هل للبعثيين ـ ألصداميين بقية من صدقيه ومصداقية وأمانة تأهلهم للمصالحة والدخول في العملية السياسية؟

يثبت تاريخ ما بعد انقلاب 17 تموز 1968 إن البعثيين-ألصداميين انقلبوا على شركائهم وعلى رفاقهم من غير ألصداميين وعلى ألآخرين الذين لم يقدموا لقائدهم الطاعة التامة والولاء الأعمى، وغدروا ونكّلوا وبطشوا بهم دائما.

انقلبوا أولا على شركائها في انقلاب 17 تموز بعد أسبوعين فقط من الانقلاب وخانوهم وغدروا بهم بعد إتمام سيطرتهم على السلطة في العراق سيطرة تامة وبدؤوا في إقامة نظام دكتاتوري شمولي قمعي.

وخان هؤلاء البعثيين-ألصداميين رفاقهم البعثيين القياديين والكوادر البارزة من غير ألصداميين حين قرر صدام حسين إقامة سلطة مطلقة لنفسه في الحزب والدولة وغدروا بهم بعد أيام معدودات وقتلوا رفاقهم بوحشية وخسة دون تقديمهم للقضاء ومحاكمتهم ولو محاكمة صورية.

عندما أيقن صدام أنه لا يستطيع القضاء على الحركة القومية الكوردية دخل في محادثات معهم، بنوايا مبطنة سيئة وبتظاهر كاذب بالنوايا الحسنة، كما بينت التطورات اللاحقة، فتم توقيع اتفاقية 11 آذار عام 1970. ولكن بعد فترة قصيرة قام بمحاولة اغتيال القائد القومي الكوردي الكبير مصطفى البرزاني بواسطة عدد من "رجال الدين" ثم بمحاولة اغتيال ابنه المرحوم إدريس البرزاني القائد الكبير في الحزب الديمقراطي الكوردستاني عندما كان في بغداد لأجراء مفاوضات مع الحكومة. وحين لم يستطع الإيقاع بالحركة القومية الكوردية بالتآمر والأساليب الملتوية الأخرى، خان البعثيون-الصداميون العراق شعبا ووطننا حين تنازلوا لشاه إيران عن نصف شط العرب وأراضي عراقية على طول الحدود بين الدولتين بموجب اتفاقية الجزائر الموقعة من قبل صدام والشاه في آذار عام 1975.

بعد أن بسط البعثيون-الصداميون سيطرتهم على كوردستان خانوا شركائهم الشيوعيين في الجبهة الوطنية وحاولوا شق صفوف الحزب الشيوعي العراقي وفي نفس الوقت بدؤوا الغدر والتنكيل والبطش بالشيوعيين الذين رفضوا تقديم الطاعة والولاء لهم.

غدر البعثيون-الصداميون بالمواطنين العراقيين من الكورد الفيلية حين دعوا كبار تجارهم إلى "اجتماع" في غرفة تجارة بغداد في نيسان 1980 وأخبروهم كذبا إن الدولة ستمنحهم إجازات استيراد والذي تبين انه فخ لجمع أكبر عدد منهم وأخذهم إلى دوائر الأمن العامة ثم إرسالهم إلى إيران من هناك مباشرة، والتي كانت إشارة البدا لحملة البطش والتنكيل بمئات الآلاف من الكورد الفيلية بإسقاط جنسياتهم العراقية وفرهدة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ومصادرة جميع وثائقهم واختطاف وحجز الآلاف من شبانهم المغيبين.

بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وسيطرة رجال الدين على الحكم وتصور البعثيين-ألصداميين أن إيران أصبحت ضعيفة وبأن إدارة ريغان ستساندهم قام قائدهم صدام حسين بتمزيق اتفاقية الجزائر من على شاشات التلفزيون ليثبت بذلك للعالم مرة أخرى أنه يفتقد للصدفية والمصداقية ولا يؤتمن جانبه وليكشف ثانية أساليب غدره وخيانته للاتفاقيات والعهود والوعود المحلية والدولية، وبدأ حربا تسببت في قتل مئات الآلاف من الجانبين ودمرت العراق سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

بعد انتهاء الحرب مع إيران بفترة وجيزة قام البعثيون-الصداميون بخيانة حلفائهم ومموليهم من الحكومات العربية، خاصة الكويت، فخانوا الكويت وغدروا بقادتها وبشعبها واستباحوا أهلها وأرضها بوحشيتهم المعهودة، فغزوا البلد "العربي" "المسلم" الجار وسيطروا على أموره حتى أكمل المجتمع الدولي تحشيد قوة كافية لطردهم من الكويت شر طردة وأوقعت في صفوفهم هزيمة منكرة وكبدتهم خسائر فادحة في الأفراد والمعدات (سموها فيما بعد "انتصار" في "أم المعارك"). سببت هذه الحرب ويلات ومآسي لشعب العراقي وخراب ودمار للعراق كله ولاقتصاده ( المنهك أصلا بسبب حرب الثماني سنوات مع إيران) وللكويت "العربي" "المسلم" وشعبه واقتصاده. كما إن الحرب تسببت في فرض عقوبات اقتصادية صارمة على العراق سببت المعاناة للغالبية العظمى من العراقيين.

