فأل الله و لا فألكم ، البعث لن يعود
إذن فهو خضير المرشدي (عفوا الرفيق الدكتور) وما شاء الله، ما أسرع ما أصبح عضو قيادة قطرية، وما الغرابة في هذا فهو يناضل ويكافح الإحتلال في سوريا كما كافح وناضل عمه
صدام من سوريا ومصر بعد أن هرب من العراق في أيام (النضال السلبي) فهم كلهم هكذا، أما أن تحميهم المناصب والكراسي واما ان يكونوا (في الهزيمة كالغزال).
دعوني أحدثكم عن هذه النماذج التي عايشناها من خلال أيام العمل في كلية طب بغداد. هذه الكلية العريقة التي هي من أقدم كليات الطب في المنطقة... (الكلية الطبية الملكية العراقية)،
الله... ما أحلى إسمها وما أحلى أيامها وما أحلى كل ما تمثله من القيم العلمية والإجتماعية و التاريخية. كم من الأمهات العراقيات نذرن النذور أن يوفق الله أولادهن وبناتهن إلى القبول فيها،
وكم من الشباب والشابات دخلوها أول يوم متهيبين من عظمتها ثم غادروها بشهادة كانوا وما زالوا يفتخرون بها في العالم كله، كلية كان الجميع يغبطون طلبتها، حتى طلبة الكليات الطبية
الأخرى في العراق. كلية تأسست عام 1927 على يد الدكتور هاري سندرسن عميدها الأول، الذي أنزل البعثيون أمثال خضير المرشدي صورته من بين صور العمداء وحرم علينا ذكر
إسمه والسؤال عن مصير صورته، فيا لهؤلاء المناضلين الذين تخيفهم الصورة ويخيفهم إسم شخص مات من عشرات السنين.
كانت شروط القبول في هذه الكلية عسيرة وكان التفوق الدراسي أحدها، وكان منها المقابلة التي تمتحن فيها شخصية الطالب ولياقته الإجتماعية وصلاحيته ليحمل شرف وأمانة هذه المهنة
الراقية: مهنة الطب. لكن وللأسف ومنذ أن إستلم البعثيون حكم العراق ضاعت القيم كلها ومنها القيم المتعارف عليها في هذه الكلية، فقبل فيها إستثناء من شرط المعدل والشروط الأخرى،
من كانوا أعضاء الإتحاد الوطني في الدراسة الثانوية وأبناء المناضلين حاملي شارة الحزب وأبناء الشهداء وأبناء البعثيين العرب ممن طردتهم حكوماتهم ولجأوا إلى العراق (الذي أصبح في
فترة حكم البعث خان جغان)، وأبناء ثوار تموز وأبناء أصدقاء (وصديقات) صدام وأبناء المسؤولين و.. و.. و.. وطبعا لأن عدد المقبولين محدود مقدما، فإن أصحاب المعدلات العالية
الحقيقية فقدوا فرصهم في القبول وذهبوا إلى كليات أدنى أو كليات الطب في المحافظات.
