لسان الكورد واحد

بين آونة واخرى تصلني مذكرة لا تحمل أسماءً أو تواقيع وقد تحمل اسماء أشخاص أوأطراف وهمية، يطالب فيها كاتبها أو كتابها بالتوقيع عليها، لتأييدهم في تبني لهجتهم الكوردية كلغة للدراسة والإدارة في مناطق سكناهم مراعاة لحقوق الإنسان وحفظا لها من الإنقراض والتدهور وتعرضها للنسيان، ويشددون على حكومة هه ولير وبرلمانها بتلبية مطالبهم، وذكر ذلك في دستور كوردستان.. وجل هذه البيانات تكتب وترسل من خارج كوردستان الفيدرالية.

بادئ ذي بدئ أود أن اقول لأصحاب هذه البيانات بان لهجتي الكوردية التي اتحدث بها ـ كلهجاتهم الكوردية هم ـ تختلف عن اللهجة الرسمية الكوردية التي اكتب بها واقرأ واُدوِّن، مثلما أن كل إنسان على وجه البسيطة يتكلم بلهجة ويكتب بأخرى .. ويظهر أن البعض يقوم بهذا الأمر وهو لا يرى إلا ظاهر المسألة أو طرفا منها ولا يسبر غورها ليصل إلى حقيقة مفادها ان مثل هذه المحاولات ليست إلا بداية خطيرة ـ وخطيرة جدا جدا ـ لتعريض شعبنا للإنقسام والتشتت والتشرذم اللغوي ـ المؤكد ـ بعد أن كان موحدا ـ ومازال ـ منذ عهد الملك محمود الحفيد 1922 ومن ثم جمهورية كوردستان 1946 برئاسة القاضي محمد ومن ثم ثورة أيلول 1961 بزعامة الراحل البارزاني مصطفى وإلى عهد رئيس العراق مام جلال ورئيس كوردستان كاك مسعود ودولة رئيس الوزراء كاك نيجيرفان.

وقد أثبت تطبيق الدراسة باللهجة الرسمية الحالية في ربوع كوردستان منذ عام 1970 وبعد إتفاقية 11 آذار ـ خاصة ـ نجاحها وكونها قادرة على أن تكون لغة كل العلوم ولجميع ألأقاليم الكوردية، حتى أصبحت لا تتحمل منحها صفة لهجة، وذلك لكثرة المفردات والتعابير الداخلة إليها من اللهجات الأخرى والتطورات الحاصلة في فروعها واغصانها التي زادت الكورد بهجة.

رحم الله الشهيد سامي عبدالرحمن السنجاري الذي كان من القادة الذين كانوا يؤكدون دائما على مسألة ( وحدانية اللهجة ) والحفاظ على ( وحدانية الإملاء )، وقد بدا موقفه الوطني والعاقل هذا في مؤتمر إتحاد معلمي كوردستان الثاني المنعقد في شقلاوة بداية السبعينيات من القرن المنصرم، والذي خرج الأساتذة والمربون فيه بصوت واحد فيما يخص إستعمال اللغة الأدبية الموحدة..

فكما ان الخالق لم يجعل ( لرجل من قلبين في جوفه ) كذلك يستحيل جعل لهجتين مولودتين من نفس اللغة رسميتين في دولة واحدة، من دون حدوث إشكالات جمة لاتخدم الأمة، ولا ينتهي الأمر إلا بحدوث تصدعات تقضي على الآمال التي كانت معقودة لدى اصحاب الهمة لتصل بهم إلى القمة. وقد يوحي هذا الكلام بشئ من اليأس والشؤم، ولكن التبكير بتشخيص المرض ومصارحة المريض ـ كما هو شيمة الأوربيين ـ افضل من تمنية النفس بالأماني الخادعة التي تؤدي إلى الموت أو البلاء والعقم، وخاصة لأن الأمر موصول الصلة بمستقبل شعب لا يريد التشرذم. وهذا لا يعني إهمال اللهجات بطبيعة الحال في مجالاتها، وإنها كذلك باقيات صالحات إلى يوم يقال للمؤمنين ( ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ).

