هجرة العراقيين خارج بلدهم تركت آثاراً سلبية على النسيج الاجتماعي

وأفرغت البلد من كفاءاته العلمية
تدهور الوضع الأمني والبطالة من أبرز أسبابها
بغداد - حيدر كاطع
وقف علي عبد الكريم امام احد مكاتب السفر في منطقة الصالحية حاملا حقائبه ليستعد مع العشرات للمغادرة الى رحلة المجهول بحثا عن ملاذ آمن.يقول عبد الكريم: ان خيار السفر قد فرض علي ولم يكن في بالي ان اغادر بيتي وبلدي فأنا املك محلا لبيع الاجهزة الكهربائية في الكرادة خارج

وأعمل هناك منذ عام 1996 مع ابن عمي والحمد لله توسعت تجارتنا بعد ان تجاوزنا اياما قاسية مرت علينا، لكن ليست بهذه القساوة التي نواجهها اليوم، قساوة ترغمك على مغادرة بلدك. ويضيف.. قصتي بدأت عندما وضعت ورقة تحت ماسحة سيارتي حملت عبارة”يجب ترك منزلك خلال ثلاثة ايام والا سوف يكون الثمن حياتك وعائلتك) لهذا قررت الهجرة مع عائلتي الى سوريا، بالطبع هناك العشرات بل المئات من القصص التي تشابه قصة علي ولعل مشاهد القتل الطائفي والتهجير هي ابرز الاسباب التي دفعت الكثيرين الى السفر.
ابو عادل صاحب احد مكاتب السفر قال: يشهد مكتبي حركة غير طبيعية للسفر من قبل اشخاص وعوائل باكملها وتنطلق من 4 الى 5 مركبات كل يوم ويضيف ابو عادل لقد لجأ اغلب الناس للطريق البري لأن تذكرة الطائرة باهظة الثمن وتصل اسعارها الى (700) دولار ومع ان الطريق غيرآمن فهناك قطاع الطرق والمجموعات الارهابية لكن لسائقي المركبات طريقهم في التخلص من هؤلاء.

هجرة الاساتذة
اساتذة الجامعات وخبراؤها نالوا الحصة الكبرى من قضية التهديد والقتل الطائفي مما جعلهم يعيشون دوامة العنف من دون مبرر سوى انهم اساتذة جامعات، وهنا اوضح استاذ جامعي: ان موضوع الهجرة موضوع شائك ومعقد ولا ينحصر بزاوية ولا يقف عند جانب، وهو يعود بالخسارة على جميع القطاعات اذ ان اغلب الاساتذة قد غادروا البلد نتيجة للظروف غير الاعتيادية التي نمر بها، فالاختصاصات النادرة قد غادرت لتعرضها للتهديد او الاغتيال.
وقال الاستاذ الذي فضل عدم ذكر اسمه لدواع أمنية طبعاً: ان عملية الهجرة عملية مدبرة ومنظمة وهناك اطراف تمولها وتخطط لها.
واحد من بين اهدافها هدم النسيج الحي في الجسد العراقي عن طريق افراغ العراق من كفاءاته العلمية. وأضاف ان السبب الامني لم يكن وحده وراء الهجرة بل ان هناك اسبابا اخرى لكني اعتقد ان هذه الاسباب يمكن معالجتها بمرور الوقت والامر يستحق وقفة جادة لأن الاستاذ العراقي ذو امكانيات متميزة في التدريس والتأقلم مع الاوضاع والتفاعل مع المتغيرات لهذا فان اغلب الجامعات في(الاردن وليبيا واليمن ) ما زالت تحتفظ بالاساتذة العراقيين الذين هاجروا اليها في التسعينيات.

حلول خجولة
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قامت من جانبها بخطوات واجراءات لمعالجة المشكلة اذ قامت الوزارة بتعيين اكثر من(5000) من حملة الشهادات العليا في محاولة منها لردم الفجوة التي احدثتها الهجرة، هذا من جانب ومن جانب اخر شكلت العديد من اللجان لمتابعة ظاهرة قتل وتهديد الاساتذة منها لجنة حماية التدريسيين التي تضم مجموعة من المسؤولين في الوزارة وممثلين عن النقابات والاتحادات المعنية ومن الملاحظ ان هذه اللجنة قد اقتصر دورها داخل الحرم الجامعي او خارجه بحسب ما ذكره لنا مصدر في الوزارة.

