بين التزامه بفتوى السيد و بين بعض المسئولين الذين يمارسون الفساد بوزاراتهم و دوائرهم مثلاً، فيدفع هذا المواطن لعدم اختيار هؤلاء مرة أخرى حتى لو كانوا في قائمة زعمت أنها مباركة من السيد، و قد يختار المواطن من عمل بالفتوى حتى لو كان من قائمة علمانية أو حتى شيوعية.

بفتوى لا أظن أنها كانت صادقة أو موجودة أصلا قطع زملائي رزق الطباخ توما قبل
40 عاماً، و الآن ننتظر من السيد فتوى يحث بها المواطنين على العمل، و الساسة على وقف الفساد، و العراقيين ككل على ملاحقة هؤلاء الذين يقطعون ليس فقط الأرزاق بل والرقاب أيضاً.

الأمر ذاته نطلبه من العديد من الشخصيات العامة و الروحية و الاجتماعية التي لها تأثير في الساحة العراقية لتدفع المواطنين نحو مزيد من العمل و التعاون و لتدفع العراق للتقدم و السلام و الاستقرار.