رد على حازم جواد 2

حازم جواد في مراجعة متأخرة للتاريخ (2ـ 2)

د. علاء الدين الظاهر

ما حدث في 8 شباط كان انتصارا لقيم البداوة علي قيم الحضارة.. ولا أمل للعراق بالحياة إلا باقتلاعها
ليس صدفة أن يتحول حزب البعث الي حكم عشائري.. وليست صدفة أن تقع الهزائم العسكرية والاحتلال

الباحث المنصف يجد أن كل ما قام به عبد الكريم قاسم هو رد فعل تجاه هذه الأحداث الدموية المتعاقبة والتي كانت الساحة السياسية تفرضها عليه فرضا ومن دون سابق إنذار. وحتي حركة الشواف فوجئ بها ولم يكن مستعدا لها فعلي سبيل المثال عين ثلاثة ضباط في يوم واحد ليحلوا محل الشواف كان أحدهم من المشتركين مع الشواف. والثاني وجدوه مصادفة لكونه اقدم الضباط في مدينة الموصل.
الفعل عندما تربك الثورة وهي تواجه ألف مشكلة وتطالبها بدخول الوحدة الفورية مع مصر وسورية. الفعل عندما يبدأ ضباط صغار من الموصل بالتآمر علي الثورة ( آب ـ اغسطس 1958). الفعل عندما يبدأ بعض الضباط القادة بالارتباط بهم. الفعل عندما يرتبط عبد الناصر بهذه المؤامرة وغيرها من المؤامرات. الفعل عندما يحاول عبد السلام عارف قلب نظام الحكم (أيلول ـ سبتمبر 1958). الفعل عندما يحاول احمد حسن البكر قلب نظام الحكم (تشرين الاول ـ اكتوبر 1958). الفعل عندما يحاول عبد السلام عارف اغتيال عبد الكريم قاسم (تشرين الاول ـ اكتوبر 1958). الفعل عندما يحاول صالح مهدي عماش اغتيال عبد الكريم قاسم (تشرين الثاني ـ نوفمبر 1958). الفعل عندما يحاول رشيد عالي الكيلاني قلب نظام الحكم (كانون الاول ـ ديسمبر 1958). الفعل عندما يحاول عبد الوهاب الشواف قلب نظام الحكم (آذار ـ مارس 1959). الفعل عندما يضغط الشيوعيون لدخول الحكومة رغم إن الأوضاع لا تسمح بذلك (أيار ـ مايو 1959). الفعل عندما يحاول الشيوعيون قلب نظام الحكم (حزيران ـ يونيو 1959). الفعل عندما يرتكب الشيوعيون الاكراد مجزرة كركوك (تموز ـ يوليو 1959). الفعل عندما يقوم حزب البعث بمحاولة دموية لاغتيال عبد الكريم قاسم (تشرين الاول ـ اكتوبر 1959). الفعل عندما يحاول زعيم حزب كردي فرض زعامته علي كل الأكراد وعندما يربط حركته بالشاه بهلوي وبالمخابرات المركزية الامريكية ويفتح الباب علي مصراعيه للدعم الإسرائيلي. هذا هو الفعل!
لنناقش ونحاسب الفعل وقبل أن نناقش ونحاسب ردود الفعل وهي ردود فعل ما من شخص منصف إلا ويعترف بأنها من أخف ردود الأفعال وطأةً. فأي حاكم تقعده رصاصات الاغتيال طريح الفراش لشهرين ولا يعتقل ويحل الحزب القائم بها وهو حزب خصم؟ بل يحاسب فقط المشاركين فيها ويعفو عنهم بعد عام ونصف!! وأي زعيم يترك حزبا ارتكب مجازر كمجازر كركوك ويحاسب القائمين بها فقط؟ وكلا الحزبين يتبجحان بأن قاسم ضربهما لأنهما كانا مصدر تهديد لحكمه!! وكلا الحزبين يعطيانه العذر الوجيه لتدميرهما وهو لا يفعل ذلك! فأيهما اصدق ادعاءات الشيوعيين والبعثيين أم (لا فعل) قاسم؟ ومن لا يصدقنا فليقارن بما فعل عبد الناصر بالإخوان المسلمين بعد أن خدشت يده رصاصة من أحدهم!

