روح المدينة .. حي مدينة الحرية.. والنموذجية العراقية


يبدو عنوان مدينة الحرية ضوئيا لامعا كما هي إعلانات "لاس فيغاس"، وهو في حقيقته أسم لحي شعبي متهالك و بائس ويصنف من أحياء بغداد الفقيرة، لكنه بالمقابل يشكل أحدى العلامات المميزة في تاريخ مجتمع العاصمة ،بعدما رفد الساحة الإبداعية العراقية بكم من الأعلام في شتى المجالات . كان اسمه مبهما ومنسيا، حتى أثار ذكره الفنان كاظم الساهر ، ودعا إلى التساؤل عن طبيعة هذا الحي التابع للإهمال والنسيان والقابع على هامش التاريخ والجغرافية والإجتماع.

تقع مدينة الحرية شمال مدينة بغداد، وتتبع الكاظمية التاريخية، في منتصف الشوط الممتد بينها وبين جنوبها الغربي في موقع عاصمة الدولة الكشية المدعوة (دور كاريكالزو)، التي كانت من أقدم الحواضر في موقع بغداد، ويشهد لها صرحها الديني(الزقورة) أو المعبد الذي أختص بعبادة الأله أنليل ألاكدي ، والذي بقى طلله شاخصا يسميه البغداديون بـ (عقرقوف)، وذكره الرحالة والمؤرخون. ويرصد البرج من مواقع بعيدة، ويسمو على ارتفاع
56 متراً بعد أن كان أصلا 78 متراً عند إنشائه في المائة الرابعة عشرة قبل الميلاد، مشادا من خامات اللبن والطوب والآجر، مع طبقات من حصران القصب (البارية العراقية). ويقع اليوم متاخما لحي الشعلة الشعبي الذي أنشأه الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم. وهنا يمكننا تخمين أن موقع مدينة الحرية على تخوم المدينة الكيشية كان يشكل حقلها أو مزارعها أو بستانها المتاخم، واحتضن في حينها مجاري المياه الساقية للمدينة. كان ذلك بسبب إنخفاض منسوب أرضها عن مستوى ماء نهر دجلة القريب منها، ولاسيما عند دورانه في منطقة العطيفية الذي يبقى على بعد كيلومترين فقط.

والكشيون حكموا تلك الأصقاع منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد وضموا مدينة الحرية والكاظمية لأملاكهم دون أن ترد لها أسماء معينة في مدوناتهم. وقد حكم منهم “
76 “ ملكاً واستمر حكمهم "576" سنة قمرية. ومدوناتهم جاءت باللغة البابلية التي أقتبسوا ثقافتها واعتدّوا بها، مع انّ ملوكهم كانوا من اللور (الفيلية)، لذا استعملوا اللغة السومرية حتى بعد إضمحلالها في موطنها الفراتي. وربما يعود السبب إلى كونهم من نطاقها الثقافي أو مكوثها اللساني أو قريبة منه، فلم نجد للغتهم (الكشية) من دليل آخر. وكانت للقوم اتصالات دولية واسعة بالملوك المثيانيين والحثيين والفراعنة والشعوب المجاورة، فازدهرت التجارة في عصرهم وعم الرخاء البلاد في عهود بعض ملوكهم.. وكان منهم الملك (كاريكالْزو) الذي شيد البرج. وقد عثرت مديرية الآثار العامة في محيطه على لقىً أثرية نفيسة من مصوغات وأوانٍ من الفخار وكتابات يشاهدها الزائر معروضة في القاعة البابلية للمتحف العراقي. ولم نقف على اسم منطقة الكاظمية لليوم في عصر الأكديين والبابليين الذين سبقوا الكشيين، ولا بعدهم أيام الكلدانيين والأخمينيين، وإنّما نذكر اسماً أراميا شاع في حينها لها،و هو (قُطرَبَل) إنسجاما مع جملة التسميات الآرامية المحيطة بها، مثل براثا وبادوريا وبيت غدادو(بغداد)على تخومها. وورد الاسم الآرامي في مدون يعود لأواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وهو القرن الذي أُنشئت فيه الدولة السلوقية بعد وفاة الاسكندر المقدوني عام 323 ق.م في بابل.