وأخيرا وليس آخرا، خان الصداميون-البعثيون بعضهم البعض في حرب 2003، كما يؤكد صدام وحاشية، وكما يؤكد أيضا "خبراء" و"محللو" الصحف والفضائيات العربية المعروفة (وعلى رأسها القدس العربي والجزيرة).

الخط العام المتواصل لدى البعثيين-ألصداميين الذي أشير إلى بعض محطاته البارزة في السرد المختصر الوارد أعلاه يبين أن ديدنهم هو من جانب، التظاهر بما هو ليس ما يبغون فعلا والغدر والخيانة والبطش والتنكيل "بالأضعف" منهم، خاصة بمن يخالفهم الرأي والعقيدة ويعارض ممارستهم القمعية والعبث بمقدرات العراق الاقتصادية وتبذيرها على المغامرات والحروب الداخلية والخارجية وعلى ألأبهة والمتعة والقصور. ومن جانب آخر، هو الخنوع ، ولو إلى حين، أمام "الأقوى" عندما يشعرون بالضعف لحين تلتئم سواعدهم (لحين أن "تنجبر" "أياديهم المكسورة"، تبت أياديهم) وتقوى لينقضوا بوحشيتهم المعهودة على ضحاياهم "الأضعف" منهم وعلى من يعارض بطشهم أو يطالب بحقوقه.

تجد البعثيين-ألصداميين، ولو كانوا قلة نسبيا، في صفوف السياسيين والعسكريين، في المدينة والريف والبادية، بين المتعلمين والأميين، بين العرب والكورد والتركمان والكلدو-آشوريين والسريانيين، بين المسلمين والمسيحيين والأديان الأخرى، بين السنة والشيعة، بين رجال الدين المعممين والعلمانيين، بين العراقيين والعرب والأجانب.

على ضوء ما جاء أعلاه لا تتم مواجهة فكر وممارسات البعثيين-ألصداميين بالتصفية الجسدية خارج القضاء ودون محاكمة ولا "بعفي الله عما سلف" ولا "بالمصالحة والدخول في العملية السياسية" بل بالمصارحة وكشف حقائق الحقبة الزمنية التي هيمنوا فيها على دست الحكم وعلى مقدرات العراق ورقاب الشعب العراقي، وبمحاسبة من تسبب في موت العراقيين ومن سرق وفرهد ألأموال العامة والخاصة، ليس فقط رؤؤس النظام السابق الذين أصدروا أوامر ارتكاب هذه الجرائم والجرائم الأخرى ضد الإنسانية بل الذين نفذوا هذه الأوامر أيضا من البعثيين- ألصداميين العاملين في مختلف صنوف ومسميات القوات المسلحة والاستخبارات والميليشيات (مثل فدائيي صدام وغيرها) والحماية والشرطة والمخابرات والأمن، من عراقيين وغير عراقيين، بتقديمهم للمحاكمة وإنزال العقاب القانوني بحفهم، وكشف ما حل بالمحجوزين المغيبين وغيرهم من العرب (من سجناء سياسيين وضحايا الانتفاضة وتجفيف ألاهوار وغيرها) والكورد (من الكورد الفيلية والبارزانيين والايزيديين وضحايا الأنفال والسجناء السياسيين والفتيات والكورديات المسلمات اللواتي تم تصديرهن إلى بلاد العُرب للمتعة والتسلي) وتركمان ومندائيين (صابئة)، ومن ضباط الجيش من مختلف الرتب العسكرية ومن البعثيين غير ألصداميين ومن الشيوعيين والتقدميين والإسلاميين ورجال الدين ورجال العلم وغيرهم. كما يمكن الكلام عن المصالحة والمشاركة في العملية السياسية عند كشف الحقائق وتقديم المعلومات عن مصير المغيبين. لم نر ولم نسمع لحد الآن رجالا بين البعثيين-ألصداميين يتجرؤون على كشف هذه الحقائق أو إعطاء هذه المعلومات حتى الذين قد يُعطوا الحصانة القانونية إذا كانوا من المشاركين فيها.