مسؤولية عبد الناصر

ولا اعرف كيف يدعي حازم جواد اشتراك ناظم الطبقجلي فعليا بمحاولة الشواف الانقلابية. انزعج ناظم الطبقجلي من اعلان عبد الوهاب الشواف في البيان الاول للمحاولة الانقلابية بأنه (قائد الثورة) بينما كان الطبقجلي يتوقع ان يعلن البيان الاول بأنه هو (قائد الثورة). لذلك ارسل ناظم الطبقجلي برقية تأييد الي عبد الكريم قاسم ثم دخل المستشفي مدعيا المرض. ومرت عدة اسابيع قبل ان ينكشف تورطه وتورط رفعت الحاج سري بالاعداد للمحاولة الانقلابية. والاغرب عندما ينقل حازم جواد عن زكي خيري بأنه هو الذي اعطي اوامره لقائد القوة الجوية جلال الاوقاتي كي يقصف مقر الشواف رغم انه اصبح من الواضح بأن عبد الكريم قاسم نفسه هو الذي اتخذ الاجراءات المضادة لحركة الشواف الانقلابية وأن جلال الاوقاتي استلم كغيره تعليماته من القائد العام للقوات المسلحة. ان من السخافة تماما ان يصدق احد ان افضل قائد للقوة الجوية العراقية يستلم اوامره من حزبي مدني لا يفقه في الامور العسكرية شيئا مثل زكي خيري ويقوم علي اثرها بقصف مقر الشواف في الموصل. هل كان عبد الكريم قاسم سيعدم ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري لو كان الحزب الشيوعي يتظاهر من اجل العفو عنهما؟ ألا يتحمل الحزب الشيوعي جزءا من مسؤولية إعدامهما عندما كان يطالب يوميا بإعدامهما؟ ألا يتحمل البعثيون والقوميون جزءا من مسؤولية اعدامهما بسبب توتيرهما للشارع السياسي واستفزاز عبد الكريم قاسم المستمر وتحديه؟ الا يتحمل نجيب الربيعي جزءا من المسؤولية عندما لم يهدد بالاستقالة في حالة تنفيذ أحكام الإعدام؟ ألا يتحمل رفعت الحاج سري جزءا من المسؤولية عندما رفض عرض قاسم بالهرب وتعيينه ملحقا عسكريا في واشنطن وفضّل اقتياده الي السجن؟ ألا يتحمل ناظم الطبقجلي نفسه جزءا من المسؤولية عندما رفض طلب قاسم منه بأن يعترف في المحكمة بدور الجمهورية العربية المتحدة وتخرج من هنا الي بيتك ونعود اصدقاء غافرا لك كل ما حدث . ألا يتحمل الضباط المشاركون في المحاولة الانقلابية جزءا من مسؤولية إعدامهما عندما أنكروا (بعد ان اضعف قاسم الشيوعيين) اعترافاتهم وشهاداتهم التي قدموها في المحكمة او الي لجان التحقيق؟ ألا يتحمل هؤلاء الضباط المسؤولية الكبري في تخطيط وتنفيذ محاولة انقلابية دموية؟ ألم يدخل الإعدام في حساباتهم في حالة الفشل وفي تلك الظروف؟ يذكر اكرم الحوراني في مذكراته التي نشرتها (القدس العربي) بأنه عندما كان نائبا لرئيس الجمهورية العربية المتحدة لامَ عبد الحميد السراج بحضور عبد الناصر لقيامه بنشر صور رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي في الصحف اللبنانية علي اساس كونهم من قادة محاولة الشواف الانقلابية رغم ان التحقيقات العراقية لم تكتشف تورطهم في المحاولة بعد. كان جواب السراج بأنه قام بهذا كي يعاقبهم لعدم ادائهم الادوار المناطة بهم في الانقلاب. ويقول الحوارني بأن عبد الناصر بقي صامتا ولم يعلق. وبعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 زار وفد من الضباط القوميين عبد الناصر وعاتبوه علي الحملات الاعلامية المصرية التي ادت الي اعدام الحاج سري والطبقجلي فكان جواب عبد الناصر انه كان لا بد ان تسفك الدماء كي يزول حكم عبد الكريم قاسم. ألا يتحمل عبد الناصر جزءا من مسؤولية إعدامهما عندما كان هو وإعلامه يستفز عبد الكريم قاسم ويتهمه بالجبن وعدم الجرأة علي تنفيذ احكام الإعدام؟ ان عبد الكريم قاسم في مأزق لا يحسد عليه. فلو عفا عن ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري فهل كانا سيتوقفان عن التآمر ضده؟ لنجب عن هذا السؤال بسؤال آخر ونسأل: هل توقف عن التآمر ضد قاسم مَنْ عفا عنه قاسم مثل عبد السلام عارف واحمد حسن بكر التكريتي وعبد الكريم فرحان وعارف عبد الرزاق وصالح مهدي عماش ورشيد مصلح التكريتي وحردان التكريتي وعبد الغني الراوي وطاهر يحيي التكريتي واسماء اخري وحزب البعث؟ ما هي نفسية هذا الطيار او الضابط الذي يعفو عنه عبد الكريم قاسم بعد اشتراكه في مؤامرة ضده ليخرج من السجن ويحيك مؤامرة جديدة؟ وهذا البعثي الذي يحاول قتل قاسم ويصيبه بالجراح ويعود بعد عام ونصف الي أهله معفيا عنه ويشترك في محاولة اغتيال جديدة، ما هي نفسيته؟ وهذا الحزب البعثي يعبر عن شكره للعفو الذي اصدره قاسم بمناسبة عيد سلامته عن أبطال عملية الاغتيال بإخراج مظاهرة تهتف ضد عبد الكريم قاسم إحنا إلـ كسرنا إيده وإحنا احتفلنا بعيده تشمتا بيد قاسم التي كسرت اثناء عملية الاغتيال واصابها الشلل الجزئي. وذات الحزب البعثي يعبر عن شكره مرة اخري بإطلاق رصاص الاغتيال علي عبد الكريم قاسم في 9 شباط (فبراير) 1963. ثلاثة وأربعون عاما مضت ونحن نناقش بعض الشتائم التي قذفها المهداوي ضد بعض المتهمين ـ شتائم رأيناها تذاع علي الهواء علي شاشة التلفزيون ونشرت في مجلدات محاضر المحكمة في عهد قاسم نفسه. لكننا لا نسأل اي قيم أخلاقية ومبادئ آمن بها هؤلاء القتلة؟ ولماذا هذا الإصرار علي التآمر؟ قطعا انها ليست الوحدة والحرية او الاشتراكية ولا الاشتراكية والحرية والوحدة لأنهم لم يطبقوها لا في العراق ولا غيرها من بلدان العالم. لا نسيء إليهم (بل ربما نزكي مديحا لهم) إذا ما قلنا انهم يحملون قيم البداوة والبربرية والهمجية. ولا نغالي إذا ما قلنا ان ما حدث في 8 شباط (فبراير) كان انتصارا لقيم البداوة علي قيم الحضارة. بل ان هذه القيم بعد كل هذا الزمن والعنف تجذرت في الفكر السياسي العراقي ولا أمل للعراق دون ان نقتلعها من هذا الفكر.
يتباكي حازم جواد علي اعفاء عبد السلام عارف من مناصبه العسكرية اولا ثم الوزارية لاحقا. هذا ما نقله الدبلوماسي البريطاني سامويل فول الي حكومته عن الوزير القومي صديق شنشل بعد اقالة عارف من الحكومة. يقول شنشل عن عبد السلام عارف: كان كارثة في السلطة اذ كانت عقليته ونظرته كجندي يقود مفرزة صغيرة وانه لا يمتلك الادراك السياسي او كيفية التصرف سواء مع الاجانب او مع زملائه. ونظرا لقدرته المحدودة وتسرعه وتصريحاته العامة غير المقبولة، فقد اصيب الجهاز الحكومي بشبه عجز. ولا يمكن ادارة البلاد عن طريق شخص مثل عارف والاسوأ من ذلك ان زملاء عارف في الحكومة وبضمنهم رئيس الوزراء لا يعلمون مطلقا ما كان يدور في ذهنه او ما سيقوم به، اذ ان هناك العديد من التصرفات التي قام بها جاءت بدون موافقة رئيس الوزراء او مجلس الوزراء وكان من المؤمل ان اعفاءه من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة سوف يقص اجنحته .
