الشعب الكردي... تحقيق المنجزات والاهداف المشروعة
الدكتور مؤيد عبد الستار
صوت العراق، 20/5/2005
تشهد كردستان حراكا يتبلور يوما بعد آخر بصور متعددة ويأخذ اشكالا مختلفة ، أحيانا نجد صداه في الشارع الكردستاني واخرى نجده في الصحف، وثالثة في اللقاءات السياسية للاحزاب الكردية.
ليس هناك من يجهل ما قاسته كردستان ابان الحكم الصدامي، إذ كانت مسرحا لمختلف الاسلحة المدمرة التي تركت اثارها على حياة الناس والطبيعة ، فشمل الدمار جميع ربوع كردستان الجميلة ، حتى
غدت مناطق عديدة منها ملوثة باثار الغازات الكيمياوية ومخلفات الاسلحة الثقيلة والالغام القاتلة.
ولم تسلم الحياة السياسية والحزبية في كردستان من اثار تلك الحروب المدمرة ، فقد تدخل النظام الصدامي سرا وعلانية من أجل دق اسفين بين فئات الشعب الكردي فكان يستميل عشيرة ويحرضها ضد
أخرى ، ويزرع بذور الشقاق بين الكرد ، فينتحل لمن له دين مختلف أو مذهب مغاير أنسابا عربية، فيحور اسماءهم كي يوهم الناس انهم عرب وليسوا كردا، مثل ما فعل مع الايزدية الكرد، مشيعا
نسبتهم الى يزيد بن معاوية، محرفا اسم الديانية الايزدية الكردية القديمة ، المعروفة في كردستان منذ مئات السنين، الى مايشبهها بعد شيء من التلاعب بالاسم ، تماما مثلما فعل باسم مدينة دوبز الكردي
، في محافظة كركوك وغيره الى دبس ، وزرباطية الى قضاء الذهب وغير ذلك كثير. وكذلك اشاعته ان الكرد الفيلية من اصول ايرانية ، ليهجرهم الى ايران، ضاربا عرض الحائط بتاريخ المنطقة ،
اذ ان ايلام بلاد الكرد ، جزء من كردستان الجنوبية ، وهي الدولة المعروفة منذ الاف السنين في المنطقة، والتي كانت على علاقة وثيقة مع البابليين والاشوريين ، ويعرف كل من درس تاريخ
السومريين ان العيلاميين الكرد هم اجداد الشعب السومري ، وهم الذين كان الاشوريون يستوردون منهم العربات ، لمتانة صنعها، فقد عرف الكرد تعدين النحاس والمعادن ، وهم من اوائل الشعوب التي
صنعت الفأس والمحراث. اما من لم يجد له اكذوبة مثل هذه الاكاذيب ليغير لقبه او قوميته، فيجبره على تغيير قوميته بالقوة، كما حدث لسكان مدينة كركوك وخانقين والكوت و بغداد وغيرها من مدن
صغيرة فاجبر الكرد على تغيير قوميتهم ، وخيرهم بين قبول تغيير قوميتهم او طردهم وتهجيرهم من اراضيهم وبيوتهم ومزارعهم، وكذلك ما فعله للكرد البرزانيين من تهجير وتقتيل حتى اسكن الالاف
من اطفالهم ونسائهم و شبابهم في المقابر الجماعية ، فكانت عارا وشنارا على حكم الطاغية الصدامي .
كما حاول فك ارتباط العديد من القصبات والاقضية من محافظاتها الكردية الاصلية، واعاد ارتباطها بمحافظات عربية بعيدة، مثل مخمور وزرباطية وبدرة وغيرها، وبالاضافة الى ذلك سمح لدول
الجوار بالتدخل في شؤون الكرد وكردستان، فاعطى لتركيا الحق في استخدام شريط حدودي بعمق عشرين كيلومترا داخل العراق، أي السماح باستخدام أراض كردستان للاغراض العسكرية
والحربية.
