محنة الكورد الفيليين .... بين ألغاز مؤتمر اربيل ومفاتيح النخب السياسية الفيلية المتشتتة

عودة الى الجرح الكوردي القديم الجديد ... محنة الكورد الفيليين ... الحائرين بين ركام و آلام الماضي القريب وطموح المستقبل المنشود..... بين مآسي الترحيل والتشرد ، وصدمة التهميش واللامبالات....وهنا يتسائل كل كردي او كوردستاني غيور على شعبه ومستقبل اجياله.... لمصلحة من يتم اقصاء هكذا شريحة واسعة ومؤثرة حضاريا وتأريخيا وقوميا ،من وطنه الأم كوردستان ومن شعبه واصله العريق امة الكورد..... اليس ابسط المهام القومية تفرض علينا كلنا ككورد بغض النظر عن لهجاتنا وتوجهاتنا السياسية والدينية والمذهبية ... وفي هذه المرحلة الحساسة من تاريخنا ان نسعى وبكل جدية واخلاص للّم شملنا وانصاف المظلومين من ابناءنا ونحن قد اصبحنا حكومة موحدة وشبه دولة نمتلك من الامكانيات الماديةوالاعتبارية اكثر من اي وقت مضى؟؟؟؟؟.... الا يستحق من عانى الامرين من شعبنا الكوردي الفيلي وبسبب كونهم كوردا وكوردا فقط على ايدي اعداء شعبنا المزيد والمزيد من الجهد والمال والوقت، في وقت يتكالب اعداء الكورد من كل الجهات لاضعاف شكيمته وتفتيت وحدته القومية واضعاف مفاصله الاستراتيجية ارضا وشعبا ، تأريخا وجغرافيا ...... واذا كان احد افرازات سفر الترحيل والتشريد المأساوي لكوردنا الفيليين هو ضياع المرجعية السياسية ووحدة الكلمة في متاهات المنافي والانتماءات السياسة والمذهبية الطارئة، والتشتت الفكري والتنظيمي وتشوش الرؤيا السياسية الاستراتيجية والتنظيمية.....اليس من صلب واجبات القيادات الكوردستانية التاريخية والتي لها اثبتت ان لها الباع الطويل في ميدان السياسة والتفكير والتخطيط الاستراتيجي.... ان تاخذ بيد هذه الشريحة الى بّر الامان....لا سيما انها(الشريحة الفيلية) كانت النواة الفعلية المحركة لمجمل الاحزاب الكوردية بل وحتى العراقية في الماضي ،وهي لاتزال تملك طاقات بشرية وفكرية هائلة اضافة الى امكانيات تبوءها لدورها الاقتصادي والثقافي والسياسي الممّيز من جديد وهي التي كانت مهيمنة على الاقتصاد والسياسةالعراقية في عصبها الاقتصادي الرئيسي(اسواق بغداد والشورجة) وفي احياءها الشعبية (عقد الاكراد ،والنضال،والخلاني والشيخ عمر) اضافة الى مدنها وقصباتها في الوسط والجنوب العراقي طيلة عقود من القرن الماضي وقبلها ايضا، ومن خلال وجودها المؤثر والفعال خاضت دوامة الصراع السياسي الاجتماعي في العراق ضد اعتى الدكتاتوريات وممثليها السياسيين من مختلف الاتجاهات القومية العنصرية المعادية للكورد وكوردستان....انا هنا لا اريد ان اخوض في غمار الدور التاريخي المميز للشريحة الفيلية بدءا من بدايات الزرادشتية ودولة عيلام الى مرحلة التهجيروالابادة، فهو معروف لكل متتبع لتاريخ و نضالات امة ميديا وتأريخ المنطقة، و قد اسهب فيه وكتب عنها الكثيرين من الكورد الفيليين والكوردستانيين بل وحتى الشرفاء والمنصفين من الكتاب والسياسيين العرب ...ولكننا كوننا ابناء الحاضر كما يقال، نريد ان نبدأ من حيث انتهى مؤتمر اربيل(باعتباره بغض النظر عن مراميه وتوقيته وعجالته، اكبر لقاء مباشر بين النخبة الكوردية الفيلية والقيادة السياسية الكوردية بعد محنة التهجير).... وقد اخترت ان ابدأ كلامي هذا بدءا من مؤتمر اربيل باعتباره ايضا الحد الفاصل بين مرحلة التهجير والمعانات والتهميش وبين تباشير الامل والتطلع والانصاف......