لي الأذرع أم تحريك المرمى
الدكتور طالب مراد ـ القاهرة
talibelam@hotmail.com
22/3/2005
عندما ننظر للعراق الخارج من حكم ديكتاتوري وثلاث حروب مدمرة فإننا لا نبالغ إذا قلنا أنه لازال أمامنا طريق طويل حتى يتعايش مواطنونا دون التوقف عند الدين و القومية و المذهب، خاصة بعد
عقود تم فيها تكريس التفرقة على أساس الانتماءات الأولية و بث الشحناء بين مواطني هذا البلد. مناسبة هذا الكلام هو ما لاحظته مؤخرا من انشغال بعض "كتبة الانترنت" بالهجوم على الأكراد لأنهم
مثلاً يرفعون علما يعتبرون أنه يمثلهم داخل العراق كإقليم أو قومية،و لا يوجد بالعالم كله كتاب يتركون قضايا بلد يهدده التمزق و الإرهاب و الفساد و يتفرغون لقضية "علم". على الأقل مشاهداتي
بالخارج تؤكد أن مواطني الدول المستقرة لا يقفون عند هذه الأمور مطولاً و يعطونها أكثر من حجمها،فزائر المملكة المتحدة مثلا يلاحظ أن هناك أعلام عدة للمقاطعات التي تشكل الدولة،
فهناك علم
لانجلترا و ويلز و اسكتلندا و ايرلندا و بريطانيا و جزيرة مان و غيرها، و الجيل الجديد من الشباب البريطاني لا يتحمس كثيرا لرفع أعلام ولاياتهم و مقاطعاتهم المتفرقة، لكن أحدا أيضاً لا يرفض
الفكرة طالما أن هناك مواطن يرغب في حمل أو رفع علم يمثل مقاطعته، فتراهم حاملين هذه الأعلام اعتزازاً بها عندما تلعب فرقهم، مثل مباراة الركبي بين ايرلندا و ويلز السبت الماضي و التي بيعت
تذاكرها بنحو 800 جنيه إسترليني للتذكرة الواحدة!
الأمر نفسه تجده في اللغات فالذين لا زالوا يكتبون بلغة أهل ويلز قليلون، و مع ذلك لا أحد ينكر عليهم وجود هذه اللغة في مخاطبات رسمية و على كافة "اليافطات" الرسمية و غير الرسمية. إن التوقف
عند محاولة جماعة ما أو إقليم جغرافي للتعبير عن نفسها أو لغتها أو أيٍّ من مفردات تكوينها الخاصة بها يولد مشاكل لا وقت لها . فمع الوقت تجد أن مواطني كتالونيا باسبانيا لا يتوقفون كثيرا عند
مطلب اعتماد لغتهم ،أما قمع هذا الحق فيزيد من المطالبين به بل و يرفعونه كمطلب أولي يسبق ما عداه. لا أحد سيقضي على وجود اختلافات بين مواطني كل دولة، اختلافات لغوية و قومية و إثنية،
المهم هو كيفية التعامل مع هذه الاختلافات، وصولا إلى الوقت الذي يصبح فيه كل مواطن بغض النظر عن لونه و عرقه و قوميته و مذهبه له نفس الحقوق و عليه نفس الواجبات. هذه العلاقة الرشيدة
و حقوق المواطنة الكاملة هي التي ستمنع أي قلاقل و مشاكل أهلية-لا قدر الله، و لا أحد سيعترض على الكردي إذا رفع علما يمثل إقليمه و لا على الجنوبي أو ساكن بغداد إذا فعل الأمر ذاته، بل إنه مع
الوقت لن يتوقف أحد ليناقش مثل هذا الأمر و ستبقى الأعلام مرفوعة أو منسية فالكل سيكون منشغلاً بعمله و بتحسين وضعه المعيشي و مكانه اللائق في المجتمع.
و نفس الكتاب الاليكترونيين ـ إذا صح التعبير ـ وبالأخص المتواجد منهم في بريطانيا و منهم من يعيش هنا منذ عقود ، أي في نفس الفترة التي تعرض فيها أبناء الشعب الكردي و البشمركه
للاضطهاد و الضرب بالأسلحة المحرمة دولياً و التهجير القسري، ألم يلاحظ هؤلاء الكتبة أثناء تجولهم في محطات القطارات و الباصات البريطانية وجود جنود بريطانيين باللباس الاسكتلندي أو
الأيرلندي ، حيث أن الجيش البريطاني و منذ قرون فيه كتائب من هذه القوميات لابسة ملابسها القومية و تقيم في مقاطعاتها الأصلية. و حبذا لو سأل هؤلاء المشككون هؤلاء الجنود عن أصلهم و
فصلهم، ربما تعلم هؤلاء الكتبة أنه لا حق لهم في استنكار وجود وضع خاص للبشمركة كقوة في كردستان و حماية حدودها. وإذا لم يقتنعوا بتركيبة الجيش البريطاني ( الاستعماري ) فعليهم ملاحظة
تكوين الجيوش الهندية أو الباكستانية ، وكتائبها البنجابية و البنغالية و ... و .... و.... إذاً فتشكيل قوة من البشمركة في كردستان و ضمن الجيش العراقي هي ليست ( بدعة ) و لا نعرف لماذا
أصبحت الآن مادة دسمة للهجوم الشوفيني على الشعب الكردي.