وتعاون مع تركيا وايران وسوريا باعتبارها دول جوار للعراق، تعاونا امنيا، فكانت تنسق فيما بينها في قمع الشعب الكردي، لخنق طموحاته العادلة، وكان من تلك الاساليب، اضافة الى التدخل
العسكري ، التدخل السياسي ، واقامة تحالفات سياسية مع فئات واحزاب صغيرة لتقوم في تخريب الكفاح الكردي وتبديد قوى الاحزاب السياسية المناضلة من أجل حقوق الشعب الكردي المشروعة.
واضافة الى كل تلك الحروب التي شنها النظام البائد ضد الشعب الكردي، فقد حاول تمزيق نسيجه وتشتيت جموعه ومنعه من التعلم بلغته الام، واشاع ثقافة أحادية في كردستان، وشجع الاتجاهات
الانعزالية والشوفينية، في محاولة بائسة لجعل المجتمع الكردستاني يغرق في مستنقع التخلف والشوفينية ، ليستخدمها سلاحا ضده في الوقت نفسه.
ونتيجة لتلك السياسات الشوفينية والعنصرية، ثار الشعب الكردي عدة ثورات كانت اخرها الانتفاضة التي تكللت بالنصر عام 1991م ، فتحرر من حكم الطاغية الصدامي ، وحقق النظام الفدرالي لاقليم
كردستان بنجاح كبير، واستطاع ارساء دعائم المؤسسات البرلمانية والسياسية والاجتماعية في كردستان.
وما ان استطاعت الفيدرالية غرس أولى جذورها في تربة كردستان، حتى جوبهت بمصاعب وعراقيل على جبهات مختلفة، اولها جبهة الشوفينين والعنصريين الذين حاولوا وصمها بانها انفصال
واستقلال عن العراق وانها نواة لانشاء كردستان الكبرى، وراحوا يثيرون المناوئين للكرد في دول الجوار من أجل جمع كلمتهم على وأد الوليد الكردي الجديد : فيدرالية اقليم كردستان. الا ان وعي
الشعب الكردي وأحزابه المناضلة التي خبرت الكفاح السياسي الى جانب الكفاح المسلح ، وحصافة قياداته المتمرسة بالنضال ضد الدكتاتورية والشوفينية ، ومساندة بعض الاحزاب العراقية الوطنية
الصادقة للشعب الكردي، والدعم الدولي المتميز، كل تلك الجهود ، مضافا اليها جهودا اخرى عديدة ، والظرف الذي فرضته التغيرات الدولية ( العولمة مثلا )، وتدخل القوات الامريكية والدولية للاطاحة
بنظام صدام ، فوتت الفرصة على القوى الشوفينية وافشلت مشروعهم الرامي الى العودة بكردستان الى عربة التخلف الشوفينية المتقهقرة الى ظلام القرون الوسطى ومفازات الجاهلية .
ان النعيم النسبي الذي تعيشه كردستان اليوم ، لم يكن صدفة عمياء حلت على المنطقة ، وانما نتيجة منطقية لنضال الشعب الكردي العنيد من اجل حقوقه المشروعة ، ونشوء وعي جديد في اوربا بشأن
حقوق الانسان والبيئة والعولمة ، انتشر و شاع في ارجاء المعمورة، بعد بزوغ شمس الحرية على بعض البلدان والشعوب ، مثل البلقان وجنوب افريقيا.
لقد تطور الفهم البشري لحقوق الانسان، فالقت المنظمات الدولية الضوء على الحكومات المستبدة وطالبت باخضاعها للمساءلة الدولية، وعلت أصوات انسانية في دول اوربية عديدة ، من أجل حق
الانسان في حياة حرة كريمة، ومن أجل مستقبل أفضل البشرية، ومن أجل عولمة انسانية لا عولمة وحشية، وساهمت أحزاب البيئة الاوربية ، في نشر مفاهيم جديدة ، من أجل الحفاظ على البيئة ،
وحماية الانسان بصورة عامة ، وعدم الاساءة الى الطبيعة وتهديد البشرية باسلحة الدمار الشامل ونفايات المعامل الكيماوية، واخذت الولايات المتحدة الامريكية بطرف من هذه الدعوات ، وشمرت عن
ذراعها بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر ، فدخلت الميدان بقوة السلاح ، مما سهل القضاء على سلطة قمعية مثل سلطة صدام حسين في العراق التي تمادت في استخدام الاسلحة الكيماوية ضد دول
الجوار وضد الشعب العراقي ، وكانت مدينة حلبجة الشهيدة خير دليل على مالحق بالكرد من اجحاف على يد حاكم طاغية مستبد، فحصلت الولايات المتحدة على تفويض دولي بالقضاء عليه، وجعله
مثالا للحاكم الذي ينال جزاء ما اقترف من ظلم وجهالة، وسياسة قمعية وضعت تحت بند الجينوسايد ( ابادة ) باسلحة الدمار الشامل.