وكانت تلك الأرض تُعرف أيام الساسانيين بطسوّج قطربل، أي كورة، أو قرية قطربل، وكانت تُروى من نهر يتفرع من الجانب الأيمن من دجلة ويعرف بنهر دجيل.. وكان نهر يفصل بين طسّوج قطربّل وطسوّج بادوريا (الوشاش) في الجنوب الذي يعرف بنهر الصراة،وهو يتخلج من نهر عتيق يأخذ ماءه من الفرات، وعُرف في أيام الساسانيين باسم نهر رفيل وفي أيام العباسيّين وبعدهم باسم نهر عيسى بن علي عم أبي جعفر المنصور.

ووُجدت دراهم يونانية في مقبرة الشهداء (منطقة الحرية تحديدا)، فقد ورد في عدة مصادر تاريخية، من ضمن أخبار سنة
1243م -641 هـ أن ميتاً حُمل إلى مقبرة الشهداء ليدفن فيها.. فلمّا حفر الحفار قبراً له وجد في الحفرة جرّة مملوءة دراهم يونانية وإسلامية ممّا ضرب بالمدينة المنوّرة، فأحضرها إلى المحتسب ببغداد فحملها إلى دار الوزير نصير الدّين أحمد بن الناقد وزير الخليفة المستعصم بالله فأمره بالمضي إلى المقبرة وزيادة الحفر فحضر، وحفَر حول القبر فوجدوا جرة أخرى كان بها نحو عشرة آلاف درهم.

وحدث الأمر عينه سنة
1249م - 647 هـ ، أي قبيل سقوط بغداد بعقد من الزمان، بأن الخليفة العبّاسيّ المستعصم بالله، أمر بعمارة مشهد الإمام موسى بن جعفر (ع) في مقابر قريش المذكورة. فلمّا شرع الفَعَلة والبُناة في ذلك وجدُوا (بستوقة) فيها ألف درهم قديمة، منها يونانية عليها صور، ومنها ضَرْب ببغداد ومنها في واسط، فعُرضت على المستعصم بالله فأمر أن تصرف في عمارة المشهد، فاشتراها الناس بأوفر الأثمان وأُهدي منها إلى الأكابر، فنفذوا إلى المشهد أضعاف ما كان حُمل اليهم منها.

وموقع مدينة الحرية (غربي الكاظمية الجنوبيّ) كان يدعى مقبرة الشهداء التي ورد ذكرها آنفاً ،وهي في حقيقتها مقبرة الشهداء المسلمين الذين حاربوا الخوارج سنة
37 هـ - 656 م. فأثخنتهم الجراح وماتوا فدُفنوا هناك،. وقيل بل حُملوا من ساحة الوغى في موقعة النهروان وهم مرتثّون فأدركهم الموت في ذلك الموضع. وجاء هذا الخبر عند الخطيب البغدادي (مؤرخ بغداد) في قوله: (وبالقرب من القبر المنسوب إلى (هشام بن عروة بن الزبير بن العوّام) بالجانب الغربي قبور جماعة تُعرَف بقبور الشهداء، لم أزل أسمع العامة تذكر أنها قبور قوم من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كانوا شهدوا معه قتال الخوارج بالنهروان وارتُثّوا في الوقعة.. ثم لما رجعوا أدركهم الموت في ذلك الموضع فدفنهم الإمام علي عليه السّلام هناك، وقيل: إنَّ فيهم من له صحبة. وقد كان حمزة بن محمّد بن طاهر ينكر أيضاً ما اشتهر عند العامّة من ذلك وسمعته يزعم أن لا أصل له، والله اعلم.

