المنسيون... الكورد الفيلييون والعراق الجديد
الدكتور بُرهان شاوي
موسوعة صوت العراق، 22/3/2005
لا أعتقد أن أي عراقي أصيل، مهما كانت قوميته، مذهبه، ملته، طبقته، جنسه أو حتى مستواه التعليمي ووعيه السياسي، لا يعرف أو يعترف بأن الكورد الفيليين تعرضوا لظلم كبير، فقد نهبت أموالهم،
وصودرت ممتلكاتهم، وزج بشابهم في السجون حيث أُعدموا ودفنوا في المقابر الجماعية، الى جانب أخوتهم من بقية أبناء الشعب العراقي.
وقد إستبشر العراقيون، ومنهم كان الكورد الفيليون، منذ سقوط الصنم الأكبر بولادة عراق جديد، يحتكم لشريعة السماء والأرض في أن العراقيين متساوون في حق الحياة والحرية والكلمة والجنس
والعقيدة.
إلا أن واقع التجربة السياسية في العراق خلال العامين المنصرمين هزت هذه القناعة. فقد سارع الجميع الى وليمة السلطة، يدفع بعضهم بعضا.
لسنا واهمين، فحركة التاريخ البشري كانت، ولازالت، وستبقى تشير الى عرش السلطة، فمن هناك يمكن الشعور بنشوة الهيمنة، ومن تلك القمة فقط يمكنك أن ترى الأشياء صغيرة ومقدورا عليها، ومن
هناك يمكن رؤية المشهد على حقيقته، وعندها فقط يمكن تغيير الواقع والأشياء.
لكن العراقيين، أفرادا أو أحزابا، الذين تربعوا على عرش السلطة أو جلسوا عند حوافه، وهذا أضعف الأيمان، لم يبصروا من الأشياء إلا ما أشتهت أنفسهم أن تبصر، أو انهم إجتهدوا فأخطأوا ولهم عندها
فضيلة واحدة، هي إجتهادهم!!
عرس اليتيمة والقمر الغائب
ثمة مثل عراقي شائع عن اليتيمة التي حتى القمر غاب في ليلة عرسها. هكذا هم الكورد الفيلييون في عرس الدم العراقي. فالجميع نالتهم عطايا السلطة الكريمة جدا جدا، إذ حتى هؤلاء الذين حاربوها
ورفضوها ألقت بنفسها في إحضانهم عنوة، ورغم ذلك فهم يرفضونها ويتدللون عليها، بينما تنكرت هذه السلطة الجديدة شبه المقنعة للضحايا الذين منحوها شرعية التكلم بأسمائهم.
لقد هثجر الى إيران في بداية السبعينات و نهايتها، وفي بداية الثمانينات، مئات الألوف من الكورد الفيليين والعرب الشيعة أيضا، بحجة تبعيتهم لإصول إيرانية، وهذه مأساة يعرفها جميع العراقيين، فهي
التهمة الجاهزة للسلطات القومية العنصرية التي توالت على حكم العراق. وهي تهمة لحقت حتى بشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، ناهيك عن الفنان العراقي الكبير فايق حسن والفنان
السينمائي جعفر علي، والفنان المسرحي إبراهيم جلال، والفنان السينمائي عبد الجبار ولي، والفنان ناصر خانة، والفنان كوكب حمزة، والفنان جعفر حسن، والمؤرخ حسين قاسم العزيز، والعشرات من
الكتاب والفنانين والشخصيات الأكاديمية والوجوه الإجتماعية العراقية الأصيلة، التي لا أود حصرها كي لا أثير حفيظة البعض، فلسنا في هذا المقام الآن.
لكن المؤسف حقا أن العراق الجديد لازال يراوح ويخاتل إذا لم نقل بصريح العبارة بأنه يرفض إحتضان ضحايا النظام البعثفاشي من الكورد الفيليين، من خلال إعادة المهجرين منهم إلى الوطن،
وتكريمهم وتعويضهم عن أموالهم وممتلكاتهم المصادرة، وتأمين الحياة الكريمة للمسنين والعجزة منهم، وتعويض عوائل الشهداء منهم، ولكن قبل كل شيء إعادة الإعتبار لهم بالإعتراف الصريح
والقانوني بعراقيتهم الأصيلة، إما من خلال إلغاء وثيقة شهادة الجنسية العراقية، او من خلال منحهم إياها، ومن خلال إبعاد المسؤولين في دوائر السفر والجنسية الذين جلهم من البعثيين السابقين والذين لا
زالوا يمارسون سياستهم العنصرية المقيتة.
العراق والعراقيون سيبدأون قريبا بكتابة الدستور العراقي الذي سيطرح على الشعب العراقي لإقراره، وهو الدستور الذي سيكون فوق أهواء الأفراد أو الجماعات، والذي سيكون الأرضية لنمط الحياة
للأجيال العراقية القادمة، فنحن أبناء هذا الزمان فينا شيء من عفونة الماضي والذي يسمم هواء الحاضر أيضا، لذا نناشد هؤلاء الذين سيكتبون هذا الدستور بأن يتقوا الله في الكورد الفيليين، وأن لا
ينسوهم، ويتركونهم في عراء التاريخ.