ومن الغريب تماما ان يتم تصوير علاقة الضباط القوميين مع عبد السلام عارف بأنها علاقة زبدةٍ وعسل. في الواقع كان هناك كره بينه وبين عبد الوهاب الشواف لأنه حذف اسمه من منصب الحاكم العسكري وعينه آمرا للواء الخامس في الموصل وهو نفس المنصب الذي كان الشواف سيعين فيه عبد السلام عارف لو نجحت محاولة الشواف الانقلابية في ايار (مايو) 1958 ضد الحكم الملكي. اما رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي وبقية الضباط القوميين فكانوا لا يطيقون حصول عبد السلام عارف علي اعلي المناصب في الدولة وحرمانهم منها. وكل هؤلاء كانوا اسعد الناس عند ابعاد عبد السلام عارف عن السلطة.
اما ما يقوله حازم جواد عن البرقية المزورة التي بعثتها السفارة المصرية في بغداد وتنقل عن عبد السلام عارف بعد ايام من ثورة تموز 14 تموز استعداده للموت من اجل الوحدة فهي برقية فكت شفرتها دائرة الاستخبارات العسكرية التي كانت تحت اشراف رفعت الحاج سري. ويتغاضي حازم جواد عما قاله عبد السلام عارف لعبد الناصر عند لقائه به في دمشق بأنه سيقتل عبد الكريم قاسم برصاصة لا يزيد ثمنها عن عشرين فلسا اذا وقف عبد الكريم قاسم في طريق الوحدة الفورية وهذا ما نقله اعضاء الوفد المرافق له الي عبد الكريم قاسم. ولا يذكر التقاط الاستخبارات العسكرية التي كانت لا تزال تحت اشراف رفعت الحاج سري للمحادثة التلفونية بين عبد السلام عارف ومن تصوره خطأ عبد السلام عارف انه صبحي عبد الحميد وكان في الواقع صبيح علي غالب حيث يخبره عبد السلام عارف بقرب قيامه بالانقلاب في 14 ايلول 1958. ما كان اعفاء عبد السلام عارف من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة ليتم لولا انكشاف محاولته الانقلابية في 14 ايلول (سبتمبر) 1958.
ومن الغريب ايضا ان يدعي حازم جواد بأن عبد الكريم قاسم استغل عبد السلام عارف للوصول الي السلطة بينما اصبح حتي بعض الضباط القوميين مثل جاسم كاظم العزاوي يقرّون بأن العكس هو الصحيح وان عبد السلام عارف اصبح ظلا لعبد الكريم قاسم ولولا هذا لما كان من الممكن له ان يقفز علي ضباط اعلي وأكفأ منه في تنظيم الضباط الاحرار. بل ان خليل ابراهيم حسين وهو من اخلص الضباط لعبد السلام عارف يقر بأن عبد الكريم قاسم تفاجأ بتآمر عبد السلام عارف عليه. وحتي عفو عبد الكريم قاسم المستمر عن المتآمرين عليه لا يشكره عليه حازم جواد بل ينظر إليه كدليل ضعف. حاول مدحت الحاج سري اغتيال عبد الكريم قاسم بعد اعدام شقيقه رفعت وعند انكشاف امره هرب الي سورية. لم يأخذ الامر اكثر من زيارة لشقيقه الاكبر الي عبد الكريم قاسم كي يعفو عنه ويسمح له بالعودة الي العراق. اما رفاق مدحت الحاج سري البعثيين في النضال ضد عبد الكريم قاسم فجلبوه بعد ان تعرض لتعذيب بشع كي يعطي علي شاشة التلفزيون في عام 1969 اعترافا كاذبا بالتجسس لامريكا ويتم اعدامه بعدها بهذه التهمة. ولم يكن المرحوم رشيد مصلح بأفضل حالا منه رغم شراكته ومساهمته في انقلاب 8 شباط (فبراير). وحتي عفو عبد الكريم قاسم عن المشاركين في محاولة اغتياله فيفسره حازم جواد تفسيرا مقلوبا بل ينتقد عبد الكريم قاسم علي تدخله في القضاء من دون ان يذكر ان طبيعة هذا التدخل كانت من اجل العفو عن المتآمرين عليه وكانت من ضمن صلاحياته القانونية.