مرحلة الالتحام المجدد بين هذه الشريحة المظلومة والقيادة الكوردية، ضمن المشروع السياسي للعمل الكوردي في مرحلة ما بعد سقوط النظام الدموي ومرحلةالشروع الفعلي في وضع اللبنات الاساسية لبناء عراق ديمقراطي تعددي تحقق لكل العرقيين حقوقهم وتنهي مظلومياتهم وتضع حدا لمعاناتهم . اذا كان الكورد قد نجحوا في توحيد البيت الكوردي وهذا بحد ذاته انجاز كبير، واذا كانت مسالة كركوك قد اقتربت من الحل اكثر من اي يوم مضى(اذا لم تحدث مفاجأت وتدخلات من دول الجوار تركيا وايران) ، فان ثمه مهمة قومية مركزيةاخرى لاتقل اهمية عن هاتين المهمتين في انتظار هذه القيادات، الا وهي العمل الجاد على انصاف الشريحة الفيلية واستخراج ملفها من ادراج النسيان والاهمال ووضعه امام انظار الضمير السياسي الكوردي ليعطيها استحقاقات حقها المغتصب ويعيد لها بعض من هذه الحقوق باعتبارها تعويضا جزئيا عن المعانات المريرة التي عاشتها و التي لا يمكن باي حال من الاحوال ان تعوض بشكل كلي، ففقدان الانفس والاموال وهدر الكرامات والاذلال والتشريد والتغريب ، جروح غائرة من الصعب ان تندمل بسهولة وسرعة .... ان هول المأساة الكوردية الفيلية من الفظاعة والقسوة ما يقشعر له الابدان،فكل ما وقع على الشعب الكوردي مجزءة وعلى مدار نصف قرن قد وقع على هذه الشريعة دفعة واحدة وبشكل مركز خلال فترة زمنية لم يتعدى بضعة اشهر .... فقد هجروا لا فقط داخل الوطن (كما جرى لقسم من الكورد) بل تجاوز ذلك الى بلد آخر وبشروط وظروف اقسى بكثير، اذا كان جريمة قصف حلبجة قد تمت عام 1988 فان جريمة اقسى قد سبقتها حينما تم تجربة واختبار فعالية نفس هذه الاسلحة الفتاكة على شباب الكورد الفيلية قبلها بستة اعوام وفي غرف الموت المغلقة في الرضوانية ودهاليز مصانع التصنيع العسكري،وكذا فان جريمة الانفال ودفن الآلاف من الشباب الفيلي اليافعين احياء قد تمت قبلها ايضا بعدد من السنين.....اما حجم المعانات الفردية لكل عائلة وافراد في هذه العوائل من الباقيين على قيد الحياة فلا يمكن لاحد تصورها او وصفها الا من عاشها فعليا لايام وسنين وعقود من الزمن.... وهذا هو بالضبط سر الصدمة التي اصابت هذه الشريحة والتي لم تفق منها ومن ويلاتها ليومنا هذا.... وهنا ايضا يكمن سر التخبط والتشتت الذي ما زال يكتنف العمل السياسي والجماهيري لشريحة اعطت لكل قوة وحركة سياسية في العراق وكوردستان الكثير الكثير من الجهد الفكري والتنظيمي والسياسي والبشري والمادي طيلة نصف قرن من الزمان واصبحت الآن عاجزة حتى عن تنظيم نفسها وتوحيد كلمتها وارادتها في اي شكل من اشكال التجمع والتكتل تحت اي اسم او مسمى تحقيقا للهدف الاسمى الا وهو المطالبة باحقاق حقوقها المهدورة كاضعف الايمان.....ولذا اصبح لزاما على القيادات الكوردية الواعية ان تأخذ هذه المعضلات الانسانية بنظر الاعتبار اثناء تناولها لمسألة الكورد الفيليةبالحل والعقد وان تفتح لهم ذراعها وبيتها الكوردي الموحد وتصبح المظلة التي تستطيع ان تتفيء تحت ظلالها هذه الشريحة المفتتة وحتى يكون بامكانها ان تستعيد عافيتها و عنفوانها السابق ولترفد الحركة الكوردية المعاصرة بطاقات خلاقة على مستوى كوردستان والعراق والمهاجر التي انتشرت وتبعثرت فيها هذه الشريحة مضطرة مكرهة وهي لا تزال تبحث عن هويتها الحقيقية ودورها النضالي المنشود والتي من المفترض ان تكون في مقدمة الصفوف الامامية للشعب الكوردي وكما كان في السابق ......لقد استبشرت الشريحة الفيلية بمؤتمر اربيل خيرا ورأت فيه نهاية للنفق المظلم والطويل ،وكان لحضور القيادة الكوردستانية وعلى رأسها سيادة الرئيس البارزاني بصفته رئيسا للحزب الديمقراطي المناضل وممثل السيد جلال الطالباني عن رئاسة جمهورية العراق الفيدرالي والاتحاد الوطني الكوردستاني، الاثر الكبير في نفوس النخبة الكوردية الفيلية(والتي غاب منهم الكثيرين من الوجوه الثقافية والسياسية والتاريخية لاسباب شتى لا مجال في الخوض فيها الان) وتمخضت ايام المؤتمر وجلساته عن قرارات هامة اود ان اسردها كما هي، ليس من باب التكرار بل من باب التذكير ليس الا...

