الكرد الفيليون: معاناة طويلة..خيبة أمل مريرة

الكرد الفيليون جزء لا يتجزأ من الامة الكردية، التي يمتد تاريخها الى الاف السنين، فهم امتداد للحضارة الميدية والعيلامية سكنوا شرق دجلة منذ الاف السنين الى غرب جبال زاجروس، ومن اهم المدن التي يقطنها الكرد الفيليون في العراق مندلي وخانقين وبدرة وجصان وشيخ سعد وعلي الغربي وكميت وعمارة والكوت والبصرة ولهم انتشار ضعيف في بقية المحافظات، وفي بغداد تركز سكنهم في منطقة الكفاح وابو سيفين وفضوة عرب وابو دودو ومناطق من الدهانة والشورجة وحي (الاكراد) في مدينة الصدر وحي جميلة وكانوا يعيشون شانهم شأن بقية العراقيين حتى بدأت تتأزم اوضاعهم بعد انقلاب شباط 1963 الذي شكل انعطافة في حياة الكرد الفيليين، اذ تعرضوا للاضطهاد والتنكيل لانهم ساندوا ثورة 14 تموز ووقفوا بالضد من الانقلابيين وعلى اثر تصاعد الروح الشوفينية والمد العروبي بعد 1968 ونتيجة لذلك، بدات حملات التسفير بداية السبعينيات وتشديد الخناق عليهم، حتى اضطر الكثير منهم الى تغيير لقبه واستبدال قوميته وادعى الانتماء العربي خشية التسفير او الاعتقال بشتى التهم الجاهزة، ونتيجة لعمق انتمائهم لهذا الوطن عملوا المستحيل للتشبث بارض العراق وتم لهم ذلك بمعاونة الكثير من رؤساء العشائر الذين احتضنوهم وعاملوهم من دون تمييز الا ان البعض منهم وعلى وفق المفهوم العشائري عوملوا باعتبارهم منتمين بالخرقة (ذباب جرش) اي انه من الدرجة الثانية وفي الثمانينيات، بدات اشرس حملة للتسفير بحجة الرعوية الايرانية فسفروا حتى من كان يحمل مستمسكات ووثائق تعود الى القرن التاسع عشر، واولى حملاتهم شملت التجار منهم، فصودرت املاكهم ثم امتد تعسفهم ليشمل اكثر من نصف مليون مهجر فضلا عن مصادرة املاكهم وحجز من كان عمره اكثر من 18 عاما اذ غيبوهم في السجون حتى شكلت اجسادهم مقابرا جماعية غطت جغرافية الوطن، اذ ابتلعت هذه المقابر اكثر من 20000 كردي فيلي، ولم تسلم النساء منهم، اذ تم اعدام اكثر من (350) امراة مع اطفالهن في سجن (نقرة السلمان) ومن تبقى من هؤلاء فقد تعرض للمضايقات والابتزاز والتهديد من قبل ضعاف النفوس وبعض رجال الامن وازلام النظام، وبقوا يعيشون في الظل والخفاء عسى ان تحدث المعجزة ويزول النظام.. وهكذا عانوا ما عانوا طيلة حكم الطاغية، اما الذين هجروا الى ايران فكانوا باسوأ حال اذ ظلوا عرضة للمساءلة والمراقبة، اذ سفروا في خضم الحرب وحساسية الظرف القت بظلالها على ذلك فضلا عن تردي الوضع الاقتصادي من جراء الحرب، فانتابهم شعور بانهم ضيوف ثقلاء او مصدر قلق، خشية ان يكون من بينهم من يعمل طابورا خامسا وبعد معاناة شديدة لسنين طويلة حتى استقروا وكان يشار لهم بـ (بيت عرب) على الرغم من انهم امضوا ربع قرب في ايران، واشكالية الانتماء هذه لم تكن الوحيدة، فكان همهم الاول، العودة لارض الوطن، الذي كان جميلا في عيونهم حين غادروه وتربطهم به الاف الخيوط والشرايين والاوردة والاصدقاء والجيران والحنين للاماكن والمدن والمدارس.. والحارات.. وبيوتهم التي بنوها بالدم والدموع، حتى اقتلعوهم منها عنوة وهكذا كانوا ماخوذين بهاجس العودة (الحلم) الذي انتظروه سنين وسنين حتى تحقق ذلك لهم بعد الزلزال النيساني في 9 نيسان 2003 فتحرقوا شوقا للمجيء الى العراق، لكنهم اصطدموا بالخيبة الكبرى، فبدلا من استقبالهم بالاحضان ومهرجانات الفرح.. فهاهم مرة اخرى يجب اثبات رعويتهم، وبيوتهم اصبحت عصية عليهم بعد ان استحوذ عليها في الاعم الاغلب رجال امن او مخابرات بذريعة القانون، وشرعنت الحكومة السابقة بيع بيوتهم لانتهازيي الفرص اذ رفض العراقيون شراء هذه البيوت باعتبارها (مغصوبة) ولا يجوز سكنها وحتى الصلاة فيها، وهكذا ذهبت لهفتهم وامالهم ادراج الرياح، فقد استقبلتهم وجوه تتطاير شررا وتهديدات مختلفة المشارب. فطرقوا ابواب الحكومة العراقية ورئاسة الجمهورية والجمعية الوطنية، وحكومة اقليم كردستان والقادة الكرد، باعتبارهم جزءا من الامة الكردية الا ان كل هذه الجهات لم تنصفهم، وما زال هناك من يعدهم كردا من الدرجة الثانية، ولم يشعروهم حتى الان بالحميمية وصدقية الانتماء ويتمظهر ذلك من خلال حضورهم في برلمان كردستان، او بالمناصب الحكومية المهمة، على الرغم من تضحياتهم الجسيمة لرفد الحركة الثورية الكردستانية، ولا الحركات الشيعية الحاكمة الان، وتضحياتهم الكبيرة فيها، فقد قدموا القرابين لدعم هذه الحركات ولكن لم يتحرك احد منهم لرفع الظلم والحيف عنهم ولا حتى الاحزاب العلمانية التي احترقوا وقودا لها، ولم يحصدوا سوى الوعود بالشقق السكنية وقطع الاراضي وبعد كل الذي زرعوه حصدوا الهواء وعاد اغلبهم مكرها الى ايران هذه المرة بمحض ارادته.

عبدالجبار خضير عباس

المصدر: صوت العراق، 10/9/2006