متى تتعانق اللغتان العربية والكوردية.؟
اختلقت بعض الأطراف والأقلام موضوع عدم قبول الكورد اللغة العربية ورفضهم استعمالها، وكأنها محيت من على أرض كوردستان، وقد بلغت ببعضهم الحسرة وانتابتهم الحدة والصرعة الى درجة أن اتهموا الكورد بالعنصرية لا لشئ الا لأن اللوحات المعلقة على دكانينهم ومحلاتهم وأسواقهم ومخازنهم في بلادهم، مكتوبة باللغة الكوردية...واعتبروا ذلك خطرا على اللغة العربية، مع العلم أن هناك أكثر من عشرين دولة وهي عربية بمؤسساتها ومجامعها ومدارسها وجامعاتها، بل بسماءها وارضها..هذا في وقت لن تجد أبدا شعبا غيرعربي في طول العالم الاسلامي وعرضه مقبلا على تعلم اللغة العربية كشعب كوردستان حتى في الوقت الراهن.. بل تعتبر العربية أحد روافد مثقفيهم، اضافة لكونها لغة صلاة وتعبد مصليهم، وأكثرهم مسلمون.
وكأن الذي هو واقع في كوردستان، مخالف لما جاء في القرآن والسنة النبوية الشريفة، وانه من المنكرات التي يجب محاربتها وازالتها لأنها من البدع والخرافات.. وكأن الاسلام ما جاء الا لتعريب لوحة صيدلية أو دكان خضروات أو مخزن اقمشة جل مشتريها من الكورد، أو مدرسة أو جامعة كل تلاميذها وطلبتها منهم.. وكأنه حرام على العراقيين والعرب أن يتعلموا بضع كلمات أو جمل أوأسماء كوردية قبل وبعد أن يزوروا كوردستان ..وكأن القدر قد كتب على لغة الكورد الذيلية أو الموت الزؤام .. ولا عتاب لهم على تركيا التي تخلو من اي مظهر باللغة العربية، ناهيكم عن أشكال حروفها.. ولكن كبش الفداء هو لغة الكورد.!
عندما تضرب العنصرية أطنابها في النفوس، فانها لا تريد ان تستأثر بكل شئ لها فحسب، بل تفرض كل ما عندها من لغة وثقافة وعادات وتقاليد على الآخرين من الشعوب والقبائل،لا بل وتأتي لتجتهد بتأصيلها كذلك بالمبادئ وقد تؤطرها بالدين، وربما تصم المخالف لها بالسفه وخفة في العقل.! ضاربة بكل القيم السماوية والأرضية عرض الحائط ( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ).
أنا لا أعتقد أن الاستماع الى هؤلاء المرضى يفيد او مناقشتهم تجدي.. حتى لو أقنعتهم "هنا " بالعلم والمنطق أو بدروس ومحاضرات في الانسانية والانفتاح والمساواة وبانّنا كلنا عيال الله، فانهم " هناك " في النفق الآخر ( واذا خلوا الى شياطينهم ) يرفضونك بجهلهم وخبلهم وما ألقى الشيطان في أمنيتهم.. لأن رؤوسَهم قد أدخلوا في رؤوسِهم وروعهم أنه ما أن تعلم الكوردي لغته، حتى خرجت العربية من قاموس ثقافته ويصعب عليهم تعريبه وتمرير مؤامراتهم عليه، وكأن الخالق لم ينزل القرآن ولم يبعث الرسل الا ليعرّبوا النّاس، وما خلق الله هؤلاء الأدعياء الا ليصبحوا أوصياء على اختيارات الشعوب في تحديد طريقة حياتهم، كما هو حال أقرانهم في تركيا وايران وسوريا..( ان هم الا يظنون ).
ان هؤلاء لا يدرون ـ وبفعل التقوقع في نفق التصورالمظلم والجاهلي ـ أن التجارب أثبتت أنه حتى الطفل الصغير بامكانه التحدث باربع لغات في وقت واحد، وأن جلّ الدول في العالم المتقدم تعتبر اللغة الانجليزية لغتها الثانية بجانب لغتها الوطنية.. وما من شعب متحضر الا ويجيد أفراده لغتين على الأقل، وما من شعبين في بلد الا ويعرفان لغة بعضهما البعض، بل من الجهل عدم الاكتراث والصمم، كما هو الحال في بلجيكا وسويسرا وفنلندا، والقائمة تطول بتلك البديهيات واليقينيات التي أصبحت معلوما من الحضارة بالضرورة ويكاد يسفه من ينكرها ويرقد في مستشفى المجانين من يحاربها.
ان نظرة الاستخفاف الى لغة الآخرين ومحاولة النيل منها لا تتولد عنها الا الكراهية، وليس كل الناس ملائكة.. وأنا أرى أن من انجع الوسائل لازالة هذه الغطرسة والروح الفوقية هي الشروع بتطبيق المادة الرابعة من الدستور بجانب البنود الاخرى و ذلك باشاعة تطبيق اللغة الكوردية على جميع مستويات وأصعدة الدولة الاتحادية كما هو منصوص عليه.. حينئذ يتعرف الجيل الجديد من الأشقاء العرب وغيرهم على لغة جارهم الشقيق الكورد.. ويطمئن الكورد آنئذ أنهم غير مهددين بالمحو والاقصاء، فيقبلون على حب العربية حبا جما كما أحبوها، وتزول الغشاوة على قلوب وأسماع وابصار الجميع.. وبالتالي تتعانق الآيتان الرائعتان " العربية والكوردية " العظيمتان الجميلتان من آيات الخالق على ربوع العراق وكوردستان، بل وعلى ربوع المنطقة ككل، وتصبحان بالتالي نموذجا حيا يحتذى به في عالم سبق كل العوالم الاخرى في اعلان ( ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) من دون تفضيل جنس على آخر او لغة على أخرى، مع ما لكل لغة من طعم متميز ونكهة خاصة وزخرفة فريدة تميزها عن شقيقاتها، وهذه من ابجديات الفطرة وسنة الله وقدره في مخلوقاته( فلن تجد لسنة الله تبديلا ) ولا ( تحويلا ) .
محسن جوامير ـ كاتب كوردستاني
mohsinjwamir@hotmail.com