لكي لا تتكرر المأساة العراقية مرة أخرى !


(نهنئ شعبنا العراقي النبيل خصوصا أهالي ضحايانا على مثول طاغية العصر صدام و زمرته الضالة المجرمة أمام القانون و العدالة اليوم .)

مر شعبنا العراقي بفترة قاسية و مظلمة لمدة أربعة عقود تقريبا ذاق فيها أبشع صور التعذيب و الإذلال و القتل و الإعدامات و التشريد و التهجير، لم يشهد تاريخ البشرية مثلها منذ ستة آلاف سنة قبل الميلاد ، حيث قام نظام البعث الدموي بتدمير طبيعة المجتمع العراقي و إذلال شخصية المواطنين العراقيين إلى أدنى المستويات و محاربتهم بشتى الوسائل و قطع أرزاقهم و مصادرة أموالهم و هتك الأعراض وسبي النساء و الأطفال بأبشع من السبي البابلي .

و لم يكتف طاغية بغداد بذلك بل انه دمر البنى التحتية و البيئة و أحرق الحرث و النسل و قتل أكثر من ثمانية ملايين نخلة و مئات الأطنان من الثروة السمكية في منطقة الأهوار و آلاف من الطيور النادرة على جانبي شط العرب . كما أنه قام بإعدام وملاحقة علمائنا الأعلام و قتل أكثر من أربعة ملايين عراقية و عراقي في السجون والمعتقلات و الحروب و هجر أكثر من أربعة ملايين أخرى من المواطنين العراقيين أصحاب الكفاءات و المواهب و الإختصاصات المختلفة و العقول الذكية التي يفخر بهم و بهن كل عراقي شريف و عربي .

لم تحرك جامعة الدول العربية أي ساكن و لم تقدم أي احتجاج على ممارسات القمع و الإعدامات بالجملة و المفرد طوال هذه الحقبة الإرهابية المظلمة ، فكأن الشعب العراقي لم يمت إلى تربة العراق و الوطن العربي الكبير و أن دمه رخيص ، بل إن بعض الأنظمة و الشخصيات السياسية و الفضائيات و الصحف العربية كانت تغض الطرف عن جرائم البعث العراقي من أجل مصالحها الدنيئة على حساب ضحايا العراق و الكويت المدفونين في المقابر الجماعية الرهيبة و الذي بلغ عددها حوالي
300 لحد الآن ، وأن المنظمات الإنسانية الدولية و المختصين تنتظر لغرض تشخيص رفاتهم و دفنهم وفق الشريعة الإسلامية السمحاء .

إن تحرير العراق من حكم البعث في التاسع من نيسان المبارك
2003 كشف للشعب العراقي ليس فقط جرائم النظام المقبور ، بل مساهمة الإخوة الأعداء العرب بحجة القومية العربية أو مكافحة أمريكا و إسرائيل لتحرير فلسطين السليبة عن طريقهم الإجرامي و ذلك باستنزاف آخر قطرة من الشعب العراقي المظلوم أي بقتل آخر فرد عراقي و صرف آخر درهم كويتي .

نلاحظ حتى تاريخ اليوم من أن بعض الفضائيات و الصحف العربية المأجورة و العميلة لطاغية بغداد و المعلقين السياسيين و بعض السياسيين العرب ، لا زالوا يقفون بجانب رئيسهم المخلوع على أمل أن يعود إلى الحكم ، لكي يغدق و يتصدق عليهم بالمال و المغريات الأخرى .

و كيف أن مواقفهم الخبيثة بعدم الإعتراف بمجلس الحكم العراقي الوطني الإنتقالي في حينه و رفض عمرو موسى و أحمد ماهر حتى بدعوة مجلس الحكم العراقي أو إستقبال الموفدين منه . فبأي عين أتيت يا عمرو موسى لزيارة العراق ؟

وكيف أن مؤتمر دمشق رفض دعوة العراق قبل أسبوع من إنعقاد المؤتمر الفاشل ، على الرغم من أن الموضوع كان يخص العراق و حول أمنه .

كما لاحظنا للأسف تهرب وزير الداخلية اللبناني من إستقبال الوزير العراقي .

إن ذاكرة الشعب العراقي الكريم قوية للغاية ، فهو يقرأ الممحي و لا ينسى هذه المواقف العدوانية ضده بعد تحرير العراق و المواقف السلبية لدعم طاغية بغداد طيلة حربه ضد الجارة العزيزة الجمهورية الإسلامية الإيرانية و عند غزوه لدولة الكويت الشقيقة في الثاني من آب عام
1990 .