وبصدد موقع الكاظمية يروي الخطيب البغدادي كذلك (..سمعتُ بعض شيوخنا يقول: إن مقابر قريش كانت قديماً تُعرَف بمقبرة الشونيزي الكبير. فقد كان هناك أخوان يقال لكلٍ منهما الشونيزي، دفن واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين فنُسبت المقبرة إليه). وقد عُرفت المقابر الشمالية في بغداد الغربية بعد ذلك بمقابر (باب التبن) غير أنّه يظهر من موقع باب التبن أن هذا الاسم كان قد أُطلق على نحو الإجمال على القسم الشرقي منها فقط.

والكاظمية أخذت أسمها من ضريح الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق (ع) المعروف (بكاظم الغيظ) أي الصبور المتحمل عذابات الدنيا. وقد توفي الإمام عام
186هـ -  802 م ، وهو الإمام السابع لدى الشيعة الإثناعشرية، وصاحب حظوة وتبجيل لدى المسلمين عموما. وكان موقع الكاظمية في بواكير تأسيس بغداد قد خصص ليكون مقبرة لآل قريش في دولة بني العباس للتمييز بينهم وبين مقبرة الخيزران المتاخمة للشماسية (الاعظمية) اليوم التي دفن بها عامة الناس ومنهم فقيه العراق الأعظم الإمام أبو حنيفة النعمان (رض). وأول من دفن في مقابر قريش أو الكاظمية هو جعفر ابن أبى جعفر المنصور مؤسس مدينة بغداد عام 767م بعيد تأسيسها، ثم تبعها الخلفاء العباسيون الذين لم يبق لهم أثر على عكس أعدائهم ومسجونيهم كالإمامين الجوادين وابي حنيفة.

وكانت مدينة الحرية تسمى (باب الغربة) إبان نهاية العصر العباسي وبداية العصر الإيلخاني، ويرد أسمها في وصية الوقف الذي كتبها الخواجة مرجان الإيلخاني الخاصة بالخان والمدرسة والمسجد التي شيدها في رصافة بغداد بين اعوام
1353-1358. وتسميتها تدل على موقعها عند الباب الغربي لدخول الأعراب من غربي وشمال غربي بغداد، ونجد بأن من أوائل القاطنين في ذلك الحي عند تأسيسه ممن قدم من المشاهدة والطارمية ومضارب بني تميم في تلك الأصقاع، وسكنوا تحديدا في شارع المختار و الحرية - الثانية. ونتذكر بأن البدو وبائعي الملح كانوا يمروا بجمالهم في بواكير تأسيسها، وكنا صغارا نتبعهم لـ (نشرب) من الأرض حليب نوقهم.

وشارع المختار من الشوارع المتوسطة في الحي وسمي على أسم المعمار العراقي أحمد المختار(
1907-1960) وهو أول معمار عراقي يوفد للدراسة في أنكلترا ، وتخرج من جامعة ليفربول عام 1936 قبل محمد صالح مكية، ليصبح أول مهندس معماري عراقي في الحكومة العراقية عام 1937، بعدما شغلها المعماريون الإنكليز، ثم تبوأ منصب مدير الأشغال العامة 1950 حتى وفاته.

ويمكن إعتبار مدينة الحرية أحد الأحياء الجديدة لبغداد، بعد التوسعة المقترحة من خطة المعمار ومخطط المدن اليوناني - والأمريكي دوكسياديس الذي أختير لمهمة توسعة بغداد. ويمكن اعتبار العام
1958 بداية المشروع ومنه إرساء هذا الحي وظهوره إلى الوجود بعد بداية متعثرة قبل ذلك بعامين. وقد أتصل الحي ببغداد بعدما أفتتح المرحوم عبدالكريم قاسم عام 1961 شارع 14 تموز الرابط بين الكاظمية والكرخ والمار بمطار بغداد (أصبح اسمه المثنى بعد ذلك) وكذلك محطة القطار العالمية. وهكذا فكت العزلة عن الحي وأصبحت الحافلات رقم 25 و81 تنقل أهل الحي إلى ساحة الشهداء أو الميدان، وأرتبط بمنطقتي علاوي الحلة والكاظمية مشيميا.

