مسألة كركوك بين الحل والتأجيل (*)


في سياق البحث عن حل قانوني لمسالة كركوك و مشاكلها بسبب ممارسات النظام العراقي السابق التي عملت على اجراء تغييرعميق في واقعها القومي والسكاني، يتعين الرجوع الى قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في
8 آذار2004. وقد جاء في ديباجة القانون المذكور انه يضع " الية تهدف فيما تهدف اليه الى ازالة اثار السياسات والممارسات العنصرية والطائفية ومعالجة المشاكل المرحلية في العراق". ان هذا القانون الذي يعد الاعلى للبلاد وملزم للجميع بدون استثناء لحين تشريع دستور دائم للعراق، قد اكد في مادته السادسة ايضا على ضرورة قيام الحكومة العراقية " باتخاﺫ خطوات فعالة لانهاء اثار الاعمال القمعية التي قام بها النظام السابق والتي نشات عن التشريد القسري واسقاط الجنسية... ". واوردت المادة الثامنة والخمسون من القانون نفسه حلولا للمشاكل الناجمة عن تلك الممارسات، فنصت الفقرة الاولى منها على ان "الحكومة العراقية الانتقالية ولاسيما الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية وغيرها من الجهات ﺫات العلاقة تقوم وعلى وجه السرعة باتخاﺫ تدابير من اجل رفع الظلم الدي سببته ممارسات النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك من خلال ترحيل ونفي الافراد من اماكن سكناهم ومن خلال الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها وتوطين الغرباء عن المنطقة وحرمان السكان من العمل ومن خلال تصحيح القومية". ان هذه الفقرة تشير الى نقطتيين اساسيتين، فهي من جهة تحدد ممارسات النظام المنافية لابسط مبادئ حقوق الانسان والمتمثلة باجراء تغيير سكاني في منطقة كركوك و مناطق اخرى ايضا، وتحاول من جهة اخرى وضع حل لمعالجتها، ويترتب على ﺫلك ان الحكومة العراقية ملزمة باتخاد خطوات سريعة وفعالة حددتها الفقرات التالية من المادة نفسها لازالة اثار تلك السياسة التي مارسها النظام خلال عقود من الزمن. اما الفقرة (ج) من المادة ﺫاتها فنصت على تاجيل التسوية النهائية لهذه المشكلة لحين استكمال اجراءات معينة، منها اجراء احصاء سكاني عادل وشفاف في المنطقة، ولكن بعد المصادقة على الدستور الدائم.

ان المادة
58 من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية مخصصة اﺫن لحل المسائل والاشكاليات الخاصة بمنطقة كركوك وغيرها بتحقيق امرين هامين:

اولهما ضرورة قيام الحكومة العراقية وهيئات اخرى تابعة لها باتخاﺫ اجراءات محددة بهدف ازالة اثار ممارسات النظام السابق في المنطقة والمناطق الاخرى التي تعرضت الى تلك الممارسات والتي حددتها الفقرات
1 و 2 و 3 و 4 من الفقرة (ا) من المادة المذكورة.

ثانيهما بعد اكمال وتنفي الاجراءات المشار اليها اعلاه، تتخد جملة اجراء منها اجراء احصاء سكاني عادل وشفاف فيها، بعد المصادقة على الدستور الدائم، على ان يتم كل دلك بشكل يتفق مع مبادئ العدالة والاخذ بنظر الاعتبار ارادة سكان تلك المناطق.