وخلال سنوات الدراسة، ولأن هؤلاء الطلاب غير مؤهلين لهذه المواد الصعبة فإنهم يرسبون و يكملون فيها كل سنة، ولو كانت جدران غرفة العميد تتكلم لتحدثت عن مجالس الكلية التي
تعقد في نهاية السنة لإضافة درجات القرار على الدرجات الأصلية لينجح هذا وذاك، هذا عدا الغش في الإمتحانات الذي يتغاضى عنه المراقب البعثي الذي أما أن يكون المسؤول الحزبي
للطالب أو أن يكون الطالب مسؤوله. وما الذي يحدث بعد التخرج؟ بقدرة قادر يتعين هؤلاء على ملاك الكلية مما يعني أن يفقد الأوائل الحقيقيون فرصتهم في أن ينخرطوا في سلك التدريس
في الكلية، لأن القبول للمعيدين محدود أيضا. وإلى حد منتصف الثمانينات كان هؤلاء يحصلون على أفضلية البعثات الدراسية خارج القطر ليعودوا (إذا عادوا) أساتذة في الكلية، ثم ومنذ
نهاية الثمانينات و شحة الموارد أصبحت لهم الأفضلية في القبول في الدراسات العليا داخل العراق (البورد و الدكتوراه). وهذا هو الخط الذي سلكه خضير المرشدي وأشباهه والذي يريد أن
يعيده إلى العراق مع عودة البعث (لا سمح الله). ومثل المرشدي كثيرون، أصبحوا في غفلة من الزمن وللأسف، أساتذة في هذه الكلية العريقة، ومنهم من لا يزالون فيها بعد أن غيروا
جلودهم ودخلوا أحزابا أخرى (حسب التعليمات التي عممها عليهم سيدهم صدام في أواخر أيام حكمه)، ومنهم من كانوا مسؤولين عن سحب عدد من الطلاب من القاعات الدراسية وتسليمهم
إلى الأمن خلال الثمانينات و الكل يعرف من هم هؤلاء ولا داعي لذكر أسمائهم فإننا ننتظر فيهم قصاص الله العادل لا إنتقام البشر.
آخر ما أذكره من خضير المرشدي هو صيف عام 2002 حين قرروا (لا أعرف من الذي قرر) تدريب السيدات من عضوات الهيئة التدريسية في جيش القدس (يا للمهزلة، القدس التي
ضيعتها الجيوش العربية البطلة تعيدها إستاذات جامعة بغداد، ما شاء الله، وأين هم الرجال، لا ندري). المهم جرى جمعنا يوم 1 تموز وأبلغونا أن من لن تتدرب لن تحصل على أي إيفاد
ولو ليوم واحد ولا أي من الإمتيازات الأخرى وأن التدريب سيكون لمدة شهرين من الساعة 10 – 12 صباحا و في الساحات المفتوحة، ولكم أن تتصوروا. كانت من بين المتدربات حوامل
ومصابات بإرتفاع ضغط الدم أو نوبات إنخفاضه ومصابات بالربو، وكانت إحدى الأستاذات كبيرات السن قد أجريت لها عملية القلب المفتوح قبل أشهر وإضطرت إلى فتح قميصها لتريهم
ندبة الجرح (لا حول ولا قوة إلا بالله) و لكن لا فائدة، إنه جيش القدس والمرشدي هو المسؤول عن التدريب. كما كانت من بين المتدربات أستاذات الإختصاصات السريرية اللواتي
تتعارض ساعات التدريب مع مسؤولياتهن الأخرى (العيادات والمختبرات والعمليات وتدريب طلبة الصف السادس)، ولكن أيضا لا يوجد عذر فإن القدس تنتظر التحرير.