وطن للهاربين
تشير تقديرات غير رسمية الى انه منذ اكثر من ثلاث سنوات هاجر ما يقارب المليون مواطن عراقي قاصدين دول الجوار وخاصة الاردن هربا من الانفلات الامني.
ام احمد تقول: ان شقيقتها قصدت عمان مع عائلتها بعد ان دفعت(15) مليون دينار كفدية لولدها”اسامة : بعد خطفه، وتصف ام احمد حال اختها انها تعيش حالة مأساوية فان زوجها بلا عمل هناك.
هذا الهروب الجماعي خلق وطنا جديدا من العراقيين الهاربين من التهديد والتهجير وشبح البطالة فاكثر العوائل هناك تعيش بصورة جيدة بحسب ما ذكرته ام احمد وان السلطات الاردنية تمنح تأشيرة الاقامة لمدة لا تتجاوز ثلاثة اشهر وفي بعض الاحيان بضعة ايام هذا التشديد فرض بعد الانفجارات الارهابية التي طالت عمان. وقد شارك في تنفيذها عراقيون واليوم تدفع العوائل العراقية ضريبة ذلك العمل الارهابي بعد ان دفعوا اكثر من راحتهم وأمنهم في وطنهم العراق.

خلل في التركيبة الاجتماعية
ويرى مجموعة من اساتذة علم الاجتماع بأن ظاهرة الهجرة تعد من الظواهر الخطيرة التي اصابت المجتمع واثرت على جميع مفاصله، وبغض النظر عن الطبقة المهاجرة سواء المتعلمة( الطبيب والمهندس والاستاذ) او العاملة (كالحرفي). فالهجرة خلقت خللا في تركيبة المجتمع وبطبيعة الحال فان المهاجرين هم الطبقة المنتجة في البلد اي الشباب دون سن 45 عاما وبالتالي ارتفاع النسب المستهلكة في البلد ما فوق سن 45 عاما وعندئذ يصنف المجتمع ضمن مجتمعات الشيخوخة واصلا ان مجتمعاتنا تعاني من قلة نسبة الذكور بوصفها الطبقة المنتجة نتيجة الحروب المتلاحقة التي خاضها فضلا عن العمليات الارهابية التي تستهدف الاسواق والمحال والعمالة بصورة عامة، وبالتالي زيادة نسبة الاناث مما يقودنا الى ظاهرة العنوسة ناهيك عن التفكك الاسري الذي يحدث عن مغادرة ولي الامر(الاب).
فالاسرة تصبح في وضع غير مستقر. ومعرضة للانهيار فالابن والبنت يفعلان ما يريدان من دون حسيب ولا رقيب والام هنا تحاول ان تمثل دور الاب وبالتالي اهمال العديد من الجوانب الاسرية. فضلا عن المشكلات المادية التي تعصف بالاسرة ما يضطرهم للبحث عن وسائل الكسب ونحن نعاني اليوم من ظاهرة البطالة التي القت باثارها السلبية (ظاهرة الارهاب) فالظاهرة الواحدة تنمو وتولد ظواهر اخرى جديدة.

الهجرة والواقع الصحي
اما الجانب الصحي فهو المتضرر الاكبر من ظاهرة الهجرة اذ تعاني مستشفياتنا اليوم من نقص واضح في الاطباء وخاصة (اطباء الاختصاص).
يقول د. مؤيد سالم الذي يعمل في احد مستشفيات مدينة الصدر ذات الكثافة السكانية العالية ان اكثر زملائه في المهنة قد سافروا.
ويوضح د. سالم بان الاوضاع الامنية المتردية في البلد دفعت العديد من الاطباء الى مغادرته والاستقرار في دول الجوار او اقليم كردستان الذي يتمتع باستقرار امني ملحوظ مما كان له الاثر السلبي على واقع المستشفيات في العراق. فانا اعمل في مستشفى يستقبل من 300 الى 500 بين مريض ومراجع يوميا فالملاك الطبي هناك لايتناسب مع هذا العدد ونحن نؤدي اكثر من دورنا.
ويضيف د. سالم انه في اغلب الاحيان لايرى اهله لعدة ايام لاضطراره للبقاء في المستشفى فضلا عن النقص الحاد في الادوية والمستلزمات الطبية.
ويذكر بأن اغلب الاطباء الذين كان يستعان بهم في استشارات طبية قد سافروا.
ويشير الى ان الوضع الامني لم يكن الدافع الوحيد في دفع الكثير من الاطباء الى الهجرة.
فقلة الرواتب والحوافز والمخصصات وتعرض الطبيب الى مضايقات رجال الشرطة والجيش واشر د. سالم الكثير من الحالات التي تعرض زملاؤه فيها الى التجاوز والضرب في بعض الاحيان من قبل العناصر الامنية نتيجة لفقدان احد زملائهم.
وينبه الى ان الهجرة قد اسهمت في خلو صالات العمليات اليوم من الاطباء الاختصاص. فيقول: نحن اليوم لانقوم بالعمليات ذات الموقف الحرج لقلة الخبرة لدى اغلب الاطباء.
فضلا عن ضعف الملاكات الطبية في بعض المجالات نتيجة لقلة خبراتها في التعامل مع الكثير من الحالات فيجب على وزارة الصحة الانتباه الى تلك النقطة ومعالجتها عن طريق ادخال تلك الملاكات في دورات تدريبية.

المصدر: صباح، 4/9/2006