النفي داخل الوطن ـ حروب الهوية ورحلة سجونها
تاريخ النشر 12/7/2005
منذ بداية عام 1980 احتجزت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام صدام حسين آلاف الشبان والشابات والأطفال في أثناء تهجير عوائلهم إلى إيران، واُعتبر هؤلاء رهائن بلا
تهم ، وقضوا أكثر من عشرين عاماً يتنقلون بين السجون والمعتقلات دون نهاية، بعد أن هجرت عائلاتهم ، وصودرت أموالهم.
وكان احتجازهم على إثر حملة التهجير التي ابتدأت في 4/4/1980 بأمر من طاغية العراق الذي اتخذ هذا القرار، الذي كشف عن نظرة النظام لهذه الشريحة بوصفهم
مواطنين من الدرجة الثانية، ، وهؤلاء جميعا من الأكراد الفيلية ، والفرس وبعض العرب، لذا تم التعامل معهم باعتبار أنهم تبعية ايرانية، أو ذوو أصول أيرانية على
الرغم من أن هؤلاء ، قد ولدوا هم وآباؤهم وربما أجدادهم على أرض العراق، والبعض منهم قد تمتد أصولهم إلى فترة ما قبل ظهور الإسلام.
وبلغ مجموع العراقيين الذين هجروا إلى إيران خلال الفترة من 4/4 1980 ولغاية 19/5 /1990 حوالي مليون فرد طبقاً لاحصائيات الصليب الأحمر الدولي،
والهلال الأحمر، بعد أن عدت تبعيتهم لإيران تهمة، وضعتهم في درجة أدنى في سلم المواطنة العراقي. وانعكس هذا الفهم في السلوك الاجتماعي العام على هؤلاء
باعتبارهم أقلية ، وهو ماعرضهم لإهانة وإذلال كبيرين.
وحدثت التهجيرات في ظروف انسانية متردية، ومن دون سابق انذار ، حتى ان تلك الاعداد من المهجرين أجبروا على قطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام في البرد
القارص، والثلوج عبر المناطق الحدودية المؤدية إلى إيران دون ماء أو طعام، مخلفين وراءهم آلاف الشباب والشابات، احتجزتهم أجهزة النظام الأمنية.
ربما يكون حظ من وصل ايران أفضل ممن بقي تحت رحمة ظلام السجون، والانتقال من معتقل الى آخر في ظروف كان النظام العراقي في أوج قوته
وغطرسته.
الا أن مأساة احتجاز الشباب والشابات من ابناء العراقيين المهجرين هي الأكثر عنفا وقسوة .
فقد تم حجز أكثر من عشرين ألف شاب وشابة وطفل في المرحلة الأولى من عام 1980، وكان العدد في تزايد متواصل.
في البدء حجز هؤلاء الشباب العسكريون في معسكرات الجيش العراقي التي كانوا يخدمون فيها. ومن ثم نقلوا الى سجن معسكر الحارثية غرب مدينة بغداد، وبعد
مرور اسبوع آخر نقلوا الى سجن رقم واحد في معسكر الرشيد الواقع جنوب مدينة بغداد. وبقوا هناك لعدة اشهر حتى صدور القرار الذي نص على اطلاق سراح
المحتجزين من اصول غير ايرانية.
الا انه بعد شهر من ذلك صدر قرار اخر ينص على اطلاق سراح المحتجزين المسيحيين وان كانوا من اصول ايرانية، وبقى المسلمون في الحجز بتهمة التبعية
الايرانية. وزارهم أكثر من مسؤول عسكري في سجن رقم واحد في معسكر الرشيد وقيل لهم : (انكم اخوتنا وابناؤنا وانتم محتجزون بسبب حرصنا عليكم وعدم اعطاء
الفرصة للايرانيين للاختلاط بكم وغسل ادمغتكم ضد وطنكم العراق .. وبعد فترة قصيرة سنطلق سراحكم فأنتم ضيوف هنا).