نعود في حديثنا للعلم و نلاحظ مثالاً آخر هو العلم الحالي للعراق إذ نجده يحتوي على ثلاث نجمات تمثل دولاً لم تعد متحدة الآن ـ العراق و سوريا و مصر، و لا ننسى أنه يحمل عبارة كتبت باختراع
من صدام و بدم يده، و كل التغيير الذي حدث هو أنه تم كتابة العبارة بخط مختلف، كما أن الرأي الداعي بالعودة لعلم الجمهورية الأولى ـ عبد الكريم قاسم ـ رحب به الكثيرون، و مع ذلك و لأسباب
أخذت طابعا دينيا تم اعتماد العلم ثلاثي النجمات إلى حين تدوين الدستور و انتخاب الجمعية الوطنية، و مع ذلك لم يعترض الأكراد و رفعوا العلم المقر للبلاد على وزاراتهم و دوائرهم الرسمية و على
مقار البشمركة أيضاً، و لم يواصلوا شكواهم منه لأنهم اقتنعوا بأنها قضية جانبية يجب أن تؤجل، و مع ذلك لم يثني أحد على هذه الخطوة بل تفرغوا للهجوم عليهم لأنهم رفعوا بجواره علما يعتقدون
فيه.
نقطة أخرى تدلل على عدم مصداقية البعض أو ـ لنخفف كلامنا قليلا ـ تحول المواقف لدى البعض، هو ما نسمعه من تصريحات مختلفة كل يوم حول أمور متفق عليها سابقاً، و استمرار الجدل في
قضايا خلافية و هامة تم الاتفاق عليها إما في اجتماعات المعارضة أو في قانون الدولة الانتقالي. إن موقف بعض الساسة المحسوبين على القائمة الائتلافية يذكرني بطريقة البيع و الشراء عند تجار
الماشية في بعض الدول الآسيوية حيث يضع البائع يده اليمنى في اليد اليمنى للمشتري و يغطوا أيديهما بمنديل حتى لا يرى الآخرون السعر الذي تم الاتفاق عليه. و هم بدورهم يمسون أصابع بعضهم و
يقررون ثمن البهيمة. و إنني أحس بأن هذا ما يقوم به الأخوة في القائمة مع الجهات الأخرى، و لكن الفرق هو أنهم يتصافحون بيديهما الاثنتين و يستعملون أكثر من منديل. و هؤلاء الذين يغطون
أيديهم بالمنديل هم أعرف من غيرهم بمطالب الأكراد حيث تبنوها من قبل عندما كانوا في كردستان التي كانت الملاذ الوحيد لميليشياتهم و صحفهم و إذاعاتهم و عوائلهم لدرجة أصبح جزء منهم أكراداً
أكثر من الأكراد الأصليين.
لقد تركت الوطن منذ زمن بعيد و رجعت له عدة مرات من بعد التحرير. لذا لا يحق لي أن أتكلم باسم من هم بالداخل و لكن الذي أعرفه و بعد سنتين من سقوط النظام، فإن قتلة والدي ما زالوا أحراراً و
بيتنا ما زال يسكنه أغراب، ولم نعثر على رفات أبناء خالتي لحد الآن، و الذين كانوا في نقرة السلمان، و أبناء جلدتي من الأكراد الفيليين لازالوا ينتظرون حلا جذريا للمشاكل التي خلقتها الحكومة
الشوفينية لهمٍ. و الوجوه الكالحة لممثلي التمثال مازالوا في مواقعهم الوظيفية بالخارج. بل و كثر القتل و التفخيخ و الفساد ... و.... و ......
فالنشوة التي انتابت البعض عند فوزهم في الانتخابات الأخيرة بالعراق جعلتهم يحيدون عما التزموا به، و هو أمر مخجل، كما أن الانتخابات جدية على أبواب بعد أقل من تسعة أشهر و ساعتها سيختار
المواطنون الأكثر صدقاً و الأقل تناقضا مع مواقفه السابقة و المعلنة.
فلنرفع المناديل من فوق أيادينا، و لنقلل من استعمال تعبيرات مثل لي الأذرع و رفع السقف، لان الشعب العراقي بكافة قومياته و ملله يعرف من هو الذي يغير موقع الهدف على الساحة العراقية.