الكرد الفيليون بين الواقع والطموح

ساهر عريبي
الجيران،
26/6/2005

تعتبر شريحة الكرد الفيليون من أقدم الأقوام التي عاشت في بلاد مابين النهرين ، ولقد ساهمت هذه الشريحة مساهمة فعالة في بناء الوطن والدولة العراقية الحديثة. إلا أن هذه الشريحة تعرضت الى ظلم وإضطهاد من قبل النظام السابق قل نظيره في التأريخ الأنساني.
فلقد قام النظام البائد بحملة من التطهير العرقي ضد هذه الشريحة العراقية منذ عام
1970 حتى وصلت ذروتها في نيسان من عام 1980 ، حيث تم رمي الألاف من العوائل الفيلية على الحدود العراقية الأيرانية بعد مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وبعد سحب كل اوراقهم الثبوتية ، وحجز الألاف من أبنائهم ومن ثم إخفائهم ولم يعلم أحد مصيرهم لحد هذه اللحظة. وأما الجرم الذي إقترفوه فهو أن الله قد خلقهم كردا ومن عليهم بالتعبد بمذهب أهل البيت عليهم السلام.
وبعد سقوط النظام الهدامي في التاسع من نيسان ، استبشرالكرد الفيليون خيرا بالتغيير الجديد وكان يملأ قلوبهم ألأمل في أن يتم إنصافهم في العهد الجديد ، وأن يتم تمثيلهم في الدولة العراقية الجديدة أسوة ببقية الشرائح والمكونات العراقية. وكانوا يأملون في أن تعاد لهم حقوقهم وممتلكاتهم المسلوبة، وأن يتم تعويضهم عن ما لحق بهم من ضيم وجور على يد النظام البائد. إلا أن أحلام الكرد الفيليون ذهبت أدراج الرياح إذ لم يتم تمثيلهم في مؤسسات الدولة العراقية الجديدة بالشكل المنصف الذي يتناسب مع عددهم وحجم تضحياتهم. ولم يتم لحد هذه اللحظة إعادة حقوقهم المسلوبة.
ولا شك بأن الكرد الفيليون أنفسهم يتحملون قسطا كبيرا من المسؤولية في التسبب في ضياع حقوقهم وعدم تمثيلهم بإنصاف في العهد الجديد.
ففي هذه المرحلة التأسيسية تسعى كل شريحة عراقية الى إثبات وجودها وإحقاق حقوقها في العراق الجديد، من خلال تنظيمات وتحالفات قوية أثبتت وجودها على الساحة السياسية العراقية. إلا أن الكرد الفيليون وللأسف لم يتمكنوا ولحد هذه اللحظة من تأسيس كيان فيلي قوي خاص بهم أسوة ببقية المكونات العراقية الأخرى. فالأخوة التركمان مثلا لهم من يمثلهم على إختلاف مذاهبهم، وكذلك بالنسبة للكلدو اشوريين .
ولعل أحد أهم الأسباب التي أدت الى غياب مثل هذا الكيان الفيلي القوي هو إعتقاد البعض بأن على الكرد الفيليين الأنصهار في بودقة الأحزاب الكردية بحكم الأنتماء القومي ، أو الذوبان في الأحزاب الشيعية بحكم الأنتماء المذهبي. وواقع الأمر أن لا وجود لأي تعارض بين وجود كيان فيلي قوي وبين الدخول في تحالفات مع القوى الكردية والشيعية العراقية. فهذه المرحلة تتطلب بالأساس وجود كيان فيلي يدافع عن حقوق الفيليين ويسعى لتثبيتها في العراق الجديد. ولعل في تجربة الأخوة التركمان والكلدو اشوريين خير مثال لذلك. فلقد دخل هؤلاء في قوائم خاصة بهم في الأنتخابات البرلمانية الأخيرة وتمكنوا من دخول البرلمان، وكذلك تمكنوا من دخول البرلمان الجديد عبر قوائم أخرى إنضوى تحت لوائها عدد من التركمان والكلدو اشوريين.
ولقد تنبه بعض الكرد الفيليون لهذا الأمر وقرروا دخول الأنتخابات الأخيرة كممثلين للكرد الفيليين، إلا ان هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح ولم تستطع هذه التنظيمات إحراز العدد المطلوب من الأصوات التي يؤهلها لدخول البرلمان ، ولعل اهم سبب لفشل هذه التنظيمات في دخول البرلمان هو أنها حديثة العهد ولم يتسنى لجماهير الكرد الفيليين التعرف عليها وعلى مؤسسيها .ولعل تعدد هذه الأحزاب والتنظيمات قد أدى الى توزع الأصوات الفيلية وتشرذمها وبالتالي لم يتمكن الفيليون من دخول الجمعية الوطنية العراقية ككيان مستقل.
ورغم دخول العديد من الفيليين الى البرلمان العراقي من على القوائم الأخرى ، إلا أنهم لم يتمكنوا من تشكيل كتلة كردية فيلية داخل البرلمان كما فعلت الشرائح الأخرى. ورغم ثقة الفيليين بالقوى الوطنية العراقية الأخرى التي لن تغمض حقوقهم ولن تهمشهم ، ولعل في تعيين الأخوة في قائمة الأئتلاف لأحد الأخوات الفيليات وزيرة لشوؤون المهجرين والمهاجرين خير دليل على ذلك، وكذلك دخول العديد من الفيليين الى الجمعية الوطنية عبر قائمة التحالف الكردستاني والقوائم الأخرى، إلا أن الحاجة الى وجود كيان فيلي مستقل تبقى ضرورة أساسية لا يمكن للفيليين الأستغناء عنها.
واليوم يحاول بعض المخلصين من الفيليين تشكيل حزب فيلي جديد يدافع عن حقوق هذه الطائفة المظلومة ويسعى لتمثيلها في العملية السياسية الجارية في عراق اليوم من أجل بناء عراق المستقبل . ولا شك أن تأسيس أي حزب أو منظمة هو حق مشروع في العراق الجديد، إلا أن الأمر المهم هو ليس تأسيس حزب يضاف الى قائمة الأحزاب والتنظيمات الموجودة في الساحة، ولكن الأمر المهم هو مدى إمكانية نجاح هذه الحزب في الوسط الفيلي وبالتالي كسب رأي الناخب الفيلي في الأنتخابات القادمة. وفي تصوري أن مثل هذه المهمة ليست باليسيرة ، وتتطلب بذل جهود كبيرة وتحتاج الى عمل دؤوب في داخل العراق. ولكنها تبقى خطوة في الطريق ينبغي أن تتبعها خطوات.
ولعل أهم هذه الخطوات في الظرف الراهن هو جمع أكبر عدد ممكن من الأحزاب والتنظيمات الفيلية بغض النظر عن توجهاتها الأيديولوجية والفكرية تحت مظلة واحدة، وخوض الأنتخابات القادمة في قائمة واحدة تعكس أكبر تمثيل لهذه الشريحة. فوحدة الصف الفيلي هي السبيل الوحيد لأثبات وجود هذه الشريحة وإحقاق حقوقها ، وأما التشرذم والتمزق فلن يعود للفيلية بأي خير.