كوردي فيلي يقول .. بالأمس كنت سجيناً واليوم سجاني في السجن ذليلاً


لكل عائلة كوردية فيلية قصة حزينة وأليمة عاشت سنينها بمرارة بسبب الجرائم البشعة التي ارتكبها نظام صدام المقبور بحقهم وألحقت بهم الأحزان والتي ما زالت ترافقهم إلى يومنا هذا وما أصابهم من ويلات لا يمكن محوها عن ذاكرة وتاريخ الكورد الفيليين ولا من تاريخ العراق المعاصر.
والشواهد على ما نقول كثيرة وكثيرة. علماً أن إحدى هذه الجرائم إلى الآن ما زالت غالبية عوائل الكورد الفيليين تعاني منها وتتألم بشدة من جرائها، وذلك بسبب فراقهم لأبنائهم الذين تم عزلهم عن عوائلهم عند التسفير، وأودعوهم السجون \دون جناية أو خطيئة.... ومن ثم سيق بهم إلى مصير مجهول وإلى الآن لم يعثر على وثائق أو معلومات نهائية عنهم تشير إلى المصير الذي انتهوا إليه سوى التكهنات وبعض المعلومات البسيطة عن بعض الذين كتبت لهم الحياة ممن كانوا معهم في السجون نفسها والتي تنتهي معظمها إلى نتيجة واحدة هي انهم قتلوا . ولكن كيف؟ .. ومتى؟. . وأين دفنوا؟
وهذا ما لم يتعرف عليه أحد. ولهذا نرى تقصيراً واضحاً من الحكومة ومن كل المسؤولين في هذا العهد الجديد بحق هذه الشريحة المظلومة والتي إلى الآن لم تسترد حقوقها المسلوبة. ولكن الأيام والأشهر وسنين العذاب والغربة علمت هذه الشريحة الصبر وألهمتهم القوة والإرادة لمواصلة الحياة مهما كانت قاسية بحقهم أملاً أن تلين وترضخ وتستجيب لإرادتهم لاحقاق الحق واسترداد حقوقهم المسلوبة. والأيام هي الكفيلة أن تكشف وتسقط ومن ثم تخزي كل من أراد إلحاق الأذى والضرر بالآخرين.
فمن منا كان يظن أن صدام العراق سيسقط وسيأتي يوم نراه فيه سجيناً خلف القضبان يغسل ملابسه بنفسه كما ظهر في أحدى الصور التي التقطت إليه ليرى العالم كم هو بائس وذليل في قبضة وارادة الشعب. فلم يخطر بذهنه ولا بذهن أحد منا أن يكون هذا هو حال ومصير بطل الأمة والقائد الضرورة. فإن إرادة الله عز وجل أرادت لهذا الطاغية ولهذا المجرم هذه النهاية وهذا الحال البائس وأرادت إلى آخرين كانوا في غياهب سجون الطاغية ينتظرون الموت في كل دقيقة أن يكونوا أحراراً تغمرهم الفرحة والسرور وهم يشاهدون الطاغية في قفص الإتهام أمام محكمة عراقية ليسدد ما في ذمته من حقوق لهذا الشعب. وشاءت الصدف أن نلتقي مع أحد الناجين من سجن وظلم الطاغية صدام من أبناء إحدى عوائل الكورد الفيليين والذي ظن الطاغية إنه تخلص منهم وإلى الأبد ولم يخطر في ذهنه أن الدهر يومان يوم له ويوم عليه... فأخذ يروي لنا ما جرى عليه بيد جلاوزة النظام المباد من ممارسات لا إنسانية حين كان سجيناً في يوم من الأيام الماضية في إحدى سجون صدام بعد أن تم عزله عن عائلته. فقد بدأ الحديث قائلاً: اسمي سمير مجيد حسين من شريحة الكورد الفيليين ألقي القبض عليّ منتصف عام 1980 في بداية عمليات التهجير القسرية وأودعت سجن الحارثية دون أن أرتكب أي جريمة أو ذنب وأغلقت الأبواب عليّ لا علم لي في حينها كيف جرت الأمور مع عائلتي وإلى أي مصير قادهم. بقيت في ذلك السجن لمدة شهر تقريباً وبعدها تم نقلي إلى الاستخبارات العسكرية وبقيت هناك فترة أربعة أشهر تعرضت خلالها إلى أنواع الأذى والإهانات ومن ثم نقلت إلى سجن رقم (1) وكان عدد المحتجزين من شباب الكورد الفيليين أكثر من (2000) شاب كنا نعاني من ظروف قاسية ومعاملة وحشية بعد ذلك تم نقلي مع الشباب الآخرين إلى سجن أبي غريب المركزي في قاطع رقم (8) ليصل عددنا أكثر من (5000) شاب كوردي فيلي محتجز.