ان هذه الفقرة من تلك المادة تضع التزاما واضحا ومحددا على عاتق الحكومة العراقية يتمثل في انهاء اثار ممارسات النظام التي استهدفت " تغيير الوضع السكاني فيها.. من خلال ترحيل و نفي الافراد من اماكن سكناهم ومن خلال الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها، وتوطين الافراد الغرباء عن المنطقة، وحرمان السكان من العمل، ومن خلال تصحيح القومية" من الكوردية والتركمانية الى القومية العربية. والمؤسف ان الحكومة العراقية، السابقة منها والحالية، لم تتخذ لحد الان اية خطوة لتنفيد اي من تلك الاجراءات. اما الاجراءات النهائية، وبضمنها اجراء احصاء سكاني في المنطقة، فهي مؤجلة لحين المصادقة على الدستورالدائم. ان الحكومة العراقية لم تباشر لحد الان بتنفيذ التزاماتها رغم مرور فترة طويلة على وجودها على سدت الحكم، وهو ما يضعنا امام سؤال كبير ومحير، هل هي جادة فعلا في تنفيذ التزاماتها؟ ام انها تريد كسب الوقت ليضع الجميع في نهاية الامر امام قبول الوضع الراهن بكل الاثار الخطيرة المترتبة على ﺫلك؟ اما تنفيذ الشق الثاني من النص فهو مؤجل بحكم القانون، والنتيجة ان لا شئ تم تنفيذه لحد الان. ان تلكؤ الحكومة في تنفيذ واجباتها ادى الى خلق حالة من عدم الثقة بين طرفى العلاقة القانونية وهما الكورد والحكومة العراقية، ويؤدي تفاقم هذه الحالة الى زيادة تعقيد المسألة بابعادها السياسية واثارها المتشعبة على النطاقين الاقليمي والدولي.

كان ابناء كركوك المبعدون من ديارهم قسرا بفعل ممارسات النظام ياملون العودة اليها بعد سقوطه او بعد انهياره بفترة قصيرة، لكن ﺫلك لم يتم، باستثناء قسم منهم. الذين عادوا الى ديارهم، ولكن تضاعفت معاناتهم لانهم يعيشون في حالة فقر وبؤس وحرمان، فهم يسكنون الخيم في العراء، بدون ماء وكهرباء او خدمات صحية او مدارس لاولادهم، ويعيش معظمهم بلا عمل ولا امل. وينتظر هؤلاء العائدون الى ديارهم منذ قرابة سنتين قيام الحكومة باجراءات يستلزمها قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية. عليها، ولكن الى متى الانتظار في تلك الظروف القاسية؟

تنص الفقرة الاولى من (أ) من المادة (
58) من قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية على ان الحكومة الانتقالية ملزمة باعادة المقيمين المرحلين الى منازلهم وممتلكاتهم، وكذا الامر بالنسبة للمنفيين والمهجرين والمهاجرين، واذا تعذر ذلك، فعلى الحكومة تعويضهم تعويضا عادلا، ولم تتخذ الحكومة لحد الان اية خطوة لتنفيذ هذا الالتزام القانوني اما بالنسبة للافراد الذين تم نقلهم الى مناطق واراض معينة وهم العرب الوافدون الذين تم توطينهم في المنطقة من قبل النظام بهدف تغيير الواقع السكاني فيها، فان الحكومة ملزمة ايضا بالبت في امرهم حسب المادة (10) من قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الخاصة بالملكية العقارية، لضمان امكانية اعادة توطينهم في المناطق التي جلبوا منها، او لضمان تلقيهم تعويضات من الدولة، او امكانية تسلمهم لاراض جديدة من الدولة قرب مقر اقامتهم في المحافظة التي قدموا منها، او امكانية تلقيهم تعويضا عن تكاليف انتقالهم الى تلك المناطق، والحكومة العراقية لم تتخذ اية خطوة لحد الان بمد يد المساعدة لهم. وهناك حاليا اكثر من 15 الف عربي من الوافدين الى كركوك على استعداد للعودة الى المناطق التي جلبوا منها فيما لو قدمت لهم الحكومة العراقية يد المساعدة.

اما الاشخاص الذين حرموا من التوظيف او من وسائل معيشية اخرى لغرض اجبارهم على الهجرة من اماكن اقامتهم، فيتعين على الحكومة ايضا توفير فرص عمل جديدة لهم في مناطقهم، ولم تتخذ الحكومة العراقية لحد الان اية خطوة او اجراء تستهدف تنفيذ هذا الالتزام.