في ضعفهم أعاد البعثيون-الصداميون تنظيم صفوفهم وتظاهروا بتقدم التنازلات للآخرين والتعاون والتحالف معهم لحين تحقيق أهدافهم ثم حشدوا قواهم لينقضوا على السلطة وقاموا بخيانة شركائهم الآخرين والغدر والتنكيل بهم. هذا ما يبينه تأريخ البعثيين-ألصداميين منذ 1968 وهم ألان وفي وجودهم خارج السلطة يهددون ويتوعدون العراقيين الذين لا يتفقون معهم في الرأي بالويل والثبور وكبائر الأمور. فهل من العقل والمنطق، حتى الشرق أوسطي، تصور أو تخيل حصول تغير نوعي في فكر وممارسات البعثيين-ألصداميين يؤهلهم للمصالحة ولإدخالهم في العملية السياسية؟ وهل يؤتمن جانبهم على ضوء تاريخ ممارساتهم منذ انقلاب 1968؟ لم نسمع أو نقرأ منهم إعادة تقييم لفترة حكمهم أو نقد لفكرهم العدواني الشوفيني الرافض للغير ولممارساتهم القمعية أو لعدوانهم على البلدان المجاورة. الذي نسمعه ونقراه منهم هو الدفاع عن كل ما حصل في ظل حكمهم والإصرار على نفس الفكر العدواني الشوفيني الرافض للغير والذي أضافوا إليه فكر العصبية الطائفية بوضوح أكثر وعلى نفس الممارسات العدوانية والغدر والبطش والتنكيل الذي يمارسونه ألآن يوميا في العراق. أن ما يقوم به ألان البعثيين- ألصداميين "علنا" هو نفس ما كانوا يقومون به سرا زمن حكمهم حين كانوا يهيمنون على كل أجهزة الدولة العراقية. أما إذا تظاهر البعثيون-الصداميون بقبول "المصالحة" و"الدخول في العملية السياسية" فسيكون ذلك لحين أن تسنح لهم فرصة تمكنهم من الانقضاض على السلطة من جديد (كما فعلوا منذ 1968 وحتى )2003 ولبدأ حملات إغراق العراق في حمامات دم بادعاءات سياسية وقومية وطائفية ومناطقية وغير ذلك مثل الأصل والتبعية وما شاكل ذلك. وكما يقول المثل العراق الدارج "والحبل على الجرار".

مواجهة أفكار البعثيين-ألصداميين تتم عن طريق نشر الفكر الإنساني، فكر التعايش السلمي وقبوا الآخرين والسلم الاجتماعي في عراق ديمقراطي اتحادي تعددي، نشره بمختلف وسائل الإعلام وفي المناهج الدراسية والحياة العائلية، هذا الفكر الإنساني المضاد لفكرهم الإرهابي العدواني الرافض للغير والمبني على الحرب والإرهاب والغدر والبطش والتنكيل بالآخرين باسم القومية والتقدمية والاشتراكية أحيانا وباسم الدين والطائفية أحيانا أخرى وكلتاهما أحيانا أُخر، حسب متطلبات اللعبة السياسية والمناخ الاجتماعي. وتتم مواجهة ممارسات البعثيين-ألصداميين بالالتزام بقيم ألقرن الحادي والعشرين المبنية على الديمقراطية والتعددية وسيادة القانون والسلم السياسي والمدني والاجتماعي وحماية أموال المجتمع وممتلكات الناس وتحسين مستوى معيشتهم، هذه القيم المتقدمة المضادة لقيمهم البالية و لممارساتهم الهمجية، التي تعود "للجاهلية الجديدة"، المتضمنة نحر رقاب البشر وقطع رؤوس الناس حتى الأطفال الأبرياء وسبي النساء واغتصاب البنات وعلى "الغزوات" وتعيين "الأمير"وإنشاء "إلا مارة" ونهب وسلب وفرهدة وتدمير أموال المجتمع والممتلكات العامة والخاصة.

من الصفات الكريمة الأساسية التي أطلقها العرب المسلمون على النبي محمد (ص) صفتي "الصادق" و"الأمين". البعثيون-الصداميون، الذين يمسك رئيسهم القرآن الكريم في يديه عندما يجلس في قفص الاتهام، لا يفتقدون إلى هاتين الصفتين فقط بل انتهكوهما طوال تاريخهم ولا زالوا على سيرتهم يواصلون.

"وذكّر إن نفعت الذكرى"، صدق الله العظيم.

ماجد الشيخلي
13/10/2006