عودة إلى "إيران فوبيا"!!
إن مرض "إيران فوبيا"، كما ذكرنا في مقال سابق، تهمة يطلقها البعض على كل من يكتب عن تدخل النظام الإيراني. هذا البعض يخلط،، عن حسن نية وتسرع أو عن عمد، بين الولاء للمذهب الشيعي
وشيعة العراق وبين الولاء لإيران"، كما أنه يفسر نقد النظام الثيوقراطي لتدخله السافر في العراق بكونه تحاملا على الأمة الفارسية وحضاراتها العريقة التي نقدرها عاليا.
إذا كان أداء الواجب الوطني في فضح الدورين الإيراني والسوري السافرين في الشأن العراقي هو إيران أو سوريا فوبيا، فنحن والحمد لله مصابون بهذا الالتزام الوطني.
نعود للموضوع بمناسبة زيارة السيد رئيس الجمهورية لإيران، ووعدها بتقديم مليار دولار كقرض للعراق، وكذلك بمناسبة التصريحات المتكررة مؤخرا للسيد المستشار الأمني الدكتور موفق الربيعي
في نفي قاطع لأي تدخل إيراني، برغم أن السيد وزير الخارجية العراقية قد تحدث أكثر من مرة في هذه الأيام نفسها عن التدخل السوري ـ الإيراني. فيا ليت شعري أيهمها يقول الحقيقة!!
هنا أود توضيح نقاط سبق أن أوضحها الدكتور كاظم حبيب، وهو بالمناسبة من عائلة شيعية معروفة، ردا على من اتهموه بمعاداة الشيعة، [كما اتهموني وعشرات غيري]، لكونه انتقد مرارا على
صفحات إيلاف والمواقع العراقية الدور الإيراني في البصرة والجنوب، وما يجري هناك بإشراف المخابرات الإيرانية، من عمليات قتل وخطف على أيدي المليشيات الشيعية، ومطاردة المسيحيين
والصابئة المندائيين، والعدوان على دور الموسيقى والفيديو ومحلات بيع الخمور والحلاقين والجامعة. يردّ الدكتور الفاضل على التهمة في مقالته بتاريخ 20 أكتوبر الماضي ما يلي:
" المقالة لم تتحدث عن هوى أو رغبة في رسم صورة قاتمة عن البصرة والجنوب، بل تطرقت إلى الوقائع على الأرض، وعلى من يريد الوصول إلى الحقائق، فليتفضل ويزور البصرة والمنطقة
الجنوبية من العراق." وطالب الكاتب، كما طالب غيره، بتشكيل لجنة دولية أو لجنة من جميع الأحزاب العراقية، لزيارة البصرة وما يجري فيها من انتهاكات فظة وجماعية. كان ذلك قبل فضيحة تنظيم
"ثأر الله"، والكشف الرسمي في البصرة لعلاقته المباشرة بالأجهزة الإيرانية، وما اقترفه أعضاؤه من سلسلة عمليات خطف واغتيال. كذلك قبل فضح دور ضباط المخابرات الإيرانية في السجون السرية
للسيد وزير الداخلية. وإذا كانت فئات واسعة من شيعة العراق صارت ترحب اليوم، بنظام إسلامي كرد فعل لاضطهاد النظام الفاشي للشيعة، وكنتيجة للخراب الثقافي الذي ألحقه النظام السابق بالمجتمع
العراقي، فهناك أيضا فئات سياسية وثقافية شيعية عراقية تطالب بقيام دولة مدنية وعلمانية. فشيعة العراق ليسوا سواسية في الميول السياسية والاجتماعية والثقافية، شانهم في ذلك شأن السنة والتركمان
والكلدو ـ آشوريين.