نعم ، لم تحرك جامعة الدول العربية أي ساكن لإنقاذ الشعب الكويتي العزيز و استرداد دولته ، دولة الكويت . أشرنا إلى ذلك مفصلا في مقالاتنا المختلفة المنشورة في موقعي " كتابات " و " موسوعة النهرين " :

1 - العلاقات العراقية الكويتية ، في الماضي و الحاضر و المستقبل

2 - الكعكة العراقية الدسمة و مصالح الدول العالمية و العربية

3 - تطاول المرتزقة العرب على مجلس الحكم العراقي المؤقت لماذا ؟

4 – نفاق الجامعة العربية و إشراقة مجلس الحكم العراقي المؤقت

5 – الإعتراف بالخطأ فضيلة

6 – منظمة حقوق عوائل الشهداء العراقيين و الكويتيين

7 – عادت حليمة إلى عادتها القديمة

8 – المعايير المزدوجة لمواقف جامعة الدول العربية تجاه مجلس الحكم العراقي الإنتقالي

نتابع بألم و مرارة برامج فضائيتي الجزيرة و العربية المحرضة للعنف و على الإرهاب و التي تبث الإشاعات الكاذبة بالإضافة إلى جرح مشاعر الملايين من الشعب العراقي لا سيما إخواننا الشيعة و الأكراد في العراق و إيران .

و قد صدق الشاعر المرحوم نزار قباني في بعض أبياته الشعرية ، عندما أنشد بحرقة مخاطبا العراق :

في فمي يا عراق ماء كثير كيف يشكو من كان في فيه ماء

زعموا انني طعنت بلادي و أنا الحب كله و الوفاء

أيريدون أن أمص نزيفي لا جدار أنا و لا ببغاء

أنا حريتي فإن سلبوها تسقط الأرض كلها و السماء

لذا نوجه نداءنا إلى رئيس الجمهورية العراقية و رئيس الوزراء و رئيس وأعضاء الجمعية الوطنية العراقية إعادة دراسة العلاقات مع الأنظمة ( وليس الشعوب العربية ) و الفضائيات و الصحف العميلة و الشخصيات السياسية و الإعلامية و بعض من الدول الأوروبية التي تعاونت مع النظام المقبور لحساب مصالحها و على جماجم أبناء شعبنا ، و وضع مصلحة العراق و الشعب العراقي نصب عينيها و فوق كل إعتبار .

أما الدول التي وقفت مع الشعب العراقي في محنته ، كدولة الكويت الشقيقة وغيرها ، فعلى حكومتنا الوطنية أن تفتح قلوبها و حدودها مع شعب و حكومة الكويت لإعادة علاقة الإخوة و الجوار من ناحية و رأب الصدع الذي سببه نظام بغداد المخلوع ، و تضميد جراح عوائل شهداء الشعبين من ناحية أخرى .

لا بد من الإشارة و التأكيد على ضرورة توطيد و توسيع و توحيد الجبهة العراقية الوطنية بمشاركة كافة القوى السياسية و الدينية و القوميات المتآخية المتحابة و إجراء إنتخاب الحكومة الدائمة المقبلة بروح ديموقراطية تضع كل القوى السياسية مصلحة الوطن و الشعب العراقي فوق مصالحها الحزبية ، بحيث تنتخب الجمعية الوطنية العراقية من جديد يساهم فيها أعضاء من كل الأحزاب و القوى السياسية و الدينية ( سنة و شيعة ) و القومية لإجراء الإنتخابات القادمة بعون الله

و النقطة الثانية المهمة جدا جدا ، هي أن لا ينفرد حزب أو فرد بالحكم خشية أن تتكرر مأساة الديكتاتورية التي سببت لشعبنا المآسي و الويلات و المقابر البشرية الجماعية .

أما المعايير في إختيار نوعية العلاقات مع الدول الصديقة و الأصدقاء يجب أن تؤخذ بنظر الإعتبار مواقف تلك الدول أو الجهات التي وقفت بجانب النظام المخلوع و قدمت له الدعم بأشكاله المختلفة سواء بالمال أو السلاح أو الإعلام أو التجارة معه على حساب شعبنا طيلة فترة حكمه الظالمة .

كما نرجو من الحكومة العراقية بث روح الأمل و الخير في إعادة إعمار العراق ، و حث المواطنين العراقيين الأعزاء بالتسامح و عدم أخذ الثارات ، فالقانون العراقي هو الذي يقرر مصير المجرمين . نأمل أن يتم إعداد برامج توعية و تثقيفية و محاضرات للشعب العراقي في التلفزيون و عبر الفضائيات العراقية ، و إعلامه عن منجزات الحكومة الموقرة لحل كافة مشاكل الشعب العراقي أهمها الأمن و البطالة و تعويض كافة العوائل العراقة المهجرة و المتضررة و التركيز على الأمور الصحية و الماء و الكهرباء . و بالإضافة إلى ما تقدم نحذر الشعب العراقي الكريم من مرتزقة و فلول النظام البائد و غيرها ، للتصدي لها و مطاردتها ، لأننا لا نريد أن يصبح العراق المحرر من كابوس الديكتاتورية ، مسرحا للعمليات و التفجيرات الإرهابية .

عاش شعبنا العراقي الكريم !

المجد و الخلود لكل شهداء العراقيين دون تمييز ، و النصر من عند الله !

د. عدنان جواد الطعمة
adnan_al_toma@hotmail.com
ألمانيا في 19 / 10 / 2005

المصدر:
PUKmedia، 22/10/2005