الفيليون وإشكالية التمثيل في المجلس الوطني العراقي

الدكتور خليل شمه*
موسوعة صوت العراق،
5/4/2005

على هامش اجتماعات النواب العراقيين
الفيليون وإشكالية التمثيل في المجلس الوطني العراقي

ضمن اجندتها السياسية، وبهدف استمالة المجتمع الدولي للإطاحة بالنظام الديكتاتوري، أدرجت المعارضة العراقية ـ سابقا ـ محنة الكورد الفيليين، كورقة ضغط عملية على درجة عالية من المصداقية الدولية، للكشف عن التعامل الصدامي اللاإنساني ضد ابناء الوطن، وكذلك للتأكيد على الإسلوب المنافي لكل المواثيق والعهود المتعلقة بالحقوق المدنية والإنسانية الخاصة بالفرد أو المذهب أو القومية، والذي درج النظام البائد على تطبيقه كأداة من أدوات الهيمنة والتسلط. لقد فعلت المعارضة العراقية خيرا في تعرية مظالم وحقد النظام المتهرئ البائد ضد البشرية وكل القوى ذات التطلع الإنساني. فالى جانب الحزبين الكوردستانيين، حيث ابلوا بلاءً حسنا على الصعيدين الدبلوماسي والنضال القومي في الكشف عن حجم وابعاد كارثة حلبجة أو مأساة الأنفال وحقهم في تقري المصير. نجد أن حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية لم يبادرا في الكشف عن فاشية النظام، شددا على جرائم النظام المختل عقليا في قمعه الانتفاضة الشعبانية بالشكل التعسفي الذي ذهب ضحيته او شرد الملايين من الشيعة والكورد الفيليين في وسط وجنوب العراق.
كما أن الجانب الإستفزازي لدور المعارضة العراقية في خلق المناخ ومستلزمات الإطاحة بالنظام الديكتاتوري، وتحديدا جهود الدكتور الجلبي في تشريع قانون تحرير العراق من قبل الكونجرس الأمريكي، كان بمثابة المسمار الأخير في نعش النظام البائد.
هكذا تم لنا، ولله الحمد، القضاء على كابوس طالما كان الشعب العراقي بكل مكوناته، اعراقا ومذاهب، يحلم في تحقيقه. وبعد عامين من التحرير والتطلع والانتظار، وجب أن نتساءل إن كان هذا الانجاز التاريخي قد جاء بالشكل والمضمون الذي اعطى لكل ذي حق حقه، وهل كان هذا الحق، على فرض انه تم كما يريد له الجميع ـ فئات وشرائح ـ قد جانب بعضا دون بعض؟. نعم، ونشكر الباري عزوجل، أن الكورد، دون الفيليين، قد حققوا ما يصبون اليه من منجزات سياسية كبيرة، حياة هادئة نسبيا، تطور وتنمية لابأس بها، ناهيك عن المناصب والمراكز القيادية والسيادية. ونحن بهذه المناسبة نهنئ انفسنا وباقي الكورد على تولي أول كوردي رئاسة الدولة، فالأستاذ الطالباني هو أول كوردي في تاريخ العراق وتاريخ كوردستان في هذا القرن يتبوأ مثل هذا المنصب وباستحقاق وطني وقومي تام.
لقد تحقق للمواطنيين الشيعة، الذين كانوا أبدا راس رمح المعارك الوطنية من أجل خير الجميع. كانوا، لغاية الأمس القريب، من ابرز ضحايا عقود الظلام والطواغيت، وقد مروا بمحن اصغر شواهدها هي تلك المقابر الجماعية والهجرات المليونية خارج الوطن طوعا وقسرا، فضلا عن الاعدامات التي لحقت بقادتهم وامتهم. نعم نشكر الله على خلاصهم وخلاصنا من ذلك العهد الفاشي النازي.