وليست الحكمة هنا بما تمخض عن لجان البحث عن اسلحة الدمار الشامل وما عثروا عليه ، وانما بالنتائج التى ادت اليها سياسة هذا الحاكم الطاغية الذي لم يتورع عن ابادة اعداد كبيرة من الناس الذين
حكمهم بالنار والحديد.
وما ان انجلت ساحة المعركة عن هزيمة منكرة للطاغية صدام ونظامه العشائري المتخلف، الذي انهار بنفخة صغيرة من الالة العسكرية الامريكية ، حتى رأينا الشعب العراقي لايتردد في اعلان مشاعر
الفرح العارم بسقوط تمثال الطاغية ونظامه الكارتوني. واستطاعت كردستان تعزيز ادارتها التي تشكلت قبل سقوط النظام بسنوات قليلة ، فارست اسس الادارة الذاتية لاقليم كردستان وحققت انجازات
سياسية وادارية واقتصادية هامة ، اهلها لان تكون شريكا للحكومة العراقية المؤقتة التي تشكلت في العراق اثر سقوط النظام الصدامي.
ورغم حصول الكرد في جزء صغير من كردستان الجنوبية على بعض حقوقهم، الا ان المنطقة مازالت تعاني من مخلفات سياسات الماضي الشوفينية والعنصرية، والتدخلات الاقليمية التي انتهجت
سياسة مزدوجة مع العراق عامة والكرد خاصة ، فهي من جانب تظهر رغبتها في ان يبقى العراق بعيدا عن الارهاب وان يبقى موحدا، ومن جانب اخر تضخ الاموال والاسلحة والمندسين ، وتحشد
اتباعها لاحداث اكبر قدر ممكن من الخراب السياسي والعسكري والاقتصادي في العراق، وان حصة الكرد وكردستان كانت من ذلك نصيب الاسد ، والا كيف نفسر حدوث هذه الانفجارات التي تستهدف
المدنيين الكرد لمجرد انهم يرغبون في العيش بحرية وسلام ، وانهم اعلنوا مرارا انهم جزء من العراق ولايريدون الانفصال وان الفدرالية هي اتحاد وليست انفصال، علما ان حق تقرير المصير للشعب
الكردي امر مشروع لاينكره احد ، وان الاحزاب الوطنية العراقية لاتعترض عليه، وانما تراه كما يراه الكرد ليس ممكنا في الوقت الحاضر بسبب الظروف الاقليمية والدولية.
إن مخلفات السياسة الشوفينية السابقة، واسلوب فرق تسد الذي اتبعته الحكومة الصدامية المقبورة ، وتدخلات الدول الاقليمية، هو سبب مانراه من خلافات صغيرة في الساحة السياسية الكردية، والتي
يرغب الشعب الكردي تجاوزها من اجل تحقيق مشروعه الديمقراطي الوطني الكبير، بينما تسحبه تلك الاسباب المعيقة الى الخلف وتجبره على التمسك بتلك الترسبات الفجة المعرقلة لتطوره وانطلاقه
الى أمام.
يامل الشعب الكردي اليوم ان تتجاوز قياداته الخلافات الصغيرة وان تقف موحدة امام المشكلات التي تواجهها كي تستطيع انجاز المهام الملقاة على عاتقها باقصر فترة زمنية ممكنة لتتفرغ للبناء
وتطوير ما دمر من كردستان على كافة الصعد البيئية والبشرية والاجتماعية .