مهاجرون .. ومهجرون
العراقيون مثل اسراب الطيور ،حقائبهم معدة للهجرة في كل الازمان ،مطاردون ، تلاحقهم الشرطة السرية والمافيات في وطنهم وفي بلاد الله الواسعة ، معرضون
للاغتيال في اية لحظة ،فهم مشروع استشهاد دائم .
المهاجرون قسرا يزدادون يوما بعد يوم ، وتتعدد هوياتهم ، علماء واساتذة جامعات واطباء وصيادلة وسياسيون ومعارضون وضباط وصحفيون ومهندسون ورجال
اعمال وعلماء دين وكسبة .
المهاجرون قسرا لاتستوعبهم وزارة بحجم روضة اطفال ، واحلام وزيرة تحاول ان تثبت للعالم بأن الانثى قادرة على ان تجعل من الكرسي الوزاري قلبا يستوعب
الجميع ، الا ان الارهاب يحول هذه الاحلام الى كوابيس تقض مخيلتها وتحد من طموحها .
تعددت جهات التهجير في العراق ، كل طرف يرى بعين واحدة ويحدد بجرة قلم خصمه في قائمة التصفيات والاغتيالات . المشروع واحد ، والجهات متعددة .. اما ان
تغادرعشك (العراق) الذي ترعرعت في حناياه ، اوأن يسال دمك ويضيع بين القبائل وتسجل القضية ضد مجهول ، والفاعل ضمير مستتر تقديره (who) .
اليافطات السود تملأ جدران الوطن الجريح ، ضحايا السيارات المفخخة والاحزمة الناسفة وقذائف الهاون المجهولة الهوية والمصدر والرصاص الطائش والاغتيالات
على الهوية والفكر والانتماء وحب العراق .
وعندما تفكر وزارة الهجرة والمهجرين في اعداد قوائم الذين ينوون العودة الى بلدهم من المهجر ، تعد ملفات (اسراب) الذين يعدون حقائبهم للهجرة الى خارج الوطن ،
يهاجرون ويتركون قلوبهم في العراق مع اطفالهم وزوجاتهم وابائهم وامهاتهم واصدقائهم وكل مكان وحارة وزقاق يحمل ذكرى حتى لو كانت مؤلمة ، المهم انها تحمل
جرح العراق وحزن العراق .
الايادي الملطخة بالدماء توزع اقدارنا على خارطة الوطن ، لاتعرف متى يحين قطف عنقك او عنق غيرك ، ومن ينعيك ومن يتلذذ بالدم المسال على ثرى العراق
ويسير في جنازتك ليواسيك على موتتك البشعة .
يودع العراقيون اطفالهم واهاليهم وداع اللحظة الاخيرة ، قد يعودون او لايعودون ، قد يكون هذا في اول الطابور ، وذاك في اخره ، المهم أن موتهم مؤجل تقرره
المافيات التي تحدد جغرافية الموت في هذا البلد الذي اصبح فيه الانسان يساوي ثمن خرطوشة اطلاقة اومدية صدئة .
جمال المظفر
jamalalmudafer@yahoo.com
المصدر: صوت العراق، 2/3/2006