حزب القفزات

يستغرب حازم جواد كيفية صعود صالح مهدي عماش الي قمة حزب البعث. قبل انقلاب 1968 توقف صالح مهدي عماش عند اصحاب احد المحلات البسطاء وعرّف نفسه بالفريق الركن المتقاعد ووزير الدفاع السابق وشكا من ان راتبه التقاعدي لا يكفي وانه يقوم آنذاك بتزويد المحلات بالدجاج المجمد لتحسين احواله المعاشية. استلم عماش من صاحب المحل مبلغ خمسين ديناراً مع وعد بتزويده بالدجاج المجمد قريبا. بعدها بفترة قصيرة حدث انقلاب 1968 واصبح صالح مهدي عماش وزيرا للداخلية ولم يعد المبلغ الي صاحبه او يزوده بالدجاج. وبقي صاحب المحل يشكو من سرقة ماله ويلقي بالشتائم علي ضباط الجيش. وكنت انا واخي وأحد الاخوة الناشطين حاليا في العمل السياسي في العراق وأحد ابناء صاحب المحل شهود عيان علي هذه الحادثة. وقد رويتها في حينها لوالدي فكان تعليقه ان من الخزي وجود ضابط في الجيش العراقي مثل عماش. ولم يكن قد مضي شهور علي ذلك الانقلاب حتي بني عماش بيتا فارها في منطقة الصليخ لم يكن حتي راتبه كوزير يكفي لبنائه وكانت الشائعات تردد انه بناه من مخصصات الوزارة السرية. اما انجب ضباط البعث واكثرهم خُلقا فكان حردان التكريتي لكنه قبض القومسيونات عن صفقات الاسلحة والعتاد واصبح وفقا لأحد المقربين منه ومن عائلته مليونيرا من وراء هذه الصفقات وبعض شهود هذه الصفقات لا يزالون أحياء ويقيمون في بريطانيا. كل هذا تم بإسم الوحدة العربية. اما علي صالح السعدي قائد حزب البعث فقد سرق وفقا لرفيقه الحزبي خالد علي صالح، التبرعات الحزبية وانفقها علي موائد القمار. لا داعي لحازم جواد ان يستغرب من انتمي الي وارتقي في صفوف حزب البعث. ليسأل نفسه اولا ما هي مؤهلاته كي يتحكم بمصير العراق عدا كون تعليمه لا يزيد علي سنتين في دار المعلمين وفي عمر السابعة والعشرين وخبرته الحياتية لا تزيد علي اثارة الشغب. يذكر طالب مشتاق في مذكراته انه زار حازم جواد عندما كان وزيرا للداخلية ليطلب منه الافراج عن ابنه المعتقل فوجد حازم جواد مشغولا بحديث تليفوني تافه بينه وبين رئيس الجمهورية عبد السلام عارف عما شرب واكل ومع من سهر في الامسية الماضية.
حزب البعث كان الوحيد الذي يجذب مقدما ركنا مثل صالح مهدي عماش والذي لم يقد حتي سرية عسكرية ليجعل منه فريقا ركنا ووزيرا للدفاع. حزب البعث هو الحزب الوحيد الذي يجعل وزيرا للخارجية من طالب مطرود من الكلية الطبية بعد سنتين من الدراسة ولا خبرة له سوي الاغتيالات والتعذيب. حزب البعث هو الحزب الوحيد الذي ينقل عامل بدالة يحمل الدرج علي ظهره ويجعل منه وزيرا للصناعة. حزب البعث هو الحزب الوحيد الذي يجعل من بائع ثلج وزيرا للزراعة ونائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة وفريقا اول ركنا. حزب البعث هو الحزب الوحيد الذي يجعل من نائب العريف فريقا اول ركنا ووزيرا للدفاع! حزب البعث هو الحزب الوحيد الذي يجعل من دموي لا يعرف غير التعذيب مديرا للامن العام برتبة لواء. حزب البعث هو الحزب الوحيد الذي يجعل من موظف صحي لا يزيد تعليمه علي الدراسة الابتدائية سفيرا. حزب البعث هو الحزب الوحيد الذي يمكن ضابطا اميا من الوصول الي رئاسة الجمهورية. هؤلاء الضباط والافراد وجدوا في حزب البعث ضالتهم فمن كان من ضباط الجيش العراقي ليقبل بالضابط الفاشل وشبه الأمي رئيسا لتنظيمه ويسلمه السلطة؟ وما ينطبق علي العراق ينطبق علي سورية فكيف يصبح رائد طيار لا يصلح لأن يقود سربا من الطائرات رئيسا للجمهورية ويورث الحكم لابنه لولا حزب البعث؟ هذه بالضبط هي النماذج التي انتمت الي حزب البعث ووجدت فيه ملاذها والتي قفزت فوق غيرها ثلاثمئة عتبة.
