رسالة إلى ممثلتي بالبرلمان العراقي سامية عزيز

الدكتور طالب مراد
talibelam@hotmail.com
15/4/2005

العزيزة سامية

تحية و بعد :

أكتب هذه الرسالة لنائبتنا في البرلمان العراقي الست سامية عزيز حفظها الله، و لم أخترها لكونها كردية فيلية لكن لأنني أعرفها معرفة شخصية ولإيماني أنها قد تأخذ على عاتقها تدارس ما أطلبه منها إذ أثق في صدق نواياها و أنها ربما تمثل كثيرين غيرها من الخيرين ممن لم تتح لسبب أو آخر لهم الفرصة للترشيح أو الفوز في البرلمان العرقي الحالي.

أتذكر يا سامية يوماً في منتصف الستينات كنت فيه بمنطقة الصالحية و صدمت إحدى السيارات مواطنا فنزلت من باص المصلحة الذي كنت به لأتطلع الأمر فلربما استطعت إسعافه بقدر ما تعلمت، كانت الإصابة شديدة ببطن الرجل، و توقعت أن الحادثة ربما أدت على أبسط تقدير لنزيف داخلي أو تهتك الحجاب الحاجز لكني فوجئت بالناس يتجمعون كعادة "ربعنا" في مثل هذه الأحداث ثم يقولون بلهجة حاسمة و توكيدية "ماكو شي.. إن شالله سليمة...بسيطة يابه" و في لحظات انتظار وصول الإسعاف مات الرجل و غطوه بعدة جرائد.

نبهني هذا لما لاحظته من تكرار الكثيرين هذه الأيام أن العراق ليس به مشاكل بين مواطنيه و لا توجد حساسيات بين القوميات و أن الكل يحترم مذهب و عقيدة و قومية الآخر و "كله تمام "، و هو أمر ليس بالصحيح و لم يحدث أن كان هناك تصالح "تام" بين قوميات و ملل هذا البلد منذ تكوين الدولة العراقية الحديثة، و إلا كيف حدثت كل هذه المقابر الجماعية. ففي الأسبوع الماضي مثلاً كرر أحد القانونيين من أهل "حديثة" في فضائية "الحرة" تعليقا على انتخاب الرئيس جلال أنه " تم تعيينه " و أضاف " أن العراقيين كانوا أخوة قبل وصول الأمريكان، و ماكو شي" فإذا لم يكن هناك حقا غضاضة في تولي كردي رئاسة الدولة فلماذا اختار هذا القانوني أن يصف انتخابه من بين ممثلي الشعب بأنه تعيين ؟؟ الحقيقة أن لهجة " ماكو شي و كلنا أخوة " هي التي فتحت الباب للصمت على كثير من الممارسات الخاطئة و الشوفينية طوال القرن الفائت و للآن، فليس هناك شيء بوسعه طمطمة الحقائق و تحصين المتهمين سوى ترديد مقولات التطمين هذه دون حل لجذور المشاكل التي قد تتكرر لاحقاً و بدرجة أفدح.

يا سامية

لقد ذقتِ أنت و عائلتك العذاب مثل كثير من العوائل العراقية التي اضطهدت بالعراق، فهل هناك ما يضمن عدم تكرار هذه المآسي لأولادنا و أحفادنا الآن ؟ ليس لدينا مثلا نحن الكرد الفيلية شقاوة ـ فتوة أو بلطجي ـ من عينة " إبراهيم عبده كه "حتى يدافع عنا الآن باعتبارنا إحدى الفئات المعرضة للاضطهاد ، كما أن وجودنا بعيداً عن كردستان لا يضمن دفاع البيشمركة عنا، و نحن بالطبع لا نريد حماية مسلحة لنا بين أهلنا داخل العراق لكن نريد أن تكون القوانين العراقية واضحة و حازمة بما يكفي لمنع أي مواطن من التعدي على الآخر قولا أو فعلا على أساس الانتماء الديني أو القومي أو المذهبي أو الجغرافي، فما الذي سيمنع مواطنا عراقيا مثلا من سب ابني في الشارع بالقول " كردي زمال ـ حمار " أو ما الذي سيمنع ابني أن يكرر ما كنا نقوم به و نحن صغار في ليلة العيد و غنائنا " باجر عيد و نعيِّد و نخ.. بلحية سعيِّد " طبعا كل العراقيين يعرفون من هو سعيد و لأي طائفة ينتمي بالعراق، ما الذي سيمنعني أنا مثلاً الشيعي ابن العاصمة أو السني من تكرار ما كان يروجه الإعلام الصدامي عن أهل الجنوب بأنهم " شروكيه، معدان " و كأن الانتماء للجنوب الطيب سبة و خزي.