ويمكن أن تعود تسمية (الحرية) إلى التغييرات التي طرأت بعد ثورة
14 تموز 1958 ،لكن مازال بعض المخضرمين من الحي يطلقون عليه أسم (مدينة الهادي) اقترانا باسم مالك أرضها الأصلي وهو الثري العراقي عبد الهادي بن عبد الحسين الجلبي نقيب عائلة الجلبي البغدادية الكظماوية، ووالد السياسي العراقي (أحمد الجلبي) . ولقب (الجلبي) يرد من اللغة التركية، ويعني كبير التجار (شاهبندر الفارسي). وقد اقطع السلطان مراد الرابع، أجداده هذه الأرض ومحيطها عندما افتك بغداد من يد الصفويين عام 1638. ورام تغيير البنية السياسية والإجتماعية للمنطقة، فملك الأرض إلى رجل اصطحبه معه من جهات الموصل دعي الجلبي، واسكنه تلك الديار.

وقد تشيع أحفاد الرجل عند مكوثهم بين ظهراني أهل الكاظمية الشيعة بجلهم بعد أربعة أجيال. وقد انتقل عبد الهادي الجلبي الى جوار ربه عام
1988 في لندن بعد أن اختارها ملاذا بعد أن طالت ألتاميمات وفوضى الإقتصاد التي جلبتها سلطة إنقلاب (شباط-1963) وسياسات خير الله حسيب الإقتصادية، وما تلاها، حينما بخست بأملاكه الواسعة ومنها المطحنة العصرية (معمل الطحين) الذي بناه على أرقى طراز حداثي من أربعينيات القرن العشرين، وجهزه الخبراء الالمان بالمعدات المتطورة، ومكث رهط منهم يعمل على إدامته حتى السبعينيات. و يحتل المعمل اليوم ركن مدينة الحرية الجنوبي على بدايات شارع الربيع المتصل بغرب بغداد وأحيائه الراقية. و يشهد البناء بضخامته ودقة تنظيمه على وسع أفق (الجلبي) وبعد نظره وعمق اطلاعه ومدى ثقافته. ومن الجدير ذكره أن المعمل عاد لأصحابه الشرعيين أخيرا.

وقد اشترت الحكومة العراقية هذه الأرض من الجلبي في الخمسينيات، ودخلت ضمن خطة (دوكسياديس). ويمكن أن يكون المبرر من وراء بيعها هو انخفاض مستواها الطوبوغرافي عن مستوى مياه نهر دجلة الذي يمر على طرفها الجنوبي الشرقي، والذي جعل منها عرضة للفيضان في مواسم ارتفاع مستوى النهر في الربيع. و كان هذا السبب وراء ارتفاع مستوى النزيز وصعوبة البناء بها او الإعاقة لعملية الصرف الصحي، وما يترتب عنها من سلامة الشوارع التي تعلوها، وهذا ما ارق أهل الحي، لاسيما في سنوات الستينيات ما جعلها منطقة كوارث إبان شتاء عام
1966 . ويمكن أن يكون ذلك أول حدث جلب إنتباه السلطات العراقية لمشاكل هذا الحي .

وإبان تلك الكارثة زارها رئيس الوزراء طاهر يحيى التكريتي الذي كان يكنيه العراقيون حينئذ بـ(أبو فرهود) أو (أبو كرش الحرام)، لما أتصف به من خفة اليد، وإبتكاره المسوغات للاستيلاء على أملاك الغير. ولم يدر في خلد العراقيين أن الأيام سوف تأتى بمن يضع يديه حتى على الرقاب. ونتذكر ونحن صغار كيف أحتفت نسوة مدينة الحرية بقدوم طاهر يحيى برميه بـ (المداسات)، وقذفه بشائن الكلمات وهابط الحركات، مما اضطره للانسحاب من ساحة المعركة دون خسائر مادية، لكن والحق يقال أن خسارة الرجل المعنوية كانت فادحة وهو رئيس وزراء البلد. ونشهد بأن ثمة مكارم وفروسية كانت لم تزل ماكثة لدى الطبقة السياسية في حينها، وأن الرجل لم يعاقب أحدا ، وهي تدلل على مدى الترويض والهبوط النوعي والمسخ الذي جرى على طبيعة المجتمع العراقي إبان سلطة البعث، منذ إنقلاب تموز
1968.