ثم جاء المدربون، ما شاء الله، كان قائدهم لواء طيار (من صقور الجو)، إي والله... جاء ببدلته العسكرية الزرقاء والنسر والنجوم والجناح التي تلمع كلها تحت أشعة تموز ليدربنا ويقودنا
إلى القدس، وجاء معه فريق يتكون من كل الرتب إلى النائب ضابط، هذه كانت مهمات الجيش العراقي الباسل قبل أشهر من الإحتلال الأمريكي. ثم بدأ (اليس يم) يوميا تحت شمس تموز
المحرقة ولمدة ساعتين (أمام أنظار الطلبة والموظفين والمراجعين، يا للمهانة). وبعد عدة أيام طفح الكيل، فإتفقنا على جمع الأموال من المتدربات وجمعنا مبلغا محترما إستطعنا أن نشتري
منه ساعة يدوية لكل واحد من فريق التدريب (الضباط البواسل) قدمناها لكل منهم مع مبلغ 25000 دينار لكل واحد ودعوة غداء عملناها لهم في قاعة البكر (قوازي من الإنعام)، ثم طلبنا
منهم أن يكون التدريب داخل القاعة وبين يوم ويوم مع التساهل في الحضور. وكما يقول المثل (أطعم الفم تستحي العين) أصبح التدريب (قشمريات)، ووصلنا إلى التدريب على البندقية
وتفكيكها وتركيبها. أما النكتة الكبرى فهي أن التدريب يتضمن كورس في الإسعافات الأولية (تخيلوا أن أبو خليل يدربني أنا الأخصائية اللي بعمر أمه على الإسعافات الأولية) مهازل والله
مهازل، ثم وزعوا علينا إستمارات الإنتماء إلى الحزب وهنا (حصرونا بخانة اليك)، فتطوعت إحدى المعيدات الصغيرات الحلوات والتي كان أحد الضباط يحاول أن (يعمل معاها حركات)
بأن تتوسط لنا عنده بأن يعفينا من الإنتماء إلى الحزب لأننا على أبواب التقاعد (وعيب على هاي الشيبة تصير مؤيد بالحزب)، والحمد لله (الله هداه وفك ياخة).
ثم جاء يوم الرمي والذي كان علينا أن نذهب فيه إلى منطقة النهروان لكي ترمي كل أستاذة 3 طلقات من البندقية وهو بمثابة إمتحان التخرج من هذه الدورة المهزلة، فما العمل ونحن لم نرم
قبل هذا ولا طلقة، بل أنني لا أعرف حتى إستعمال مصيادة العصافير. أخذنا المسؤولون الحزبيون (من تنظيمات الكلية والجامعة) منذ الصباح الباكر، وتحرك أكثر من عشرين باص مليء
بالأستاذات وذهبنا إلى النهروان، وفي النهروان لم نجد أي من الضباط أو الجنود أو العتاد، فقال المسؤول الحزبي للجامعة (الذي لابد أنه الآن يناضل في سوريا أو الأردن أو اليمن مثل
خضير المرشدي وأمثاله): نستطيع أن نعتبر أنكن قمتن بالرمي ونعود الآن إلى بغداد. وتعالت صيحات فرحنا لأننا خلصنا من الرمي، ولم نفهم اللعبة التي همس بها (الضابط الولهان) في
أذن المعيدة الحلوة (إن العتاد الذي كان المفروض أن نرميه قد جرى تقاسمه بين الرفاق والضباط، و إعتبر مستهلكا).
هؤلاء هم ضباط الجيش الباسل، الذي ترك مواقعه وإستبدل ملابسه العسكرية بالمدنية يوم 7 و 8 نيسان 2003 وقبل دخول القوات الأمريكية، ولم يقفوا هم وقائدهم ليموتوا ميتة الأبطال
على حدود بغداد. ولعنة الله ألف مرة على (بريمر) ولكنه ليس هو الذي حل الجيش، بل إن الجيش هو الذي حل نفسه.
وهؤلاء هم الرفاق الحزبيون الذي ينادي خضير المرشدي بعودتهم، الذين لم يهربوا يوم 9 نيسان، ولكنهم ولأنهم كانوا في الخفارة الحزبية لحماية كلية الطب فقد تولوا مهمة سرقتها وتخريبها
بشهادة الأطباء المقيمين الصغار الذين رابطوا في المستشفى التعليمي (مدينة الطب) وحرسوه بأرواحهم وإستمروا في علاج المرضى والجرحى، وشاهدوا بأم أعينهم أساتذتهم البعثيين
يسرقون الأجهزة من الكلية، وعندما عدنا بعد الإحتلال إلى الدوام أخبرونا بما شاهدوا، وليكذبني خضير المرشدي ومن على شاكلته لو إستطاع.
هذا هو البعث الذي يريدن له أن يعود (والمقاومة مستعدة للتفاوض مع الأمريكان، ما شاء الله).
تمر و لبن
المصدر:
كتابات، 25/10/2006