ليست صدفة ان ينتهي حكم البعث في سورية والعراق الي حكم عائلي عشائري ينهب البلد ويسلب ثرواته. وليست صدفة ان يقمع الاكراد في البلدين! وليست صدفة ان تقع الهزائم العسكرية والاحتلال علي هذين البلدين. هذه نتيجة حتمية لنظام حكم وفكر ارهابي وحزب دموي صعد الي اعلي درجات سُلّمه اسوأ الناس.

نضالات بعثية أم هروب وهروب وهروب

من اطرف ما يذكره حازم جواد وقبله طالب شبيب هو نجاحهما في حشد المظاهرات اثناء زيارة احمد بن بيلا الي العراق. في الواقع لا اعتقد ان عبد الكريم قاسم رحب بأي زائر اكثر من ترحيبه بأحمد بن بيلا والوفد الجزائري اثناء نضال الجزائريين من اجل الاستقلال. وكنت من ضمن طلاب المدارس الذين كانت الحكومة تخرجهم للتظاهر والترحيب بالزوار الرسميين في حالة بن بيلا وغيره. بل لا زلت اتذكر بعض الطلاب الذين كانوا يهتفون بحياة (احمد سينالكو) اثناء مرور موكب الرئيس الاندونيسي احمد سوكارنو وكان الطلبة يجدون صعوبة في تلفظ اسمه لذلك كان عصير ليمون (سينالكو) هو الاقرب لهم. ومعظم الذين شاركوا في الاضرابات الطلابية والتظاهرات كانوا لا يقومون بذلك بسبب عقيدة سياسية بقدر ما كانوا يتهربون من الالتحاق بالمدرسة. خرجت من ضمن الآلاف من الطلبة تأييدا لسورية عند اغلاقها لأنابيب النفط العراقية اثناء مفاوضاتها مع شركة نفط العراق من دون ان ندرك ان ما قامت به سورية كان تخريبا للاقتصاد العراقي واضعافا لحكومة ناجي طالب. وفي عام 1968 عند قيام اضرابات الطلبة في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف كنت مع قلة من اصدقائي نقلد ما يقوم به الطلبة في فرنسا ومصر ولم يكن هناك لدينا برنامج سياسي او عقائدي محدد اما بقية الطلبة فكان التهرب من المدرسة او الامتحان هو السبب وراء التظاهر او الاضراب. هذه هي الحقيقة التي كانت الاحزاب السياسية تستخدمها ثم تخرج لتتباهي بأنها نجحت في التظاهر او الاضراب.
لماذا لم يقاتل حازم جواد من اجل مبادئه مثلما قاتل عبد الكريم قاسم بل ركب الطائرة وذهب الي المنفي؟ صمت حازم جواد طيلة عهدي البكر وصدام ولم يتفوه بكلمة ضدهما او ينتقد سياستهما. لماذا؟ لأنه يعرف طبيعة هذا الحزب الدموية الذي تربي عليها صدام وتحنك فيها. يعرفها حازم جواد جيدا لأنه هو وليس غيره من منح صدام حسين العضوية في هذا الحزب. اما في عهد عبد الكريم قاسم حيث كان العفو جاهزا للمتآمرين وكانت حرية التظاهر والاضراب متوفرة فقد اظهر حازم جواد وغيره بطولاته. والآن يفتح فمه لأن النظام الحالي مهما كانت انتقاداتنا وتحفظاتنا عليه لا يقتل المعارض ولا يكمم افواهه. لا تسمع من حازم جواد وأمثاله كلمة واحدة حين يكون نظام الحكم قمعيا وإرهابيا. فقط عندما يكون النظام منفتحا ومتسامحا يفتح حازم جواد فمه وتظهر بطولاته.