هذه الثقافة المسيطرة على كثيرين بالعراق من تقليل للآخر قد تصبح دافعا لعودة كرة العنف بالعراق، و إصلاح هذا الخلل المجتمعي يحتاج لآلاف المحاضرات و المواقف العملية التي تمسح الكراهية و التعالي من النفوس، و هذا بدوره سيأخذ الكثير من الوقت، حتى تصبح ثقافة دولة التآخي مكرسة تماما، فماذا نفعل حتى هذا الحين و من يضمن ألا يكرر البعض هذه العنصرية ؟

هنا يأتي مطلبي الأول منك يا عزيزتي يا ممثلتي بالبرلمان الموقر.

و هو تبني مشروع قانون مشابه لما هو مطبق في كل دول الاتحاد الأوربي و هو " قانون منع و تجريم كافة أشكال التميز " فعندما طبق هذا القانون مثلا قبل 4 عقود في المملكة المتحدة التي أعطت حقوق المواطنة الكاملة لكثير من المتجنسين من غير أبناء البلد الأصليين، لم يعد المراهقون البريطانيون مثلاً يشتمون الباكستانيين أو الهنود حتى و لا على سبيل المزاح لأنه ببساطة يستطيع الشخص " المشتوم " أن يرفع دعوى قضائية مستعجلة و يحكم له ضد الخصم حتى لو كان بريطانيا أصلياً حتى لو كان ابن أو حفيد الملكة أو زوجها.

هناك عامل آخر ساعد في تدعيم حقوق المواطنة الكاملة لدى مواطني أوربا و هو ما أتمنى منك دراسته بعناية لتشريعه بالعراق بصورة واضحة، و هو إقرار و تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص في التقدم و شغل أي وظيفة رسمية أو خاصة، هل تذكرين ما كان يحدث في عهد صدام و الإصرار على ترقي أناس من طوائف بعينها بالوظائف العليا و أحيانا حتى الوظائف الدنيا، فمن بين
580 مدير عام في عهد صدام كان هناك 60 شيعياً فقط و عدد صغير من الأكراد رغم أن من بين هؤلاء كان هناك كثير موالين لصدام، و كان نصاب المحكمة العليا العراقية 21 قاضيا، منهم 18 من السنة، و هذه التفرقة لم يأت بها الأمريكان لأنها كانت موجودة منذ بداية الدولة العراقية الحديثة و على درجات متفاوتة و تفاقمت و وصلت للذروة مع وصول أبناء صبحة لسدة الحكم بالعراق، و منع كثيرون من الترقي العلمي و الوظيفي و كان هناك اشتراطات تعسفية للالتحاق بالجامعات و الوظائف أبسطها كان الانضمام لحزب البعث، و هناك كثيرون من تمت مساومتهم على مبادئهم و أحيانا حياتهم لضمان ترقيهم الوظيفي أو ضمان مكان لأبنائهم في الجامعات.

عزيزتي سامية

في كل أجزاء المعمورة المتقدمة حضاريا فإن الحكومات تقوم بالتملق للشعب و ذلك للحصول على أصواتهم في الانتخابات لكن أبناء العوجة جعلوا العكس هو القاعدة، كان المواطن العراقي يخاف و يتملق لأي مسئول لا من اجل المناصب بل حتى لا يمله غضبه يوما ما فيشي به أو يقتله، الآن يجب أن نجعل الحكومة الحالية تضع صالح المواطن البسيط نصب أعينها في كل ما تقوم به، و عند ذلك نكون قد وصلنا إلى نتيجة تؤمن الحياة الحرة الكريمة لمستقبل العراق و غد مشرف لأولادنا.

لننس الآن قليلا ما حدث لأجدادنا و آبائنا و حتى لنا نحن، و نعلن أننا نريد بناء مجتمع جديد، و ننظر ماذا يحدث منذ سقوط صدام: هل حدث إحقاق لمبدأ منع التمييز و قاعدة تكافؤ الفرص في المناصب السيادية؟ بالطبع لا، لأنه لا يوجد تشريع صريح يقنن هذه المباديء و يعاقب المخالف لها، و بالطبع الصورة أكثر قتامة في المستويات الوظيفية الأقل، و هذا من شأنه إيغار الصدور و خلق جيل من الناقمين على استبدال السيء بالسيء حتى لو كان بدرجة أقل، و قد يتم استغلال غضب هؤلاء المشروع و توريطهم في أمور تهدد مستقبل البلاد لا قدر الله.

هناك مبدأ آخر يجب تبنيه في البرلمان العراقي و عند كتابة الدستور و هو مبدأ الشفافية و المحاسبة و تطبيق صارم لمبدأ "من أين لك هذا " فهناك الكثيرون ممن اغتنوا في عهد صدام ـ عراقيين و غير عراقيين ـ بطرق غير مشروعة و هم يواصلون استغلال حاجات المواطنين حتى الآن، كما أنه ظهر آخرون بعد سقوط النظام سرقوا و نهبوا و أحيانا نصبوا و اختلسوا و استغلوا حاجات العراق في فترة الفوضى التي أعقبت سقوط صدام، و لم يعاقبوا على هذا الفساد و هذه الجرائم الواضحة وضوح الشمس، لأنه لا يوجد قانون صريح يؤطر هذه القاعدة.

