رحيل المناضل الشيخ يوسف جاسب الطوب الجبوري
ببالغ الحزن والأسى انتقل إلى رحمة الله يوم 12/5/2006 في دبي وبعد مرض عضال، الشخصية الوطنية المناضل الشيخ يوسف جاسب الطوب الجبوري. وقد تم نقل جثمانه الطاهر
بالطائرة إلى مدينة البصرة لإجراء تشييع مهيب له إلى مثواه الأخير. والفقيد من مواليد الفاو/ محافظة البصرة، وخريج كلية العلوم/ جامعة البصرة في أوائل السبعينات، وانخرط في النضال
السياسي مبكراً منذ صباه في التيار اليساري، وعانى في سبيل ذلك الكثير من السجن والاضطهاد من نظام البعث المقبور. وبعد سقوط النظام الفاشي، كان من أوائل المناضلين الذين بادروا
بتأسيس (التجمع القاسمي الديمقراطي) ومن البصرة انطلق التنظيم إلى بقية المحافظات وإلى بغداد العاصمة.
كان الراحل من أولئك العراقيين الذين لم يستطع نظام البعث الفاشي تشويه اخلاقيتهم، فحافظوا على شخصية الإنسان العراقي الأصيل الكريم الشجاع المسالم والمحافظ على القيم الإخلاقية
والإنسانية النبيلة التي عرف بها العراقيون قبل حلول وباء البعث الذي قام بحملة مبرمجة وعن عمد لتشويه الإنسان العراقي وإذلال الشعب وتفتيت نسيجه الإجتماعي وتدمير الإخلاق، كما
انكشف ذلك قبل وبعد سقوط الفاشية.
كما وكان الشيخ يوسف من الملايين العراقيين الذين أحبوا شهيد الوطنية العراقية الزعيم عبدالكريم قاسم، إذ بقي مسكوناً بروح الشهيد قاسم ومبادئه في الوطنية والعدالة الاجتماعية وحب
الإنسان وقيام نظام ديمقراطي عادل وفق مبادئ ثورة 14 تموز المجيدة التي ضحى قائدها وصحبه الأبرار حياتهم في سبيلها.
لذا لم يكتف الشيخ يوسف بحبه للزعيم والتعبير عن هذا الحب بالكلام فحسب، بل ترجم هذا الحب مع رفاقه، إلى عمل، فقام وبجهود المخلصين الآخرين بتأسيس التجمع القاسمي
الديمقراطي، ليكون الأداة الفعالة لتحقيق أهداف ثورة 14 تموز المجيدة بعد النقلة الجديدة التي حصلت في العراق يوم التاسع من نيسان 2003 المجيد. ولن أنسى ما جرى بيننا قبل عام، من
حديث شيق معه عبر الهاتف، حيث أكد لي أنه كرس ما تبقى من حياته للعمل في سبيل رد الاعتبار للزعيم عبدالكريم قاسم وتقييمه بما يستحقه من مكانة مرموقة في وجدان وضمير الشعب
العراقي وخلق مجتمع تسوده العدالة وفق مبادئ الزعيم قاسم.
كان رحمه الله قد أصدر صحيفة (14 تموز) في البصرة مقابل شقيقتها البغدادية وبنفس الاسم . وكان يبذل معظم جهده ووقته وما تيسر له من مال في سبيل نجاح التنظيم واستمرارية
صدور صحيفته رغم الضائقة المادية والظروف الأمنية القاسية التي كان يعاني منهما. وكان هو الذي يكتب افتتاحية (14 تموز) البصرية، ويدير شؤونها ويختار ويحرر موادها.
كان الراحل نموذجاً للإنسان المناضل الوفي الهادئ الوديع المسالم، المخلص والمحب لعائلته وشعبه ووطنه، إذ كان شخصية اجتماعية وسياسية محبوبة ومحترمة من قبل جميع أصدقائه
ومعارفه وزملائه في العمل والتنظيم، وأبناء العشائر وشيوخها حيث كان قد اختير شيخاً على عشيرته (الجبور) في محافظة البصرة بعد وفاة ابن عمه الشيخ سعيد ترياك الطوب الجبوري،
لما كان يتمتع به من مكانة مرموقة بين أبناء العشيرة والقدرة على حل المنازعات بين الناس وذلك لما لما عرف عنه من حكمة وصبر ومعرفة في هذه الأمور. فإضافة إلى ثقافته العصرية
كخريج جامعة ومناضل وطني ديمقراطي علماني وليبرالي يسعى في سبيل العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والنظام الديمقراطي، كان ذو ثقافة اجتماعية واسعة، ملماً بالتقاليد والأعراف
الاجتماعية والعشائرية السائدة التي فرضتها ظروف قاسية في عهد نظام البعث الذي أعاد العراق إلى المرحلة القبلية المتخلفة، فقد عرف بحنكته كيف يحل مشاكل أبناء العشيرة ومنازعاتهم،
مما كسب حب واحترام الجميع ومن جميع الاتجاهات.
لا شك أن الموت هو نهاية المطاف لكل كائن حي، ولكن الموت المبكر لإنسان طموح مليء بالحياة والأمل، والحماس لخدمة الخير وقضية الشعب، متقد بالوطنية، حافل بالأفكار النيرة، إن
الموت المبكر لهكذا إنسان قبل الأوان مأساة حقيقية. رحيلك عنا أيها الصديق العزيز، يا يوسف، خسارة ليس لعائلتك فحسب ولا لأهلك وذويك أو لأصدقائك ورفاقك في التنظيم فقط، بل
خسارة كبرى لنا جميعاً. أقدم لهؤلاء جميعاً وعلى رأسهم شقيق الراحل، أخي الصدوق الأستاذ عيسى جاسب الطوب، أحر العزاء. سنفتقدك يا أبا أزهار وستبقى ذكراك الطيبة العطرة حية
في وجداننا جميعاً ونتذكرك بحب وحزن وألم وحسرة على فراقك الأبدي. فسلام عليك يا بن العراق الأشم .
د.عبدالخالق حسين
13/5/2006