وكان أول من سكن مدينة الحرية من المراتب الدنيا للجيش والشرطة والطبقات الفقيرة القادمة من جنوب العراق.ثم توالى تزاحم السكان، لاسيما من شعر بثقل الضيق في وسط بغداد، وتبعها القادمون من بادية بغداد الشمالية والغربية طمعا بإرتقاء وضعهم المعاشي، على تخوم المدينة (المتبغددة). وسميت أول مساكنها بدور الشرطة او (دور الشؤون الاجتماعية)، وكانت بنايات صغيرة مساحتها تقارب نحو 55 متراً مربعاً وتحوي غرفتين ومجازاً وسطياً وحوشاً خلفياً. وقد استعملت في بنائها خامة الآجر(الطابوق) بعد أن خططت شوارعها على الأسلوب العمراني الإنكليزي المتعامد .

ثم شرع بسكناها والتجمع بها عدد كبير من اللور الفيلية، قدموا من (عكد الأكراد) والقشل وأسسوا في منطقة البستان حيا جميلا بني بين ظلال بستان ونخيل عبد الهادي الجلبي الوارفة وحاكى بأسمه (عكد الأكراد) تيمنا. وقد حال أمرهم شقاء بعد ما صودرت عراقيتهم وهجروا بقسوة إبان المحرقة البعثية، وتركوا بيوتهم تسكنها أشباحهم. وكان هذا الجزء من الحرية أكثرها رقيا ونظافة. وكنا نسمي بستان الجلبي في طفولتنا (السيف)، كونه مخزنا لكبس التمور المنتجة من بساتين الجلبي. وقد حدث أن صادره خير الله طلفاح خال الطاغية صدام ، وضمه إلى أملاكه الواسعة وكان يؤمه للتنزه. لكنه عاد أخيرا لأصحابه الشرعيين.

وقد خصص الفيلية في وسط الحي جامعا حسينيا، قرروا أن يجعلوه مركزا ثقافيا وروحيا، وجلبوا له خيرة القراء (الروزخونية) والعلماء لإلقاء الدروس، وأختير لتلك المهمة خيرة علماء الشيعة في العراق للقراءات الحسينية في عاشوراء، مثل الشيخ الوائلي والسيد إسماعيل الصدر وعبد الزهرة الكعبي وغيرهم. وحدث أن نسب لها إماما ومرجعا المدعو (محمد صادق الخلخالي) بعدما قدم لاجئا مع الخميني عام 1963. وقد شاع أسمه بعد عودته إلى بلده إيران، مقترنا بالإعدامات التي نفذها ضد (أعداء الثورة الإسلامية في إيران). وكانت حسينية الأكراد الفيلية في البستان وحسينية عبد الهادي الجلبي في منطقة (القلم طوزه) ثم الموسوي والعلوي من أهم مساجد المدينة الشيعية، قبل أن تبنى مساجد أهل السنة والجماعة كالخشاب في نهاية شارع المختار ومسجد السوق في الحرية - الأولى إبان حقبة عبدالسلام عارف، ثم توسع بناء المساجد في كل أجزاء الحي تباعا.

وشهد الحي توسعات مضطردة ليشمل أجزاء الملحق والدباش والجمعية ثم الحرية الثانية والثالثة ودور نواب الضباط ثم الدولعي وتوابعها في الزاوية المتاخمة للكاظمية.

