الكورد الفيلية العام والخاص في سماتهم الشخصية


كلمة الشخصية ( persona ) لاتينية الأصل بمعنى القناع أو الوجه المستعار، فالأقنعة عند الإغريق كانت ضمن أدوات الممثل للتنكر والظهور على خشبة المسرح ، وإستخدم الرومان (الشخصية) كمصطلح بمعنى الحالة التي يظهر فيها الإنسان للآخرين ، أي ليس كما هو عليه.

أما تعريفه المعاصر فتسوده‌ العمومية وعدم الاتفاق كأغلب المفاهيم المعرفية وإن أكدت اغلبها على إعتبارها مجموعة الصفات الجسدية والنفسية(موروثة كانـت أم مكتسبة) والعادات والتقاليد والقيم والعواطف المتفاعلة في الحياة الاجتماعية .

وإذا ما كانت الشخصية عبارة عن عملية وضع الأقنعة فان الكورد الفيلية ونتيجة لمصادرة هويتهم القومية والوطنية يمارسون نقيض العملية و ذلك بازالة الاقنعة التي وضعها الآخرون ومن ثم الكشف عن هويتهم الحقيقية التي تحتاج الى بحث ودراسة لانهم ذو شخصيات عميقة ومركبة، وذلك لتفاعل وتداخل عدد كبير من المؤثرات الحضارية والتاريخية والاجتماعية في شخصيتهم التي تمتلك خصوصيتها ضمن السمات العامة كونهم كوردا وجزءً من الأمة الكوردية.

ولفهم السمات الخاصة لشخصية الكوردي الفيلي يجب أن نبحث في الجذور التاريخية لهذا المكون الرائع للامة الكوردية وبالذات مصطلح (فيلي) الذي بدأ يؤثر بشكل كبير في سماته الشخصية وقراراته وسلوكياته .

بعض المستشرقين من أمثال (فلاديمير مينورسكي) والباحثين الكورد كالدكتور اسماعيل قمندار يعتقدون أن البدايات الأولى لظهور مصطلح (فيلي) كان في القرن السادس عشر.
أما البعض الآخر فقد فسر جذور المصطلح بأنه مشتق من اسم الملك ألإيلامي – العيلامي ( پيلي) الذي أسس سلالة باسمه في دولتة (إيلام) حوالي العام 2670 ق.م.
وتحول أسم ( پيلي) بمرور الزمن إلى ( فيلي) من خلال تحول (الباء) إلى (فاء) على غرار تحول أسم (پارس) القديم الى ( فارس) الحالي.
ويؤكد عدد من الباحثين والأكاديميين بأن جذور كلمة (فيلي) تعود إلى زمن الميديين (884 – 550) ق.م. حيث أن الشعب الميدي كان يعرف تاريخيا ب( پهلة – پهلو) ثم صارهذا المصطلح يطلق فيما بعد على أرض الماديين أو الميديين.وظل المصطلح متداولا حتى في زمن الساسانيين (224-652) م ، إذ أخذت بعض الأسر النبيلة تحمل لقب ( پهلو) للدلالة على رفعة شآنها ومستواها.

وذهب البعض أبعد من ذلك حينما قارنوا مفردة ( پيلي) باشتقاقها السومري الذي يعني الشجاعة والبسالة.

ولكون الفيلية كوردا (پيلية) أي أبطالا وبواسل وهي إحدى الصفات العامة للكورد، فقد مارسوا البطولة بطريقتم الخاصة وذلك نتيجة لعوامل تاريخية و جيوسياسية. إذ ان مصادرة هويتهم القومية والوطنية لم تضعف ارتباطهم بالوطن. و بضع الكيلومترات المربعة من مناطق الكورد الفيلية في قلب العاصمة بغداد ، حيث قاوموا فاشية البعث عام 1963 ، لم تكن (عگد الاكراد) آخر قلاع الجمهورية المذبوحة بحراب الفاشية القومية ، ولم تكن صورة إضافية لبطولات ومآثر اليسار العراقي فحسب بل كانت كذلك احدى مفردات شخصية الكوردي الفيلي في البطولة والوفاء والتخندق في القضية وطنا وهوية مصادرة .

ومع ضعف اليسار العراقي وظهور المد القومي وتعاظم دور الحركة التحررية الكوردية ، ساهم الكورد الفيلية بقضية أمتهم العادلة من خلال المشاركة بالنضال الثوري عبر مفارز الانصار اضافة الى تميزهم بممارسة العمل السياسي بشكله السري في المدن العراقية لأن الكوردي الفيلي كان مأخوذا بالعمل السياسي. فالخلية الحزبية خندقه والحزب جبله الذي يقاوم من خلاله من يصادر هويته القومية والوطنية أو يحاول أن يضخم فيه هويات أخرى .

لذا كان الكورد الفيلية وبحكم ظروف القمع إضافة للموروث الديني وخاصة كونهم من إتباع مذهب آل البيت(ع) الذي تعرض وعبر تاريخه للقمع الأموي والدموي، أقرب إلى اليسار انطلاقا من كون الإمام علي عليه السلام زعيم وخليفة الفقراء والمستضعفين والشعوب الغير عربية التي دخلت الإسلام والتي عانت من النزعات القومية في فترات معينة من تاريخها المشترك مع الشعب العربي .

فكونهم من الكورد وهم اكبر ضحايا التاريخ والجغرافيا إضافة لكونهم من شيعة علي (ع)، جعل من الكورد الفيلية الاقرب الى الثورة والتمرد ومن ثم الانطلاق نحو بوابة الحرية .

ويمكن إعتبار القدرة على التكيف إحدى أهم السمات الخاصة بالكورد الفيليين وتجلت هذه القدرة بوضوح في المهجر. فرغم المعاناة الناتجة عن مشكلة مصادرة أوراقهم الثبوتية التي أثرت في موافقة الدول الاوربية على قبول طلبات لجوئهم، فإن الجيل الاول من الكورد الفيلية خلقوا ما يمكن وصفه بالمعجزات ، حيث تمكن هؤلاء من تولي مراكز اجتماعية واقتصادية وسياسية في دول المهجر التي تحتاج الى جيلين أو أكثر كي يتمكن الانسان من التكيف ومن ثم القدرة والنجاح .

إن شخصية الكوردي الفيلي وإن كانت ناتجة عن معاناة انسانية كبيرة فانها تمثل في الوقت ذاته أجمل القيم الانسانية في إنتمائه الى الوطن وإن لم يعش فيه .

فيروز حاتم
21/11/2005