ولعل بني جلدتنا من تلاميذ سبعينيات القرن الماضي في منطقة بهدينان العزيزة والذين درسوا باللغة الفصحى ولم يلاقوا أى صعوبة أو عناء يذكر في الكتابة أو التفاهم او المخاطبة وظهر من بينهم كتاب وكوادر، خير مثال على نجاح التدريس بتلكم اللهجة ونجاح العملية برجال عُدوا من النوادر.. ولولا مؤامرة النظام البائد على اللغة الكوردية ومنعها هناك، لَحققَ الكورد الكثير من الخطوات الهامة على هذا الصعيد، ولظهر لنا الكثير من الكتاب أمثال الأستاذ سربست بامرني والدكتور الشهيد نافع عقراوي والأستاذ هشام عقراوي المشرف العام على موقع صوت كوردستان، مثلما ظهر لنا ـ سابقا ولاحقا ـ كتاب آخرون في مناطق أخرى أثرَوا الكوردية بانتاجاتهم الرائدة أمثال الأساتذة الملا جميل روزبياني والعلامة الملا عبدالكريم المدرس ومحمد الملا عبدالكريم وفاتح الملا عبدالكريم وصلاح الدين محمد بهاءالدين وحمه كريم هه ورامي وعثمان هه ورامي والشيخ محمد امين كاردوخي وكامل بصير وفلك الدين كاكه يي وفهمي كاكه يي وئاسو بياره يي .. مع كونهم يتكلمون لهجتهم الخاصة المختلفة عن لغة الفصحى المعتمدة.

إن كان أهلنا الأعزاء كورد الشمال ( تركيا ) يجدون مشقة في تعلم الكوردية السائدة في الجنوب، فان هذا ليس ناتجا عن كونها صعبة ـ مع كون هذا الإفتراض غير مقبول تربويا في دنيا التعليم والتدريس ـ ، بل لكونهم هم أصلا ـ ونتيجة للإضطهاد العرقي والحرمان ـ لا يجيدون حتى لهجتهم المحلية وأغلبهم يجيد التركية فقط.. والزائر لمدينة دياربكر ـ مثلا ـ لا يظن أنه يتواجد أصلا في اعرق المدن الكوردية، لكون التركية مسيطرة تماما على كل مناحي الحياة وكون الكوردية لغة أجنبية بل مرفوضة قانونا.! في حين أنك لن تجد بهدينانيا ـ مثلا ـ لا يفهم اللهجة الرسمية على الأقل، وكذلك الكثير من كورد الشمال أو غرب كوردستان ( سوريا ) الذين يقيمون في الدول الأوروبية.. حتى إنني في زياراتي إلى قناة روزـ تيفي الكوردية ـ أيام كانت تحمل إسمي ميديا ومد الحبيبتين الرائعتين ـ لم اجد احدا لا يفهمها أو لا يجيدها.

وإن تعجب فعجب كون البعض يستصعب تعليم لغته ويستسهل لغة الآخرين..! وأنا ما أظن ان تعلم اللغة الكوردية الرسمية المعتمدة في جنوب كوردستان اصعب لطفل في شمال كوردستان او غربها، من تعلم طفل تونسي او جزائري أو مغربي أو موريتاني أو بدوي أو بربري للغة العربية. والتلميذ الاجنبي يُؤهل في ظرف سنة للدراسة باللغة السويدية مثلا.

ليس من العلم ولا من المنطق ولا من الممكنات، بل من القواصم التي لا عاصم لها أن تضع لهجة أخرى أو اُخريات في مقام الرسميات بجانب لهجة صارت ـ ما يقارب من قرن ـ رسمية وقادرة بشكل مُرضي على مسايرة مستجدات الحياة، بعد أن تطبع الناس عليها واتفق الكل بشكل تلقائي على جعلها فصحى، بحجة إنها ليست لغة الأكثرية، في حين إنها ليست لغة الأقلية كذلك.
فهل كل اللغات العالمية الرسمية كانت لغات الأكثرية، أم كانت في أحايين كثيرة لغات النخبة أو الملوك أو القدَر مثلا.؟

أستغرب من بعض الذين يحاولون ـ بلهو الحديث والجدال من غير وعي بعاقبة الامور ـ تخريب بيوتهم بأيديهم وهدم اعظم صرح لغوي كوردي من خلال جمع التواقيع، ولا يخالجني أدنى شك أنهم بهذا العمل يعملون على إيجاد لغات جديدة، إلا اللغة الكوردية.. إن الذي يطالب بتبني لهجته بجانب اللغة الكوردية الرسمية، عليه أن يدرك بأن هذه اللهجة التي هو يروج لها ستتحول وبمرور الوقت إلى لغة مستقلة شيئا فشيئا حتى لو قامت الدنيا ولم تقعد للحيلولة دون حدوثها، أو يصبح المرء في أحسن الأحوال كالذي ( ضيع المَشيتينْ ) كما يقول العرب أو ( ضيع الدينيَنْ ) كما يقول الكورد.. ولا يُعتقد أن عقلاء الكورد يرضون أو يسعدون بهذه الفوضى اللهجوية أو القيادة الكوردستانية تستسيغ تحويل كوردستان إلى ( سوق اللهجات ).