تم نقل المحتجزون الى سجن وزارة الدفاع في بغداد ليمضوا هناك عدة اسابيع وتعرضوا للكثير من الاهانات، ونقلوا بعدها الى مديرية الامن العامة في بغداد، وهناك
ابلغوا بالتهمة الرسمية الموجهة اليهم (وهي التبعية الايرانية) وأُمروا بخلع ملابسهم العسكرية التي كانوا يرتدونها منذ حجزهم . ثم نقلوا مرة أخرى الى سجن ابو
غريب المركزي ـ قسم الاحكام الثقيلة ـ الواقع في منطقة ابو غريب شمال غربي مدينة بغداد.
اما المدنيون من المحتجزين فقد تم عزلهم مع عوائلهم في سجن الفضيلية الواقع في منطقة الفضيلية شرق مدينة بغداد ومركز التهجيرات القريب من ملعب الشعب
الدولي الواقع في مدينة بغداد، كما حجزت مجموعات اخرى في بيوت المهجرين حيث تحولت الى سجون. وفي هذه السجون تم تفريق الشباب عن عوائلهم وعلى
فئتين، الاولى : ممن تراوحت اعمارهم بين 16 و 40 سنة قيدوا ونقلوا الى مديرية امن بغداد. أما الفئة الثانية : ممن كانت اعمارهم تقل عن 16 سنة فنقلوا الى سجن
الاحداث الواقع شرق مدينة بغداد.
اما ما تبقى من العوائل فاحتجزوا في سجون اكتظت بالمهجرين والتي كانت تنعدم فيها الرعاية الصحية والغذائية فضلاً عن عدم توفير الحليب لاطفالهم والتعرض
اليومي للاهانات من قبل حراس السجون، حيث قضوا عدة اشهر على هذه الحالة حتى تم تهجيرهم الى ايران.
تم توزيع المحتجزين في سجن ابو غريب على قاطع (7) وملحقه وقاطع (8)، كل قاطع احتوى على (20) زنزانة مساحة كل منها بين 4 و 5 امتار مربعة احتوت
على دورة مياه ولم يكن فيها أية نوافذ عدا فتحة صغيرة مفتوحة الى الخارج، وتم اخراج المحتجزين كل صباح لمدة ساعتين الى الساحة التابعة لقاطعهم.
اطلق سراح بعض المحتجزين من المدنيين، وهجروا الى ايران. استمر تهجير المدنيين حتى حدث الاضراب الذي قام به المحتجزون في سجن ابو غريب احتجاجا
على سوء معاملة احد المحتجزين المدعو (حسن حداد ) فقد اصيب هذا الرجل بمرض في معدته ولم يسمح له بالذهاب الى المستشفى، أو تلقي العلاج حتى توفي في
زنزانته في الساعة السادسة من مساء يوم 30/4/1981.
تسببت هذه الحادثة باشعال غضب المحتجزين، فكسروا الموانع الحديدية لزنزانتهم وخرجوا الى ممرات وساحة السجن، وحصلت مواجهات عنيفة ودموية بينهم وبين
حرس السجن . وطالب بعض المحتجزين مقابلة احد مسؤولي الحكومة العراقية لمعرفة تهمتهم ومن ثم مصيرهم. وفي الساعة الثانية من بعد منتصف الليل هبطت
طائرة هليكوبتر على أرض ساحة السجن وفيها قوات من الحرس الجمهوري مدججين بالاسلحة ومزودين بكاميرات الفديو، ثم ظهر برزان التكريتي اخ الرئيس
العراقي غير الشقيق ، وحاول تهدئة المضربين الهائجين والتفاوض معهم، وقال لهم : ( انا اتفهم حالتكم ونحن مستعدون لتحسين ظروف حجزكم وتلبية كافة طلباتكم
عدا شيئين: الاول لا يمكن ارسالكم الى ايران لتلتحقوا بعوائلكم المهجرة. والثاني : لا يمكن اطلاق سراحكم داخل العراق في الوقت الحاضر. ويجب أن تعرفوا ان
اطلاق سراحكم مرهون بنهاية الحرب العراقية ـ الايرانية ،وهذا القرار اتخذ من قبل اعلى سلطة في العراق).