1. أن تعتبر النقاط المتعلقة بحل مشاکل الکورد الفيليين الواردة في کلمة السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم کوردستان و التي ألقاها بإسمه و بإسم السيد جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الفدرالي، کورقة عمل للجنة التنسيق و المتابعة المنبثقة عن المؤتمر و التي تضمنت:

* ضرورة مشارکة الکورد الفيليين في السلطتين التشريعية و التنفيذية في کوردستان و حکومة العراق الفدرالي في بغداد.

* دعم المؤسسات الثقافية و الإجتماعية و الرياضية الفيلية.

* العمل بشکل جدي علی تعويض الکورد الفيليين عن أملاکهم المصادرة (المنقولة و غير المنقولة) من قبل النظام العراقي المقبور.

* الإهتمام باللهجة و الثقافة الکوردية الفيلية من قبل الإعلام الکوردي و الجامعات و المراکز التعليمية.

* تقديم تسهيلات للکورد الفيليين الموجودين في إيران و مساعدتهم في العودة إلی مناطق سکناهم الأصلية.

* التعامل مع شهداء الکورد الفيلية کالتعامل مع شهداء الحرکة التحررية الکوردستانية.

2. إستحداث مرکز في بغداد لتوثيق مأساة الکورد الفيلية من کل جوانبها المادية و المعنوية.

3. الإهتمام بشؤون الکورد الفيلية في وسائل الإعلام الکوردية المختلفة.

4. تخصيص نسبة من المقاعد الدراسية في الجامعات و المعاهد الکوردستانية و ضمان مشارکة الطلبة من الکورد الفيليين في البعثات الدراسية خارج العراق سواء ا المتعلقة بإقليم کوردستان أو الحکومة المرکزية الفدرالية.

5. السعي لإيجاد درجات وظيفية لخريجي الجامعات و الکوادر و النخب الکوردية الفيلية في أجهزة و دوائر الحکومة الإتحادية بما يتناسب و حجم الکورد الفيليين.

6. إقامة مشاريع صحية لتقديم الخدمات في المناطق ذات الکثافة السکانية الکوردية خارج الإقليم.

7. دعم مساعي المرأة الکوردية الفيلية من أجل حصولها علی جميع حقوقها السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية و مساواتها بالرجل أمام القانون.