وفي الإطار الاجتماعي فأن الحي يعتبر نموذجياً عراقياً صميماً، حيث لم يقترن بفئة أو قبيلة أو حمولة أو نحلة أو ملة بعينها. فقد أحتوى في ثناياه فسيفساء وأطيافاً عراقية شتى، جلهم من الطبقة الوسطى أو ما تاخمها. وبقي طابعها متأثرا بالثقافة الجنوبية الفلاحية بسبب غلبة ساكنيه. ثم أقل من ذلك ثقافة سكان غرب بغداد وشمالها البدوي. ونجد ثمة بغداديين أقحاحاً قدموا يحملون صفات حضرية ،وشبه حضرية "بدوية" لمن قدم من أحياء الكرخ. ونجد (كواظمة) ذوي طباع وديعة ومحافظة ومتدينة، بعدما ضاقت بهم مساحة الكاظمية المحدودة، فوجدوها قريبة من أصولهم، وثمة بيوت لقادمين من الموصل وتركمان من كركوك ومحيطها، وتجمع لفرس ذوي أصول إيرانية وأفغان وهنود، طالت جلهم حملات التهجير القسري البعثية منذ العام
1970.

وثمة تجمع اللاجئين الفلسطينيين وردوا العراق منذ العام
1951، وسكنوها في بواكيرها، وجلهم ينحدرون من القرى الفلسطينية الست: اجزم و جبع و عين غزال والطيرة والطنطورة وأم الزينات من قضاء حيـفا الفلسطينية الساحلية المطلة على البحر المتوسط.وقد سكن هؤلاء دور الشؤون (دور الشرطة)، وكان الجيل الأول منفتحا على العراقيين تماما، لكنهم مكثوا محافظين على أعرافهم ولهجتهم التي أورثوها لأبنائهم من الجيل الثاني. لكن هذا الجيل أنخرط في الحياة العراقية والبغدادية، وأمسى جزءا جوهريا من نسيجه، وتهاجنوا وتزاوجوا مع العراقيين، وأتقنوا اللهجة العراقية بحذق، حتى تخالهم الأذن من أهلها ، ولم يعد يفرقهم أحد عنهم كما هو حال صديق الطفولة الفنان جلال كامل.

ومن الملفت للنظر هو ظهور المواهب تلو المواهب في هذا الحي البائس تميزا عن سواه من الأحياء الأخرى. ويمكن أن يكون السبب طبقيا، مرتبطا بحالة الطموح والبحث الدؤوب عن التدرج والارتقاء في السلم الاجتماعي، وتحسين مستوى المعيشة، كما هو ديدن البشر. يضاف لها الجانب التوارثي المتجسد في النموذجية العراقية المجسدة في تهاجن الجميع من مختلف الأمشاج الاجتماعية، من عرب وعجم وحضر وبدو وفقراء وميسورين، ليتمخض بالنتيجة عن حالة متجددة من التحسن التوريثي (الجيني). وربما تكون هذه الظاهرة سمة عراقية صميمة ،وردت من أعماق التاريخ، وكانت سببا (جينيا) وراء حضاراته المتعاقبة.

تسنى لنا خلال سنين الطفولة والشباب أن نطلع على سيرة رهط كبير ممن طبعوا أسماءهم في شتى المجالات الإبداعية ومنهم خيرة الفنانين والرياضيين واصحاب الرأي والصحفيين والسياسيين من أعلام العراق. ونذكر من الفنانين جلال كامل، وسعدون جابر وفاضل عواد وجعفر حسن ونصير شمه وحميد منصور وكاظم الساهر واياد البلداوي وسهير اياد ومقداد مسلم وطلال هادي وعارف محسن وحسن حسني ومقداد عبد الرضا. وثمة فنانون مجهولون، كان صداهم محلياً بحتاً، مثل الفنانين عدنان العقابي، وحربي (الشعار) ونجم (الأقجم)، وأهم هذا الرهط هو هاتو (العبد)، الخلاسي، الذي تمتع بمواهب غنائية ومحاكاة للأصوات، وبقدرته على الارتجال وسرعة البديهية والمماحكة ومواءمة الأغاني مع هزلي الكلمات. ولم تخل حفلة عرس أو طهور أو غيرها من وجوده ،حيث أعتاد أهل الحرية على حضوره الشيق ،ولا تتحقق متعتهم بدونه، حتى تناقل القوم نوادره و حكاياته وأغانيه المموهة بما يحاكي الشخصيات التاريخية، وشخوص الشطار والعيارين في التراث البغدادي.