أجابه بعض المحتجزين بالقول : ( اننا لانريد شيئاً منكم سوى اطلاق سراحنا واعادة حريتنا ، لاننا لسنا بمجرمين ولم توجّه لنا اية تهمة ، فلماذا نسجن على هذ النحو
. فاذا اعتبرنا عراقيين فاطلقوا سراحنا ونحن مستعدون للرجوع للخدمة العسكرية والذهاب الى جبهات القتال للدفاع عن وطننا العراق. اما اذا اعتبرنا ايرانيين فيتوجب
ارسالنا الى ايران كي نلتحق باهالينا).
الا ان برزان التكريتي رد عليهم بالقول : (انكم تطلبون المستحيل ) وأضاف : ( انني ارغب بتوضيح نقطة واحدة فقط لكم وهي ان اراد احدكم ان يبقى حيا وان يرى
اهله ثانية فعليه السكوت والعودة الى زنزانته، اما الذين لايرجعون فسيموتون كالكلاب). وصاح المحتجزون (ان هذا القرار هو قمة الاضطهاد ونحن نرفضه.). ثم امر
برزان التكريتي حرسه بأرغام المحتجزين على العودة الى زنزاناتهم باستخدام القوة .
نفذ الحرس امر برزان التكريتي باستخدام الاسلحة النارية والغازات المسيلة للدموع كما تم قطع الماء والتيار الكهربائي. وانتهى الامر عند الخامسة فجرا بعودة
المحتجزين الى زنزاناتهم بعد اصابة عدد منهم بجروح .
بعد مواجهة السجن هذه ساءت معاملة السجناء، واستخدمت ضدهم أكثر الوسائل وحشية، وأول أجراء اتخذ بعد ذلك هو تقليل وجبات الأكل اليومية والغيت فترات
الخروج للهواء الطلق كما اغلقت الفتحة الهوائية الصغيرة الموجودة في كل زنزانة.
واستمر الحال على هذا النحو حتى 14/7/1981 عندما أخرجت أجهزة السجن 700 محتجز بدعوى تسفيرهم إلى ايران ، الا ان الوقائع اثبتت فيما بعد انهم لم
يغادروا العراق ، ولا يعرف مصيرهم سوى أجهزة النظام في حكومة صدام ، واشيع أن سبب أخذ هؤلاء هو اعتقاد سلطات السجن انهم من كانوا وراء حادثة
الاضراب .
وبتاريخ 12/8/1981 سمحت السلطات للمتبقين من اهالي واقرباء المحتجزين بزيارتهم في اليوم الثاني عشر من كل شهر، وفي اليوم التالي لكل زيارة كانت ادارة
السجن تجبر المحتجزين على ملء استمارة خاصة.
مع استمرار عمليات تهجير العراقيين الى ايران استمر حجز الشباب في السجون العراقية. اما معاملة حراس السجن فكانت تسير نحو الأسوأ كلما حققت القوات
الايرانية تفوقا في جبهات القتال.
وفي 5/12/1984 تم نقل المحتجزين على شكل ثلاث مجموعات (كل مجموعة تكونت من 600 الى 700 شخص) الى سجن قلعة السلمان. القلعة التي تقع على تل
يبعد حوالي خمسة كيلومترات من سجن نكرة السلمان القديم وحوالي 160 كيلومتراً من مدينة السماوة مركز محافظة المثنى. كانت الرحلة تبدأ في الصباح الباكر
وتنتهي بعد منتصف الليل.
يتكون هذا السجن من 16 قاعة مع 6 ملحقات واودع في كل قاعة من 100 الى 120 شخصا بينما اودع في كل ملحق حوالي 30 شخصا.
