صناعة الكراهية .. والهوية العراقية
المهندس صارم الفيلي
sarimrs@tele2.nl
12/4/2005
أحدث سقوط نظام صدام ارتجاجات في مفاهيم كثيرة سادت لعشرات السنين في الثقافة العراقية الموجهة من قبل السلطات السابقة والمكرسة في اعلامها ومناهجها الدراسية ، وفي مقدمتها مفهوم الهوية
القومية للعراق الذي صيغ في بداية تكوين الدولة العراقية الحديثة التي جعلت من جنسية المحتل العثماني اساسا لتقييم الأصل العراقي من عدمه مستندة في الوقت نفسه على بعدين أحدهما قومي عربي كان
في بدايته منفعلا وذو طبيعة دفاعية أمام سياسات قومية عثمانية اعتمدت " التتريك " ليتحول فيما بعد هذا المفهوم الى الفعل والهجوم والأقصاء " بفعل الأحزاب القومية وخاصة البعث " ضد الآخر الذي
هو كردي تارة ومن أصل "ايراني " في حالة ثانية لتصبح صناعة الكراهية نظاما جاهزا للقيم واداة لأستنفار المشاعر والأنفعالات للأفراد الأقل ثقافة وأدنى تعليما حيث تصبح الأمزجة أكثر خضوعا
لمفهوم التطابق والتماثل وبالتالي سهولة تكوين مجموعة متماسكة تستميت للدفاع عن الطاغية .البعد الثاني كان طائفيا استصحب من تاريخ الصراع الصفوي التركي على النفوذ في المنطقة ، كانت هوية
المتصارعين العرقية واحدة فتطلبت الحاجة الى البحث عن عامل اختلاف فكان التباين المذهبي ليصبح لاحقا جذرا لتهميش وأبعاد الأكثرية العراقية .
وبصورة عامة من السهل على الناس ان يتفقوا على برنامج سلبي مثل كراهية مجموعة معينة أكثر من الأتفاق على قيم ايجابية ، " نحن " و " هم " فكانت الغاية تبرر الوسيلة ومصالح الدكتاتورية هي
المعيار الوحيد ليكون القمع الوحشي وعدم الأكتراث الكلي بحياة الناس سمة النظام البائد .
ظهرت مفاهيم تقسيمية احدثت خللا في الأنتماء النفسي للعراقي منها " عربي أمام كردي " ، " غوغاء أمام المحافظة البيضاء " ، " عرب أقحاح وذوي اصول قادمة من الهند " ، " لاشيعة بعد اليوم "
.
ان هذه التناقضات لم تقف عند السطح بل اخترقته الى العمق في البنية المجتمعية واللاشعور الفردي لتنتج صراعات داخلية غير منظورة على المستوى العرقي والطائفي والفكري واحدثت كذلك تباينات
وتفاضليات مناطقية وجغرافية .
السؤال هو البحث في امكانية جعل هذه الأختلافات ان توظف باتجاه تشكيل نسق ايجابي عام في السلوك الأجتماعي يتسامى فوق الذاتية والأنتماءات والولاءات المستندة الى مضامين عشائرية وقومية
وطائفية ؟
من المعوقات امام هذا المشروع هي التجربة السياسية السابقة التي قادت الى السقوط الأخلاقي الهائل عند الكثيرين وانهيار المنظومة القيمية والتي ادت بدورها الى فهم مبتذل للسياسة قائم على اصطياد
الفرص للكسب غير المشروع مستخدمة في احيانا كثيرة تلك التناقضات بجانبها السلبي لسحق محاولة قيام مجتمع يقوم على مبدأ المواطنة وخط شروعها المساوات في القيمة الأنسانية لكل مكونات
الشعب .
علينا أن نتخلص من تلك النظرة الشوفينية التي أدت الى أنتحار احد المصابين بمرضها استكثارا واستنكارا لتولي مناضل عراقي بحجم الأستاذ الطالباني رئاسة الجمهورية لكونه كوردي ، وهذا هو
مصداق حي للنظرة المتعالية الجوفاء عند البعض التي لاتنسجم مع الدين واستقامة الخلق .
يجب العمل على تفكيك ألبنى الشعورية والا شعورية لهذة المناهج في التفكير " سواء الشوفينية منها أو الطائفية " باحداث دراسات تراجعية على المسارالزمني لتتبع الظروف التاريخية والبيئية والنفسية
التي صاحبت أنتاج نصوص واحكام الكراهية ودراستها تاريخيا ولغويا ورمزيا لفصل السياسي عن التراثي الشعبي عن المثيولوجي تمهيدا لمهاجمتها على الجبهة المعرفية .
وفي اطار هذا البرنامج علينا محاربة النظرة العرقية للقومية القائمةعلى نقاء الدم لأنها تقوم على الغرائز البدائية وتمهد لنازية في الفكر والسلوك " علما ان اساطينها لم يكونوا عربا مثل ساطع الحصري
وميشيل عفلق " وان نسلم بأن هذه الأرض قد عاشت عليها اقوام متعددة ، فهل انقرض السومريون والبايليون والعيلاميون والفرس الذين عاشوا فيها لمئات السنين ثم اين هي الأقوام التي جاءت بعد
الأسلام اين السلاجقة والمماليك وذوي الأصول الهندية والباكستانية والأفغانية ، أين الزنوج الذين ثاروا لسنين طوال تلك الثورة المعروفة تاريخيا . ان هذه المقاربة المنطقية تخفف كثيرا من غلواء
العنصرية المقيتة خاصة عند التأكيد عليها بأحداث دراسات مستفيضة حولها من قبل المختصين ، عزيزي القارئ لاترمي كاتب هذه السطور بتهمة الشعوبية قبل التأمل الموضوعي .
كذلك يجب العمل على أيجاد برامج أجتماعية وأقتصادية لتنمية وأعادة أعمار النفس العراقية، كمطلب مهم لعملية التحول الديمقراطي ، حيث الأرث الدكتاتوري الطويل عمل على ترسيخ معايير مشوهه
للقيم وجدت صداها في السلوك والمزاج الشخصي العام وفي أنماط التفكير جعلت من البعض غيرمبال لعمليات الأبادة الجماعية والتطهير العرقي والمذهبي بحق مئات الآلاف من الفيليين وشيعة
الوسط والجنوب في عمليات التهجير التي بدأت في مثل هذه الأيام قبل ربع قرن من الزمان وما رافقتها من قتل لشبابهم في سجون الطاغية ، بل قام البعض بالأستيلاء على املاكهم كأنها غنائم حرب
بينما انكرهم حتى بعض سياسي العهد الجديد بقوله " ان ايران ارسلت مليونا من مواطنيها للتأثير بالأنتخابات وترجيح كفة الشيعة " ان مثل هؤلاء كثر في الساحة العراقية الذين لايعرفون عن
مكونات الشعب الا ماتعلموه في دروس التربية الوطنية وماتشربوه من فكر القائد الضرورة .
ان مشكلة الكورد الفيليين تقع على نقطة تتقاطع فيها خطوط مظلومية الشعب العراقي ، وحلها يساهم في صياغة معادلة هوية عصريةممكن أن تعتبر اساسا لتفكيك كل المشاكل ذي الجذور القومية
والعرقية والمذهبية .