أما الأدباء فمنهم الشاعر مظفر النواب (سكن لفترة) والناقد حاتم الصكر وفضل خلف جبر والشاعر الصحفي عبد الرزاق الربيعي والشاعر عبد الستار نورعلي ، وعمران التميمي وصباح احمد حمادي (قتل في الحرب)، ومحمود الريفي، ومن الصحفيين علي رياح وعلي جبار عطية و فرات المحسن وعبد المنعم الاعسم والكاتبة فاطمة المحسن وجمال هاشم علي. ومن الشعراء الغنائيين نزار جواد وسيف الدين ولائي (سكن لبعض الوقت). ومن رجال الدين والعلماء الشيخ موسى الموسوي صاحب مسجد الموسوي في الحرية الثانية والذي أشتهر بمؤلفه (البيان في تفسير القرآن)، ويعود الفضل لمكتبة مسجده في تأسيس الوعي الديني للكثير من شباب الحي، الذين أصبحت أجسادهم وقودا لمحرقة البعث.حدث ذلك بعيد إعدام الشهيد محمد باقر الصدر
1980.

ومن الرياضيين في كرة القدم نذكر منهم صاحب خزعل وعبد الصمد أسد (سكن بعض الوقت) ومحمد الوكيل واحمد فتحي وشلش عليوي ومجيد زوير، ومحمد أبو حديد وطارق خضير (الآليات) وإبراهيم حيدر (الحرس الملكي) وعبد الأمير ظاهر (أموري) ولطفي عبد القادر وحميد جبر وعبد الحسين الدوحي (قتله البعثيون)، وفيصل حسوني وشعلان زوير وأحمد السبتي (قتله البعثيون)، وعادل يوسف وياسين ياس(حامي هدف)، وجاسم فضاله وهاشم (دقله) وإبراهيم كردي. ومن الجيل التالي يرد صباح لازم الفرطوسي، وموفق باهض والأخوان سالم وصبيح عنبر، والثنائي التوأم غسان وبسام رؤوف وابوهم (رؤوف أبو العائلة) والعداء صلاح الدين علوان والملاكم صلاح جاسم وابطال آسيا في المصارعة لسنين متوالية . وسكن الحي اللاعب نوري قهرمان الفيلي، الذي هاجر الى إيران ولعب في فريق (باص) الإيراني ومنتخبه الوطني.

ومن السياسيين كثيرون ومنهم علي صالح السعدي القيادي البعثي الذي أعلن (قدومه بقطار أمريكي) ،وبدن فاضل الذي أعدمته السلطة البعثية وحمودي العزاوي رجل المخابرات الذي سقطت طائرته في السعودية وهو في طريقه إلى السودان لتهنئة الانقلابيين. ومن السياسيين هاشم علي محسن، القومي العروبي الناصري، ورئيس نقابات العمال إبان الحقبة العارفية، والذي انتهى منفيا، ومات منسيا في بيروت عام
1984.
وقد غيبت سلطة البعث الكثير غير ذلك من الأسماء اللامعة، وكأنها أرادت لتلك المشاريع البشرية أن تقبر ، ليفقد العراق من ساحات العمل الفكري والإبداعي ثروات لا تعوض. فقد نكلوا بشباب الحي ولاسيما في الثمانينيات. وكان نصيب عناصر الحزب الشيوعي وحزب الدعوة الإسلامي في مقدمتهم، ولم يسلم حتى رجال الدين الشيعة مثل الشيخ حسن (إمام المسجد العلوي) حيث قتل ومثل به.