استغرب الكثير من العرب ومن مناصري صدام حسين اختفاء القيادة العراقية عند دخول القوات الامريكية الي بغداد في 9 نيسان (ابريل) 2003. وفي الواقع لم يكن هذا إلا تكرارا لما حدث مع البعثيين عند وقوع انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963. فقد فروا هم وحرسهم القومي من المعركة. هربوا في 18 تشرين الثاني ( نوفمبر) مثلما هرب صدام وبقية اركان قيادته الي حفرة الجرذان! تسمع عن بطولات البعثيين ونضالاتهم كثيرا لكنهم اول من يهرب من المعركة وعند اعتقالهم ينهارون بسرعة ويقدمون اعترافاتهم وينشرون اعلانات البراءة من حزب البعث في الصحف. وهذا الامر ينطبق حتي علي القادة مثل ميشيل عفلق الذي تبرأ من حزبه في عام 1949 ثم تخلي عنه وانتقل الي البرازيل في اوسط الستينيات. واحمد حسن البكر نشر ايضا براءته من الحزب في عام 1964. اما امين الحافظ فظل يوعد ويتوعد بأنه سيحارب بـ البارودة اذا اقتضي الامر لكن عندما حانت الساعة هرب امين الحافظ الي الحدود السورية مع رفاقه السوريين وتوسلوا بالحكومة السورية كي تعفوا عنهم وتسمح لهم بالعودة الي سورية.
لست ممن يكنون احتراما لصدام حسين او افراد اسرته لكن قبل الحرب الاخيرة حذر عدي صدام حسين الامريكيين من ان العراقيين سيقاتلونهم حتي الموت اذا هاجموا العراق. ولا بد ان عدي صدام حسين احتار بمن يستشهد. فصلاح الدين الصباغ وبقية العقداء هربوا قبل وصول القوات البريطانية الي بغداد وتركوا البلاد في فوضي عارمة وكذلك فعل رئيس الحكومة رشيد عالي الكيلاني. وناظم الطبقجلي ارسل برقية تأييد الي عبد الكريم قاسم وتخلي عن دعم محاولة الشواف الانقلابية ودخل المستشفي بحجة المرض. وحازم جواد وعلي صالح السعدي ركبوا الطائرة دون مقاومة وذهبوا الي المنفي. ومنذر الونداوي هرب بالسيارة الي سورية بعد فشل محاولته الانقلابية. والبعثيون هربوا ولم يقاتلوا في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963. وعارف عبد الرزاق هرب بالطائرة الي مصر بعد فشل محاولته الانقلابية. ووالده صدام حسين حصل علي عدة مداليات ذهبية في الهروب: الهروب من اداء الخدمة العسكرية، الهروب الي سورية بعد محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، الهروب والانقلاب علي حزب البعث في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 والهروب من السجن عام 1966. لم يجد عدي صدام حسين بُدا غير الاستشهاد في كلمة متلفزة بعبد الكريم قاسم وعبد الكريم الجدة ووصفي طاهر ليقول للامريكيين بأن العراقيين سيقاتلونكم مثلما قاتلكم عبد الكريم قاسم وعبد الكريم الجدة ووصفي طاهر. هؤلاء هم رموز البطولة العراقية الحقة وهؤلاء هم من اقتدي بهم عدي صدام حسين وقاتل حتي الموت.

إرث انقلاب 8 شباط (فبراير)

يذكر محمد حسنين هيكل في احد كتبه في معرض تبريره لمعارضة عبد الناصر لمطالبة عبد الكريم قاسم بالكويت بأن عبد الناصر ادرك بأن المصالح النفطية في الخليج انتقلت من بريطانيا الي امريكا او بمعني آخر ان عبد الناصر اراد الحفاظ علي هذه المصالح التي هددها عبد الكريم قاسم. وفي عام 1968 يكتب هيكل مقالا في صحيفة التايمز البريطانية يقول فيه ان مصر تعترف بأن لبريطانيا مصالح مشروعة في الخليج أي ان مصر لا تمانع في بقائها في الخليج وعدم منح الاستقلال لمشايخها. هذه الامور لا تثير حفيظة حازم جواد لأنه نفسه كان طرفا اساسيا في التفريط بالكويت.