8. الإهتمام بالمشاعر الدينية للکورد الفيليين و إحترام طقوسهم الدينية.

9. تشجيع إصحاب رؤوس الأموال من الکورد الفيليين داخل و خارج کوردستان لإستثمار رؤوس أموالهم في الميادين التجارية و الزراعية و ذلك من خلال تقديم التسهيلات اللازمة لهم.

10. دعم مساعي قيادة الحرکة الوطنية لإعادة المناطق الکوردستانية التي مازالت خارج حدود إقليم کوردستان کمندلي و خانقين و بدرة و کرکوك و مخمور و وسنجار و غيرها من المناطق المسلوخة من کوردستان إلی الإقليم.

11. تثبيت الحقوق القانونية، الإجتماعية و الثقافية للکورد خارج الإقليم بما فيهم الکورد الفيليين في الدستور الکوردستاني و التأکيد علی تمثيلهم في البرلمان الکوردستاني و الأجهزة و الدوائر الحکومية في الإقليم.

12. العمل من أجل وضع هذه التوصيات في إطار قانوني و تشريعي يصدر في البرلمان الکوردستاني و المجلس النيابي العراقي حسبما يتعلق الأمر بهما.

ان من يلقي نظرة خاطفة على هذه القررات والتوصيات ليدرك ان ماكتب كان غاية في الروعة والواقعية ، ولكن السؤال هنا .... كم من هذا الكلام المنمق والمزوق قد تم تطبيقه على ارض الواقع لغاية يومنا هذا... ومن هي الجهة المسؤولة عن ذلك.... هل هي لجنة المتابعة التي تم تشكيلها في المؤتمر والتي بتقديري الشخصي ولدت ميتة.... هل هي النخبة الكوردية الفيلية التي لم تستطع لغاية اللحظة ايجاد مرجعية موحدة تتحدث وتطالب بحقوقها باسم شريحة عريضة ومظلومة من ابناءالشعب الكوردي الفيلي في كوردستان و العراق والمنافي.... ام هي القيادات الكوردية التي لم (تتابع) لجنة المتابعة وقد تكون انشغلت بهموم واولويات اكثر اهمية من محنة الكورد الفيليين!!!!!!..... او ان مؤتمر اربيل كان اصلا منبرا اعلاميا تم عقده للاستهلاك الانتخابي وجرى فيها دغدغة مشاعر وعواطف الشريحة الفيلية ومعها كل الشرفاء من ابناء شعبنا الكوردي المتعاطفين مع محنتهم لغايات انتخابية بحتة.... اتذكر قولا مهما للسيد مسعود البرزاني في المؤتمر حينما قال سيادته... (في المرة القادمة حينما نجتمع ثانية اريد ان ارى ماذا طبق من هذه القرارت وماذا فعلنا من اجلها) .... ياترى اذا قدر للسيد البرزاني ان يلتقي بالحضور من المؤتمرين او المكلفين بتطبيق مقررات مؤتمر اربيل او غيرهم.. ماذا سيكون الجواب ... ومن يجب ان يجاوب وكيف..... سؤال اطرحه على كل من يهمه استعادة كل انسان كوردي مظلوم لحقوقه وعلى رأسهم ضحايا حملات التهجير والابادة والانفال والتجارب الكيماوية من كوردنا الفيليين .... و كيف يقبل الكورد في كوردستان ان ينعموا بالخير والرفاه ولا يزال لهم اخوة في الدم والمصير قابعين في خيمهم المهترءة في ايران بانتظار المساعدات الانسانية من هذه المنظمة او تلك....اذا كان الاخرون ينصرون بني جلدتهم وهم ظالمون ...
فلم لا ننصر اخواننا وهم مظلوميين ، او كما يسمون انفسهم وهم محّقون (عاثري الحظ، به د به خته كان)..... الى متى سيبقى كوردنا الفيليين عاثري الحظ..... ايها الكورد السعداء !!!!!!!!

صفوت جلال الجباري
safwatjala@hotmail.com

المصدر: شمس الحرية، 23/7/2006