قبل وصول المحتجزين الى سجن قلعة السلمان ابلغ حراس السجن بأنهم سيتسلمون مجموعة من السجناء الايرانيين، وحذروا من الاختلاط بهم. ولكن عندما عرف
حراس السجن حقيقة هويتهم وانهم مواطنون عراقيون مثلهم تعاطفوامعهم وعاملوهم معاملة حسنة وسمحوا لاقرباء واصدقاء المحتجزين بزيارتهم. وسمح للمحتجزين
بتسلم الطعام والملابس وادوات للطبخ والرياضة واجهزة الراديو والتلفزيون وكاميرات تصوير من الزائرين. فكانت حالتهم ومعاملتهم افضل بكثير من الوضع في
سجونهم السابقة .
وكانت عمليات نقل المحتجزين الاخرين في تواصل من سجون المحافظات الاخرى وسجن الفضيلية وسجن الاحداث الى سجن قلعة السلمان. وكان بين هؤلاء
المحتجزين اشخاص من ذوي العاهات أمثال المحتجز ( قاسم حسن ) وهو من مدينة القاسم في محافظة بابل والغريب ان هذا الشخص تم حجزه على الرغم من فقدانه
أطرافه الاربعة ولسانه.
وخلال شهر تشرين الاول من عام 1985 صدر قرار يتعلق بالمحتجزين في سجن قلعة السلمان وابلغوا من قبل معاون مدير الامن العامة للشؤون السياسية المدعو (
المقدم ابو سيف) الذي قال لهم ( بمكرمة من السيد الرئيس صدام حسين سيطلق سراح كل محتجز له اب او ام او اخ او اخت غير مهجرين او زوجة على ذمته غير
مطلقة ولامهجرة او اخ شهيد في الحرب وعليه اثبات ذلك بالوثائق الرسمية والشهود وعندها سيشمله العفو ويطلق سراحه.).
وعلى اثر ذلك سلم كل محتجز استمارة لهذا الغرض ، ليجري بعد ذلك التحقيق معهم.
وفي اوائل عام 1986 بدأوا بالفعل بنقل مجموعات من المحتجزين من سجن قلعة السلمان بعد ان زودوهم بملابس الجيش الشعبي. وكانت كل مجموعة تتكون من 50
الى 100 شخص وعلى شكل دوري وشهري حيث عزلوا ومن ثم نقلوا الى جهات غير معلومة.
وقسمت الأجهزة الأمنية كل مجموعة الى مجموعات أصغر وأرسلوهم الى سجون امن المحافظات في الحلة والديوانية والنجف (في منطقة ابو صخير) والرمادي
وكربلاء وتكريت والسماوة وبعضهم ارسل الى القاعدة الجوية في الحبانية ومعسكر النهروان (قرب جسر ديالى) للتدريب العسكري المكثف، بينما نُقلت مجموعات
اخرى الى جبهات الحرب مع ايران في مناطق العمارة والفاو وكذلك الى العمادية وزاخو.
اما الذين اطلق سراحهم بعد سنين طويلة من الحجز في سجون امن المحافظات ، وفي سجن مديرية امن بغداد (تحت الارض) وفي سجن الفضيلية وسجن ابو غريب
المركزي فقد حاولت السلطات اغراءهم وزودوا كل محتجز برقمي هاتف لاستخدامهما عندما يتعرضون لاي تحقيق عند الخروج. وعند اطلاق سراحهم اعطيت لكل
منهم صورة لصدام حسين، وامروا بان يظهروا بمظهر الفرح امام كاميرات التلفزيون على قرار العفو ومكرمة السيد الرئيس.
منذ خروج المجموعات الاولى من سجن قلعة السلمان في بداية عام 1986 وحتى بداية عام 1989 اطلق سراح حوالي (650) محتجزاً فقط من الذين شملهم قرار
العفو بينما نقل بقية المحتجزين في سجن قلعة السلمان الى جهات مجهولة ولحد الان لايعرف مصيرهم.
المصدر: موقع الذاكرة العراقية:
http://www.iraqmemory.org/inp/view.asp?ID=12