حول مؤتمر التهجير القسري الذي أقامته وزارة الهجرة والمهجرين

أحمد ناصر الفيلي

المؤتمر الذي أقامته وزارة الهجرة والمهجرين على القاعة الخضراء في نادي الفروسية يوم 19 / 4 / 2006 والذي تكرس لبحث مسألة المهجرين قسراً من ديارهم ومساكنهم مسعى وطني يعكس جدية الإتجاه، وقد أشاد الكثير من المشاركين الذين يمثلون مختلف القوى السياسية وأطيافها إضافة إلى ممثلين في الهيئات الرئاسية الثلاث إلى معاناة هؤلاء المهجرين والبالغ عددهم إثني عشر ألفاً، وعدّوا ماتعرض إليه هؤلاء محاولة خطيرة في التغيير الديموغرافي للمناطق التي نزحوا منها والحقيقة أن تداعيات المشهد السياسي والتي تمثل تأخير إعلان التشكيلة الحكومية أبرز تجلياتها فضلاً عن المد الإرهابي المتصاعد والموجه بأصابع إقليمية معروفة تمثل تحدياً أمام الإستقرار السياسي المنشود وبما يحقق خطوة مهمة ظافرة على طريق تحقيق أهداف المشروع السياسي الجديد في البلاد والقائمة على مبادئ الشراكة العادلة والتعددية ومسألة التغيير الديموغرافي،

ولعل هذه الموجة على معاناتها الجمة ليست سوى الأبسط من نوعها في تاريخ العراق السياسي والمعاصر حيث أن من المعروف تاريخياً أن مسألة التغيير الديموغرافي مورس أولاً بحق الكورد وبخاصة أولئك القاطنين في المناطق الجنوبية من كوردستان العراق كمناطق مندلي وخانقين وجلولاء وبدرة وزرباطية بحجج متنوعة بعضها لأغراض الحزام الأمني لتطويق كوردستان التي شهدت أعمالاً بربرية عسكرية إستهدفت وجودها ووجود أبنائها الكورد والبعض الآخر لتغير الكثافة السكانية ومعدلات النمو لاحقاً لصالح عملية الصهر العرقي والتعريب الممارس بحق الكورد وطبقاً لهذا النهج القائم على التمييز العنصري الذي كان السمة الأبرز للنخب العراقية الحاكمة على إمتداد الدولة العراقية التي برزت إلى الوجود عام 1921. فعلى الإمتداد التاريخي لهذه الدولة تعرض الكورد الفيليون الذين يمثلون غالبية سكان المناطق الجنوبية لكوردستان العراق إلى التهجير القسري وعلى مراحل وفي عهد البعث الفاشي الذي تحول فيه مسار القضية الكوردية من جانب السلطة الدكتاتورية إلى إستراتيجية تصفية الكورد ، فقد قامت السلطة الدكتاتورية بتهجير أكثر من (70000) كوردي فيلي بين عام (1970-1971) قسراً مع مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وأقدمت على تسفير نصف مليون مواطن كوردي فيلي لاحقاً في عام 1980 وما تلاها. وتشكل تلك الحملات التهجيرية القسرية سابقة خطيرة في مجال حقوق الإنسان، فقد تعرضوا إلى التطهير العرقي وتعرضت مدنهم إلى أبشع عملية تعريب حيث محقت أسماء المدن والقرى والشوارع والمحلات الكوردية وأستبدلت بأخرى عربية ومحاولات تغيير البنية الديموغرافية السكانية الكوردية وخاصة مدن كركوك ومندلي وخانقين وبدرة، إمتدت بوتائر متصاعدة وفي متابعة بسيطة للإحصائيات الرسمية الصادرة عن السلطات العراقية نفسها في سنوات 1936 و 1947 و 1957 وما بعدها تتبين بوضوح السياسات الحكومية في هذا المجال، إننا أزاء متراكمة ثقيلة للسياسات الحكومية الشوفينية وموروث ثقيل لعهد البعث المباد الذي أسس لذهنية شوفينية قائمة على العنف وإلغاء الآخر. إن الوزارة مدعوة اليوم إلى وضع برنامج بهذا الخصوص والمساهمة بإعادة إعمار مدن مندلي وجلولاء وبدرة وخانقين وغيرها والتي دمرت بفعل السياسات الحكومية وبرغم حملات الإعمار التي قام بها النظام المقبور وخاصة بعد حرب الخليج الثانية إلا أن تلك المناطق أستثنيت لأنها كوردية وهذا مما يجعل الوزارة أن تفكر جدياً بهذا الموضوع فإذا كان تهجير (12000) عراقي وبإعتراف الجميع يشكل ظاهرة في مجال التغيير الديموغرافي فالتغيير الديموغرافي الذي تعرضت له مناطق كوردستان والمدن المذكروة والتي غالبيتها من الكورد الفيليين الذين رحلوا عن ديارهم ومساكنهم ظلماً وقسراً وعدواناً.. فإن الحاجة تدعو لإطلاق دعوة مجددة إلى الوزارة الموقرة لوضع برنامج بخصوص هذه المناطق ومساعدة أبنائها المهجرين للعودة إليها ورعايتهم علماً بأن الآلاف منهم ما يزالون موزعين في محافظات العراق الجنوبية، وإلى ذلك نحن منتظرون.

المصدر: شفق، 25/4/2006