نجح عبد الكريم قاسم من خلال التلويح باستخدام القوة العسكرية ومن خلال المفاوضات السرية في الاتفاق علي اقامة اتحاد فدرالي مع الكويت تصبح فيه قضايا الدفاع والخارجية والداخلية والتعليم من ضمن صلاحيات الحكومة العراقية وكان عبد الكريم قاسم علي وشك اعلانه لولا انقلاب 8 شباط (فبراير). وكان عبد الكريم قاسم علي وشك اعلان دستور دائم واجراءات انتخابات برلمانية وحزب البعث يعرف بهذا بل عرض عبد الكريم قاسم عليه الدخول في حكومة ائتلافية. وقام انقلابيو 8 شباط (فبراير) بتدمير سرب الميك 19 او ما يعادل ربع القوة الجوية العراقية وأفضل اسرابها وهو ما لم تنجح اسرائيل بالقيام به. وقاموا بقتل وتعذيب الضباط والفنيين والطيارين واضعاف للقوة العسكرية العراقية. وقاموا بتعذيب للسجناء واعدامات بمستوي وعمق لم يعرفه العراق إلا حين عاد البعث الي السلطة في عام 1968. هذا هو ارث انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963: اجهاض اول محاولة جدية لكتابة دستور دائم واقامة نظام ديمقراطي، اجهاض الاتفاقية الاتحادية مع الكويت واضعاف القوة العسكرية العراقية وإجرام بحق المواطنين العراقيين. ولا يتحدث حازم جواد عن جريمة القتل مع سبق الاصرار التي اقترفها هو ورفاقه بحق عبد الكريم قاسم. لماذا قتلوا ابن اخت عبد الكريم قاسم الضابط الطيار طارق القيسي؟ وما الذي دفعهم الي قتل عبد الكريم قاسم؟ ولماذا اظهروا فيلما يصور جثته علي شاشة التلفزيون؟ لماذا مثّلوا بها؟ وكيف سمحوا لجندي ان يمسك بخصلة من شعره ويرفع رأسه ليبصق عليه؟ هذه هي اخلاق حازم جواد ورفاقه العربية والاسلامية تفصح عن نفسها وهكذا يردون الجميل لمن عفا عنهم. هذا البث التلفزيوني أفصح عن مكونات قادة الانقلاب النفسية فكانوا يقولون ايضا للعراقيين هذا ما سيحدث لكم اذا ما عارضتمونا. وهذه بالضبط هي الاخلاق التي يأبي أي عربي وأي مسلم وأي انسان ان تكون اخلاقه.
حازم جواد يقول ان عهد عبد الكريم قاسم كان كورقة خريف صفراء تكاد ان تسقط. لماذا صرخ إذن عبد الستار عبد اللطيف في دار الاذاعة قائلا (إذا لم تقتلوه ستقوم القيامة علينا)؟ لماذا كانت إذن تلك المقاومة الشرسة للانقلاب؟
كان عبد الكريم قاسم رحمه الله رجلا عمليا. لم يفهم ولم يضيع وقته بقراءة الهرطقات اللينينية او العفلقية. كان مهموما ببناء الدولة وبناء المدارس والمستشفيات والجامعات وبيوت للفقراء. عدت للعراق مباشرة بعد سقوط نظام صدام وغياب قارب الثلاثة عقود وصدمت بما رأيت. وجدت تخلفا وتراجعا مهولا، تخلفا وتراجعا لم اره حتي في العهد الملكي. لم ار بغداد بتلك الحالة من السوء ولا حتي في اسوأ كوابيسي. وعندما غادرت الي الجنوب وتركت بغداد لبضعة كيلومترات وجدت الناس حفاة يستخدمون الحمير كوسائط نقل. وقفت وسألت نفسي هل هذا كان سيكون حالهم لو بقي عبد الكريم قاسم في الحكم؟ ابناء الخليج يركبون الرولز رويس وابناء العراق يركبون الحمير ويبقون حفاة!! كدت اصرخ واكريماه!!
حازم جواد منزعج لأن العراقيين الفقراء جمعوا تبرعات واقاموا تمثالا لعبد الكريم قاسم. وصوره الآن معلقة بين صور الائمة والقديسين. وإذا اراد حازم جواد ان يعرف شعبية عبد الكريم قاسم ومحبة الناس له فأنا مستعد ان ادفع تكاليف سفره الي العراق بشرط ان يذهب الي مدينة الثورة (الصدر) ويقف في وسطها ويتفاخر بأنه احد قتلة عبد الكريم قاسم. إذا كان حازم جواد بطلا شجاعا كما يدعي فليقبل هذا العرض. اذا كان لعبد الكريم قاسم اخطاء فقد غفرها له ابناء شعبه لأنهم يعرفون انه كان رجلا شريفا نزيها مخلصا متسامحا غفورا محبا لشعبه ورجل خير، وفوق كل هذا يعرفون انه كان انساناً وهذا فوق ما يحتمله او حتي يفهمه حازم جواد وامثاله.

أكاديمي عراقي في جامعة تواندا في هولندا

القدس العربي، 10/4/2006