ونتذكر من تلك الكوكبة من الشهداء الشباب اسم عبد الستار جبار عطية (اخ الشاعر عبد الرزاق الربيعي) ورستم عبد المنعم وكان طالبا في كلية الزراعة اعتقل عام
1979 وضاع اثره ومحمد رضا الموسوي كان طالب ثانوية وجاسم محمد جعفر وشقيقه حيدر محمد جعفر وعبد الزهرة شياع ماجد الكناني وسعد عبد الستار محمد ،والأخوين التوأم نجاح وصباح والشهيد مفكر من البستان،وهيثم نجم عبد الله بديوي وكذلك الشهيد الدكتور صباح عبد الحسن (يسكن جنب حسينية الأكراد الفيلية) الذي اعدم عند خروجه من حفلة تخرجه من كلية طب البصرة. ونجد من الشيوعيين أسماء 56 شخصية نشرت في صحائف الشيوعيين، وقد أعدموا. وثمة مجموعة ممن غيبوا ولم يوجد لهم أثر وجلهم من الفيلية تحديدا حينما أشيع أنهم (تبعية إيرانية)، وتم أعتقالهم كرهائن بعد تسفير عوائلهم. ومن جيراننا فقط أذكر (محمد حميد 16عاماً) وسمير الجواهري (عربي) وطالب الفيلي، الذي ترك زوجه وطفليه بعد إعتقاله، يلوذون مفزوعين. وقد كشفت لنا الأيام أن هؤلاء عاثري الحظ أصبحوا حصة لتجارب أسلحة الدمار الشامل البعثية، أو ذوبوا في أحواض التيزاب أو صاروا حصة للمثارم البشرية، أو سكنوا المقابر الجماعية.

لقد كان للحرية التي كني بها الحي هاجس في سجايا سكانه. فقد دافع هؤلاء عنها إبان إنقلاب شباط
1963، ما أدى إلى حالة إهمال بعد عودة البعث عام 1968، مثلما حدث مع كل بؤر الرفض العراقي. وحدث بعدها أن أستحوذ البعثيون على ساحات الحي وملاعبه ومبانيه الخدمية لتوظيفه في الإجرام والطغيان، ومنها مثلا مصادرة مبنى مركز الشباب، ليجعلوا منه (فرقة حزبية) ومخزنا للسلاح وإدارة للجيش الشعبي ، ثم استحوذ على المشتل الجميل المتربع بين مدينة الحرية وحي العدل، والذي كان غابة غناء ومركز بحوث زراعية ورئة لبغداد الغربية، ليحول إلى (فرقة حزبية) و ميدان للتدريب و الإعدامات، ثم ميدان للمدافع والمقاومات الأرضية، ما أدى إلى احتراقه، واختفت الأشجار والمروج الخضر ونفحات الجمال وأحلام الطفولة وذكريات الشباب.

لقد زرت حي الحرية بعد
28 عاماً من الغربة القسرية لأجده يشكو الفاقة والإهمال، وكأن لعنة البعث قد سلطت بؤرتها عليه استثناء ، و لمست أن ذلك السخط السماوي والطاعون قد أجتث كل وردي و جميل في ثنايا الحي، وأمسى ينعق على أشلائه الكدر، ولكن وبالرغم من كل الدمار الذي تركته حقبة البعث الكلحاء، فأن لهذا الحي صدى في النفوس المحبة المرهفة المتعلقة بالوطن ونخيله وفراتيه وعبق طينه ومراقد أئمته. وكلنا أمل بإعادة الروح إلى هذا الحي من ضمن عملية إصلاح جذري لمنظومات الحياة العراقية .

د. علي ثويني
معمار وباحث
المدى

المصدر: شبكة العراق الثقافية،
27/10/2005