ومثلما حصل الشيعة على حريتهم، حصل أخوتنا الكلدوآشور والتركمان على حريتهم، ويطالبون بالمزيد من الحقوق حتى وصل بهم الطموح أن تكون مناصبهم سيادية وأن تكون لهم من الحصص الجيوسياسية والاجتماعية بما يتناسب مع حجمهم السكاني. ونحن بدورنا، رغم رفضنا لمبدأ المحاصصة، بل وفقا لمبدأ الكفاءة والولاء، نرجو، وفي سياق الحجم السكاني الاجمالي للعراق، أن يتحقق لهم كل ما هو مشروع وضمن تركيبتهم العددية ... الخ.
أين حق الكورد الفيليين من كل هذا الذي تطرقنا أليه؟
في حين أن الجميع على علم ن بان الكوردي الفيلي كان بمثابة الورقة السياسية الفعالة لخير الجميع ( إلا الخير لذاتهم )، نقول كم كان الكوردي الفيلي وكم من المرات كان ضحية المسألة الوطنية والقومية. الكورد الفيلييون، اكبر شريحة اجتماعية في العراقن لا يزالون مهمشين سياسيا، وقد ضرب عليهم حصار اجتماعي كبير بسبب الجنسية والهوية، ويزدادون شقاء كلما طالت فترة الاسترداد لممتلكاتهم. والفيليون لو لم يكونوا كوردا، لكانوا ثالث أكبر قومية بعد العرب والكرستانيين. فعددهم اضعاف التركمان والكلدوآشور والشبك والصابئة وغيرهم، مع احترامنا لهم ولطموحاتهم في العراق الديمقراطي التعددي غير المنصف.
ما دعاني، وما يدعوني للخوض في كتابة مثل هذا الموضوع، ولو بأسطر، هو اجتماعات المجلس الوطني الموقر، الذي اختار رئيسا له، والمداخلات والتي لم نتمكن وللأسف من سماعها، أو معرفة هوية اصحابها. فالذي استرعى الانتباه هو صوت أحد الأخوة من الشبك ومطالبته بحقوق الشبك من منصب وزاري، وتمثيل كامل لهم في المجلس الوطني ووو. لقد فرحت له ولصوته، كما أفرح عندما ينبري التركماني أو الكلدوآشوري ليعلن عن مطالب مشروعة لهم. أما الفيليون، فبالرغم من وجود العديد منهم كاعضاء في المجلس الوطني ولكن ضمن احزاب وتحالفات متعددة ـ ولله الحمد – نقول بالرغم من كل هذه الأبهة والمظهر الجميل، ورغم تبريكاتنا لهم بذلك، لم نسمع صوتا فيليا واحدا ولو نسائي، رغم وجود فيلية في المجلس، لم نسمع ولم نشعر بان هناك نفس أو روح فيلية تطمأن ـ ولو ادعاءا ـ الفيليين بأنهم على قدر من المسؤولية لتمثيلهم، او الدعوة لحل مشكلتهم في المواطنة، وهذا أضعف الإيمان.
اننا متأكدون من نيات الكتل البرلمانية الحسنة ازاء مشكلة الفيليين، واننا نشد على أيديهم للمضي قدما على طريق خدمة العراق الجديد، لكن ذلك لا يمنعنا من القول، ان القوى، والأحزاب والفيليون الذين يمثلون فقط أحزابهم وينفذون املاءات قياداتهم ـ وهؤلاء لا يمثلون مئات الالاف من الكورد المستقليين المهمشين بأي شكل من الاشكال ـ هم، اليوم مطالبين قبل الغد، الالتفات الى قضية الكورد الفيليين والعمل على حل مشكلتهم في المواطنة وإعادة ممتلكاتهم المسلوبة وتعويضهم ماديا واجتماعيا، وكذلك الكف عن تهميشهم.
اننا، وبعد هذا الاحباط والتلكؤ والانتظار طويلا، نحذر الجميع بان وقت المجاملات قد ولى دون رجعة، وآن للجميع أن يعرف بأن الثقل السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي والسكاني للكورد الفيليين، ليس بالأمر الذي قد يستهان به، كما حصل سابقا في استغلالهم سياسيا. نطالب ولا نرجو، النظر بجدية الى مشكلة الفيليين، فهم عون وسند لكم وللعراق الجديد. لا تنسوهم .. قد ينسوكم في الانتخابات القادمة! والله من وراء القصد.

(*) مستشار في الخارجية التشيكية