في الوقت الذي كنت في مكتبي وروضةِ يراعي في السويد منشغلا بكتابة الكلمات اعلاه، كان الوقت قد إقترب من الإفطار والبطن في إنتظار، إذا بي أسمع عبر الأثير ناظم الغزالي وهو يصدح في اغنيته خايف عليها : ( الوجه مبعث نور والصدر مرمر ) كنت في الحال وكأني به يصف أشعار وأدب ولغة شعراء الكورد وليس وجه وصدر حبيبته المرمري، والعيوب الموجودة على صفحات خدِّ لغتنا الكوردية لم تكد تتجاوز عندي آنئذ حدود ( خال على صفحات خدِّ ) حبيبة ناظم الغزالي.. فتبارك الله أحسن الخالقين.

محسن جواميرـ كاتب كوردستاني
mohsinjwamir@hotmail.com
 


المقالة أدناه نشرتها سابقا وهي بمثابة مقدمة او إضافة للمقالة أعلاه

هل أقرَّ برلمان كوردستان اللغة الكوردية المشتركة..؟

محسن جوامير ـ كاتب كوردستاني

تناهى إلى الأسماع خبر مفاده أن البرلمان الكوردستاني قرر إعتبار الكرمانجية الجنوبية ـ أي السورانية ـ اللهجة المشتركة في جنوب كوردستان، وبالتالي إعتمادها لغة المخاطبات الرسمية والتعليم في المدارس والمعاهد والجامعات في أنحاء البلاد، وذلك كخطوة أولى لبناء صرح كوردستان الموحد بحيث تنتهي حالة الإنقسام اللهجوي.

لابد من ذكر أن اللهجة الكرمانجية الجنوبية أصبحت منذ أكثر من قرن من قبيل اللهجة المشتركة في جنوب وشرق كوردستان، وتوج ذلك رسميا بعد إتفاقية آذار 1970 حيث أصبحت الدراسة في كل جنوب كوردستان باللغة الكوردية وباللهجة المذكورة، وكذلك جميع الأنشطة الثقافية والأدبية، إضافة إلى انها دُرست في كثير من المناطق العراقية، حتى في البصرة.

وللعلم فان لهجة الزعيم الراحل مصطفى البارزاني الأصلية كانت الكرمانجية الشمالية ـ أي البادينية ـ ، ولكن جل خطبه وخطاباته كانت بالكرمانجية الجنوبية ـ أي السورانية ـ ، ونفس التوجه ينطبق على ولده كاك مسعود وحفيده نيجيرفان.

نستشف مما ذكر أن جل قادة الكورد أجمعوا ضمنيا وعمليا على جعل الكرمانجية الجنوبية لغة الكتاب والخطاب، أي جعلها بمثابة لهجة قريش بين أخواتها، مع الإحتفاظ والإستئناس ببقية اللهجات والقراءات السبع الأخرى كما يقال.

إن صح الخبر، فهو من المُبَشرات، لانه مهما كانت الأعذار والمسوِّغات فان الدراسة والكتابة بعدة لهجات تعتبر إشارة خطر حمراء ونذيرا لتعرض الأمة الواحدة إلى إنشقاقات وتشرذمات لهجوية، بحيث يصل الأمر ـ شئنا أم أبينا ـ أو تفلسفنا ـ إلى نشوء الشعوب والقبائل في رحم شعب واحد، شيئا فشيئا، عاجلا أم آجلا، كحال شعوب اللغات التي تنبع أصلا من أرومة واحدة. وهذا ليس قولي وإنما هو قول علم وعلماء الألسن واللغات واللهجات.. لذا يستوجب النظر إلى الأمور والمشاكل بواقعية.

مهما قيل بأن الأمر ممكن حله مع مرور الوقت وبالتزامن مع إستعمال اللهجات، فان هذا لا يعدو أن يكون خداعا للنفس وركضا وراء الأمنيات التي تخالف حركة ومنطق التاريخ في تطور اللهجات، إن لم تضبط حفظا من التجزئة والإنقسام.. وتسليم مثل هذه القضايا للقدر والرهان على المستقبل والتسويف في المعالجة كما نلاحظ ونقرأ في بعض الأحيان، ليس إلا محض خيال ومجرد معاكسة للسنن التي تشكل على ضوءها اللهجات واللغات حتما.. أي إن العكس سيكون هو سيد الموقف في مثل هذا الحال، وهو أن كل لهجة ـ على الرغم من إنتماءها إلى أصل واحد مع باقي اللهجات ـ تتحول إلى لغة مستقلة مادامت اُعتمدت في التدريس مثلا، بالرغم من وجود التشابه والتقارب الكبيرين في القواعد أو المفردات فيما بينها وبين اللهجات الاُخرى، والحالة الأسكندنافية أسطع مثال على ذلك، حيث إنك قلما تجد سويديا لا يفهم الدانماركية أو النرويجية، وكذلك العكس، هذا في حال كون كل لغة فيها مستقلة وأصحابها أمم مستقلة.