ونتيجة للمعاملة القاسية والمهينة والسيئة أدى إلى انتشار أمراض سببت وفاة أحد الشباب بعد امتناع إدارة السجن عن إرساله إلى المستشفى لغرض المعالجة. ناهيك عن إنه ونتيجة لهذه الحالة المزرية والمهينة انتفض الشباب المحتجزون في عام 1980 وكانت هذه أول انتفاضة بوجه نظام الطاغية وأزلامه ولم يكن يتوقعها أبداً فكانت هي أول صفعة من شباب الكورد الفيليين. فأحبطت كل حسابات الطاغية حين ظن إنه يمسك البلاد بقبضة من حديد لا يجرؤ أحد أن يقف ضدها. وتمكن الشباب من السيطرة على الموقف في داخل السجن بعد أن فرّ الحراس. وبعدها جاءت مجموعة عسكرية من القوات الخاصة وداهمت السجن بأستخدام القنابل المسيلة للدموع مع أستخدام أسلحة خفيفة أدت إلى استشهاد عدد من شبابنا.
وبعد الإنتفاضة في عام 1982 تم نقل (30000) شاب محتجز إلى مكان مجهول . وتم نقلنا نحن إلى سجن نكرة السلمان سيئة الصيت في نهاية عام 1984 فكانت المحطة الأخيرة التي نزلنا إليها وعددنا كان يتراوح 4000 سجين تقريباً. وبين فترة وأخرى يتم نقل أعداد من المحتجزين إلى أماكن مجهولة وتخللت تلك التنقلات اطلاق سراح عدد من السجناء بقصد خداعنا بأن من تم نقلهم إنما هم أطلق سراحهم من السجن ليس إلا. وفي أحد الأيام تم اطلاق سراحي ضمن مجموعة كان عددها 200 شخص. وقبل ذلك إلتقى بنا المدعو المجرم علي حسن المجيد وأسمعنا من التهديد والوعيد والسب والشتم والكلام اللائق بشخصه الردئ. ومع هذا لم نسلم من متابعة أزلام صدام لنا خارج السجن. فقد فرض علينا التوقيع المستمر في إحدى مراكز الشرطة لمتابعة ورصد تحركاتنا وعلاقتنا مع الآخرين. فكنا نعاني من ظلم لا يحتمل دون سبب وخسرنا أموراً كثيرة لا يمكننا تعويضها.. فمنها إنه حرمنا من تكملة الدراسة والتحصيل العلمي وكذلك حرمنا من مزاولة الوظائف في دوائر الدولة والتي هي في كل الأحوال ستحسب لنا سنوات خدمة يمكننا الإستفادة منها في حالة التقاعد كضمان اجتماعي بسيط لأي إنسان وأمور أخرى كثيرة غيرها.
وأما اليوم فإني أحمد الله على ما كان وما جرى وأحمده أكثر لأنه منحني العمر لأرى الطاغوت الذي تسبب بقتل الملايين وبتدمير حياة الآلاف من عوائل الكورد الفيليين وهو الآن ذليل قابع في أحد السجون يتلهف لسماع كلمة فيها شفقة لحاله المزري. وهذه هي النتيجة الحتمية لكل طاغي مهما كانت سطوته وقوته وكثرة أتباعه.
وختم سجيننا حديثه قائلاً بالأمس كنت سجيناً واليوم أرى سجاني في السجن ذليلاً. وهذه هي عدالة الله سبحانه وتعالى لن يترك الظالم ليفلت بدون عقاب والحمد لله رب العالمين.

صادق المولائي
23/11/2005