إن أمامي، كما ذكرت في مقال سابق، عشرات التقارير والمقالات المنشورة منذ ما بعد 9 نيسان عن سوء أداء وتطرف التنظيمات والمليشيات الشيعية وعن الدور الإيراني التخريبي في العراق، كما هو
حال الدور السوري. إن هذه المقالات والتقارير هي لكتاب وصحفيين عراقيين، منهم كثيرون من الشيعة، وكذلك عدد من الصحفيين الإيرانيين مثل أمير طاهري وعلي نوري زادة. وقد نشر الأخير
تقريرا في 10 آب 2004، أورد فيه معلومات حول تصريح داخلي لقائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، العميد قاسم سليماني، عندما اضطر للإقرار في ندوة مغلقة بأن طهران تقدم تسهيلات
للمجرم الزرقاوي. وقد برر ذلك، نقلا عن مصدر حضر الندوة، بأن نشاطات الزرقاوي " تخدم المصالح العليا للجمهورية الإسلامية"، وبين هذه المصالح العليا "منع قيام نظام علماني متعاون مع
الولايات المتحدة." ونقل المصدر، الذي لم تكذبه المصادر الإيرانية في حينه، أن سليماني ذكر بأن الزرقاوي وعشرين من قيادة تنظيمه لا يحتاجون إلى رخصة مسبقة لدخول إيران. أكرر أن المصادر
الإيرانية لم تكذب في حينه هذه المعلومات رغم تكرار نفيها العمومي والمطلق لأي شكل من أشكال التدخل، كما نفاه مؤخرا الدكتور الربيعي أكثر من مرتين بعد زيارتين لإيران.
لا يمكن هنا إيراد كل تلك الأسماء، ولكن أذكر ببعضها:
إياد جمال الدين، حمزة الجواهري، رشيد الخيون، مالوم أبو رغيف، عبد الخالق حسين، كاظم حبيب، رياض الأمير، عادل حبة، أحمد النعمان، عادل حسين، إبراهيم محمد صالح العمر، مراد مصطفى،
أحمد عبد العال الصكبان، جميل صالح، داود البصري، عزيز الحاج، شعلان شريف، محمد محبوب وغيرهم، ممن يجب أن يعذرونا لغياب أسمائهم عن نسيان؛ وأضيف أنني أوردت الأسماء دون
تسلسل معين.
السؤال: هو عما إذا كان جميع هؤلاء أعداء للحضارات الفارسية ومصابين بإيران فوبيا، أم هم يقومون بنشر الحقائق والوقائع الرهيبة التي لا تشرف المسئولين عنها، ولا يمكن أن تكون هي السبيل
لمكافحة الإرهاب كما يدعون. فالإرهاب لا يكافح بممارسات مماثلة من الخطف والاغتيال، كما أن التغيير الديمقراطي الحقيقي لا يتم بالتطرف المذهبي لهذه الطائفة أو الثانية، أو بالوفاق المفتعل بين
الرموز الطائفية،[ كلقاء السيدين الضاري والجعفري!] بل بالإخلاص العملي لتحقيق الأهداف الديمقراطية الوطنية ورفض جميع أنواع العنف والمقاومة المسلحة، التي ليست هي بتلك المعارضة الوطنية
السلمية التي تدور حول محاور خلاف بين وطنيين يريدون حقا وجميعا الانتقال بالعراق إلى دولة المواطنة وحقوق الإنسان والسيادة الوطنية الكاملة.
ونشير أيضا لمقالات كتاب عرب حريصين على مصالح شعبنا، ناهيكم عن عشرات من تقارير الصحفيين الغربيين المكتوبة من بغداد والبصرة، والذين راح أحدهم، فنسن، ضحية خطف واغتيال دنيئين
بعد يوم واحد فقط من نشر ريبورتاجه عن دور التنظيمات الشيعية وفريق من شرطة البصرة في عمليات الخطف والقتل، ودور الأجهزة الإيرانية في ذلك.
إن الحريص حقا على سمعة الشيعة ومكانتهم وتراثهم، عليه عدم الخلط بين الطائفة والمذهب وبين نقد أي حزب سياسي شيعي أو سني، فضلا عن عواقب محاولة وضع شيعة العراق والنظام الإيراني في
كيس واحد!