سبق وأن ذكرت في رسالة ـ بالكوردية ـ موجهة لرئيس الدولة كاك مسعود البارزاني، خطورة إعتماد عدة لهجات في الدراسة، وبالتفصيل. ولم يكن مهماً عندي أية لهجة تكون هي الرئيسة، وإنما الأهم هو أن تقتصر على واحدة، وبغض النظر عن قلة او كثرة المتكلمين بها، وبهذا نضمن وحدتنا القومية إلى يوم القيامة، وإلا فلا أشك بأننا ـ وبعد خمسين سنة من الدراسة بمجموعة لهجات ـ نصبح اقواما يقال أنهم كانوا كوردا. وقد كتبت لسيادته ايضا أن لو كانت الدكتاتورية خطيئة في كل شئ، فانها حسنة في فرض لهجة معينة لتوحيد اللغة والأدب، والحسنة بعشر أمثالها.!

لم أقرأ لحد الآن بأن ثمة في العالم أمة متقدمة وواحدة تقرأ أبناءها بلهجتين، لهذا لابد من إستيعاب الخطر والعمل على احتواء هذه الأزمة وإجتماع الكل على لهجة واحدة موحدة، وجعلها لغة فهم وتفاهم مشترك وبالسرعة الممكنة.. وهذا لا يعني تفضيل لهجة على أخرى، بقدر ما هو حرص على بقاء الكورد ـ بدون أي تخوف ـ كأمة واحدة، إن أردنا لها.

ولا يُقصد من هذا تهميش بقية لهجاتنا الأخرى والتقليل من أهميتها وشأنها، فاللهجات باقيات صالحات إلى يوم تشخص فيه الأبصار، ويمكن الإستفادة من كل لهجة في إغناء وإثراء اللغة الرسمية دائما وابدا، إضافة إلى كون اللهجات وما كتب بها أو ما يُتغنى بها يعتبر تراثا داعما ورافدا مضافا إلى ذخائر اللغة الفصحى. وكذلك لا يعني هذا عدم مراعاة حالات إستثنائية وظرفية خاصة في بعض الأقاليم لحين توفر الشروط الموضوعية، مع إلتزام التمحور حول اللغة المشتركة السائدة رسميا والطواف حولها وإيجاد الآليات اللازمة وتأهيل الكوادر الكفوءة لتعميمها في كل بقعة من الوطن.

ثم لا يخفى على احد بان اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية الثانية في الدولة الفيدرالية وسوف تدخل حيز التطبيق وتصل حتى إلى الأهوار والصحاري، وستكون موضع إهتمام شعوب المنطقة كذلك.. لذا من الضرورة بمكان أن يستقر الرأي على إعتماد وإختيار لغة الفصحى من بين لهجاتنا، حتى يتسنى لجميع الأطياف ألتفاهم مع جميع الكورد، وكذلك تزداد الحماسة على تعلمها.

إن تنفيذ هكذا مقررات لن يكون سهلا بطبيعة الحال، ولاشك إنه بحاجة إلى وقت وجهد وآليات، وأعداء الكورد لم يعطوا الفرصة لهم ليشتغلوا قبل عقود وفي إطار دولتهم ـ كباقي الشعوب والأمم التي قد تزداد لهجاتها عن الكوردية ـ على هذا الأمر والتفكير بجد في قضايا جد مهمة كقضية توحيد اللغة. ولكن لا يُبْنى كل شئ ولا يتحقق كل إنجاز خلال جيل واحد، وإنما هو عملية مستمرة.
ولعل من حسن حظ الكورد إن الآخذين بزمام أمور كوردستان اليوم، بجانب كونهم ساسة فانهم مثقفون وواعون وقراء للتأريخ والجغرافية والسياسة.

وفي الختام، يكون من المستحسن والممتع أن يعلم القارئ الحبيب لهذا المقال بأن جدتي ـ لأمي ـ كانت تتكلم اللهجة الكرمانجية الشمالية ـ البادينية ـ ، وإن جدي ـ لأبي ـ كان يتكلم اللهجة الكرمانجية الجنوبية ـ السورانية ـ .. وعسى أن يتكلم ويسطر أبناءنا واحفادنا من بني كوران واحمدي خاني وجزيري ومولوي وسيدي هورامي والدكتور عبدالله الهرشمي والملا أفندي والعلامة إبراهيم الدوغرمجي و زبير بلال وجكرخون والشهيد نافع عقراوي وهه زار وهيمن والخزنوي وحبيب محمد كريم الفيلي والمردوخي وعربي شمو، باللغة الكوردية الموحدة وفي أقرب فرصة باذن الله. !

mohsinjwamir@hotmail.com