ولم تنفذ الحكومة التزامها الاخر الخاص بتشكيل هيئة خاصة للاشراف على تنفيد الالتزامات المترتبة عليها بموجب هذا القانون. وكانت حكومة الدكتور اياد علاوي السابقة قد اصدرت امرا بتشكيل هيئة خاصة باسم ( الهيئة العليا الخاصة بتطبيع الاوضاع في كركوك) وعينت السيد حميد مجيد موسى رئيسا لها. وقد اعلن رئيس الهيئة المعين، بعد لقائاته العديدة بالمسؤولين في الحكومة السابقة والحالية ، ان الهيئة على وشك التشكيل وسوف تباشر اعمالها قريبا، دون ان يتم ﺫلك لحد الان، لان الحكومة لم تقم بتسمية اعضائها ولم توفر لها فرص تسهيل مباشرة عملها بوضع ميزانية خاصة تحت تصرفها، كما ينص على ذلك قانون تشكيلها. والجدير بالذكر ان حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري ملتزمة ايضا بموجب الاتفاق الثنائي المبرم بين القائمة التي ينتسب اليها (قائمة الائتلاف الوطني الموحد)، و(القائمة الكوردستانية) بضرورة تسمية اعضاء الهيئة المدكورة وتوفير الامكانيات المادية وغيرها لها خلال شهر واحد فقط من تاريخ اعلان التشكيلة الوزارية، وها قد مرت على تشكيل تلك الوزارة اشهر عديدة دون ان تتشكل الهيئة.

هذا على النطاق العملي، اما على النطاق النظري فيبدو ان قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية قد احتاط للامر بالنسبة لمستقبل منطقة كركوك، فقد نصت الفقرة (ج) من المادة
53 على انه يحق لمجموعة من المحافظات تقع خارج اقليم كوردستان لا تتجاوز الثلاث، فيما عدا محافظتى بغداد وكركوك، تشكيل اقاليم فيما بينها. ان محافظة كركوك مستثناة من الانضمام لاي اقليم كان طالما كان قانون ادارة الدولة للمرحلة الاتنقالية ساري المفعول. والهدف من هذا النص واضح هو منع ضم محافظة كركوك لاقليم كوردستان في المرحلة الحالية. وعلى العكس من ﺫلك، ورد في مسودة الدستور المقترح للعراق وفي مادتها 115 جواز انشاء اقليم من محافظة واحدة او اكثر، بناء على طلب بالاستفتاء عليه. يبدو ان الهدف هنا ايضا هو محافظة كركوك لتتحول الى اقليم خاص خارج اقليم كوردستان وقد اقترح السيد عباس البياتي عضو لجنة كتابة الدستور من القائمة الائتلافية، تحويل محافظة كركوك لوحدها الى اقليم خاص، و اقتراحه هذا لم يأت اعتباطا وهو العضو الناشط في لجنة كتابة الدستور. وهكذا فرغم ان النصين القانونيين يتضمنان حكمين متناقضين، الا ان الهدف من ايرادهما واحد، وهو ابقاء منطقة كركوك خارج اقليم كوردستان.

اما بالنسبة للمادة
135 من مسودة الدستور التي نصت على تولي السلطة التنفيذية المقبلة استكمال تنفيذ المادة 58 من قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها، بما فيها (التطبيع والاحصاء والاستفتاء لتحديد ارادة مواطني المنطقة) في مدة اقصاها الحادي و الثلاثون من كانون الاول (ديسمبر) 2007، فنتسائل عن الضمانات الموجودة التي تمنع الحكومة المقبلة كي لا تقوم بما قامت به الحكومة السابقة والحكومة الحالية في حالة عدم تنفيذ واجباتها الدستورية و القانونية او تلكؤها في ﺫلك ؟ خاصة وان الظروف السياسية في العراق في تغير مستمر، و قد اثبت التاريخ اكثر من مرة ان الزمن لم يكن في صالح الكورد، نذكرعلى سبيل المثال ماتم الاتفاق عليه في 11 اذار 1970، ثم تنكر الحكومة العراقية للاتفاقية التي وقعت عليها بعد مضي اربع سنوات عليها ، وهو ما ادى الى عودة القتال الى كوردستان وشن النظام البعثي لاشرس حملة عسكرية عليها دون ان تستطيع النيل من ارادة المقاتلين الكورد، فلجأت الى حكومة الشاه وابرمت معها اتفاقية الجزائر المشينة بمساعدة من الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين ووزير الخارجية الامريكى هنري كيسنجر.

الدكتور نوري طالباني ـ قانوني و عضو مستقل في برلمان اقليم كوردستان
لندن
24 ايلول 2005

(*) ملخص البحث الدي قدمه الدكتور نوري طالباني في الندوة التي نظمت في لندن في
24 ايلول 2005 بهدف ايجاد حل قانوني لمسالة كركوك.

المصدر: صوت كوردستان،
29/9/2005