و نحن الفيليين نريد أن نعرف و نحاسب كل من اشترك في الفرهود ـ الذي استمر من
1970 و للآن لأننا كنا من أوائل من تضرر من سلب مملكاتنا و دورنا في يوم و ليلة و حتى ما لم يصادر منها تم الاستيلاء عليه بوضع اليد و هناك الكثيرين ممن يجب أن يحاكموا في هذا الصدد.

نقطة رابعة وددت لو تم طرحها كمشروع قانون و مبدأ دستوري و هو حتمية تعويض المتضررين العراقيين عما لحق بهم في الماضي؛ فالحاصل أن التعويضات ذهبت منذ تطبيق مذكرة النفط مقابل الغذاء لغير العراقيين، و لكن الآن من حق العراقيين أن يعوضوا هم أيضاً بل هم الأولى بذلك حتى لو كان عبر عجز في الميزانية فالتعويض ليس فقط له بعد مالي و لكنه إقرار بالجرم الذي لحق بالملايين من أبناء شعبنا و تذكير الجاني أنه أجرم و أن عقابه قريب و أن المجني عليه محل تقدير من الحكومة الجديدة و أنها لم تنس دم الشهداء و بكاء الأمهات الثكالى و لا نحيب الأطفال اليتامى.

يا عزيزتنا سامية

لقد حاولتُ كل جهدي قبيل الانتخابات الأخيرة بالعراق أن يصل صوتنا نحن الجالية العراقية بمصر بحيث تقام انتخابات محسوبة النتائج في القاهرة، و قمنا بما قدرنا الله عليه، و لا أدري إذا كان صوتي قد احتسب أم لا لكنني برغم هذا اعتبرك ممثلتي بالبرلمان و لا أتوقع منك سوى تبني هذه المباديء التي أزعم أنها لو أقرت ستغير كثيرا من مستقبل البلاد نحو تنفيذ فعلي ـ لا كلامي ـ لمبدأ دولة المؤسسات و سيادة القانون.

و بالطبع أود تذكيرك يا سامية أنه ـ إذا سمح لكِ ـ بطرح تشريعات تتضمن هذه المباديء فلا تتوقعي تصفيقا حادا من البرلمان، بل ربما عارضك كثيرون ممن ليس في صالحهم كل هذه المباديء لأنهم يريدون تعيين معارفهم و المحسوبين عليهم و لا يريدون أن يوقف أحد تعاليهم على غيرهم و لا يريدون أن يحاسبهم أحد على ذمتهم المالية و يفند بنودها و مصادرها على الملأ باعتبارهم أعلى من المحاسبة، كما أن هناك من سيرفض بالطبع مبدأ التعويض لأسباب تتعلق بأنه يضع عينه على ميزانية البلاد و لا يفكر كثيرا في المواطن ليعوضه.أردت بما تقدمت به أن افتح أمامك بعض المباديء التي لو أقرت قانونا عبر الدستور و القانون و اللوائح التنفيذية فسيكون الطريق لبناء العراق الجديد ربما أقل عسرا مما هو عليه الآن، وفقك الله لما فيه خير هذا البلد و أهله.

العزيزة سامية:

لقد سطرت لك هذه الرسالة و أنا جالس بالمقهى أدخن الشيشة في حينا الهادي بالقاهرة، و قد جلبت معي كتاب منشور من قبل منظمة الصحة العالمية و هو التقرير العالمي للعنف و الصحة بالعالم و فيه كلمة على سبيل التقديم كتبها المناضل نيلسون مانديلا و مما جاء فيها " إن الناس الذين يعيشون في العنف يوميا و مع مرور الزمن يعتقدون أن العنف شيء طبيعي يجب التعايش معه، لكن سياسة العنف يجب ألا تستمر بعد الآن و في جنوب أفريقيا و غيرها من بلدان العالم نماذج لوقف العنف عبر تحرك المجتمعات و الحكومات و المواطنين إذ يأخذون المبادرة بأيديهم و يغيرون الأوضاع للأحسن " و هذا مجرد مثال من دولة ليست ضمن أوربا أو الغرب حتى لا يتحجج لنا البعض أننا نشد أشياء صعبة و لا تتفق مع مجتمعاتنا، أليس من باب أولى أن نأخذ تجربة جنوب أفريقيا ذات التاريخ الأكبر في التفرقة العنصرية و التمييز في اعتبارنا و نحن نبني مجتمعنا الجديد القائم على التعددية و التآخي و التعايش ؟

و أرجو منك ألا تقبلي كلمة لا أو كلمة غير ممكن عندما تتكلمين عن مشاكلنا و مطالبنا فكلها مشروعة و تهدف الصالح العام.