أما عن القرض الإيراني فالحديث عنه يجر لا محالة إلى مشكلة إصرار إيران والمجلس الأعلى على وجوب دفع العراق لجارته الشرقية تعويضات قدرها 100 [ مائة ] مليار دولار فقط!! ومن المفيد
بهذه المناسبة أن نعود لمسؤولية حرب السنوات الثماني. إن نظام صدام هو الذي أشعل الحرب وصورها كرد على مذهب "تصدير الثورة الإسلامية: الذي أعلنه النظام الإيراني مرارا. أما مسؤولية
استمرار الحرب بعد العامين الأولين فتقع بدرجة أكبر على النظام الإيراني لكونه رفض دعوات السلم والتفاوض الدولية والإقليمية والإسلامية برغم تحرير الأراضي الإيرانية من القوات الغازية. إن
المذابح الجماعية للحرب كانت متبادلة، وكذلك قصف المدن بالصواريخ، والشعبان هما اللذان دفعا الثمن غاليا لسياسات الحكام. إن الشعب العراقي ليس مسؤولا عن إشعال الحرب بل كان مغلوبا على
أمره. لم تكن الحالة كحالة الغزوات النازية التي كانت الجماهير الألمانية متحمسة لها عن قناعة وحماس.
إذا تركنا الحرب وتعويضاتها، فهناك وقائع تهريب النفط العراقي سرا لإيران طوال التسعينات ولحين سقوط صدام، وبتواطؤ النظامين. وردا على تصريحات السيد عبد العزيز الحكيم عن التعويضات
لإيران، يردّ الأستاذ حمزة الجواهري في مقاله بتاريخ 19 ديسمبر 2003 بحقائق ما كسبته إيران من تهريب نفطنا، ويقدر الأرباح الإيرانية على أساس حسابات دقيقة بحدود 45 مليار دولار خلال
عشر سنوات. وللعلم فإن تهريب النفط العراقي لإيران تواصل بعد 9 نيسان بعلم المسؤولين في البصرة وعلى أيدي التنظيمات الدينية السياسية هناك. وإليكم ما ورد في تقرير ميداني نشرته الشرق
الأوسط بتاريخ 27 مارس 2005. يكفي عنوان المقال لكونه يدل على المضمون: " تهريب النفط في البصرة يجري في وضح النهار. أحزاب ومليشيات ضالعة فيه والرسميون المعنيون ساكتون خوفا."
بعد هذا فلا نعتقد أن خبر القرض خبر استثنائي، لاسيما وقد جاء بعد مؤتمر القاهرة التي شاركت فيها الحكومة الإيرانية والذي كان أفضل قراراته [ نقطة ضوء: إن نتائج المؤتمر إجمالا سلبية جدا كما
بين الدكتور عبد الخالق حسين في مقاله قبل أيام]، المطالبة بحذف أو تخفيض التعويضات المطلوبة من العراق.
الخلاصة، وكما نرى، إن الواجب الوطني ومصالح الشعبين العراقي والإيراني وقيام العلاقات المتينة بين البلدين تتطلب إدانة التدخل في شؤون العراق، ووضع النقاط على الحروف بصراحة وبلا انفعال
وحماس عاطفي.
أخيرا أرى أن المطلوب من ساستنا الأكثر بصيرة والأغزر تجربة، والمعروف حرصهم على بلوغ المستقبل الديمقراطي الفيدرالي للعراق، أن لا ينسوا أن المرونة السياسية، وسياسة الاعتدال،
والدبلوماسية الواقعية، وهي نهج مطلوب جدا، لا ينبغي أن تقع في مطب مجاملات وتصريحات ارتجالية، تكون من باب التزكية السياسية للمسيئين لمصالح العراق، من قوى وأطراف إقليمية ومحلية.
هذا المطب تستغله تلك القوى تغلونه للمضي في الإضرار بالشعب العراقي والعراق. وربما في بعض الحالات المحرجة قد يكون صمت المسئول أهون من إعطاء تصريحات غير مدروسة!
هذه وجهة نظر نعيد التأكيد عليها، رغم توقعنا لاندفاع البعض هذه المرة أيضا لكتابة التعليقات الهائجة، وإطلاق الاتهامات الممجوجة، مما يدل على العجز الفكري والسياسي، والنظرة "العمياوية"
للواقع.
عزيز الحاج
27 نوفمبر 2005