في كركوك.. مدارس من خيام وطلاب يبحثون عن صفوف!

بسبب النمو السكاني وعودة المهجرين
كركوك ـ محمد علي بابا
بعد مدارس الطين التي ما زالت اعداد منها تنتشر في بعض اطراف المدن وفي الوحدات الادارية الصغيرة في انحاء مختلفة من العراق، فقد برزت في الآونة الاخيرة وفي محافظة كركوك بالذات ظاهرة انشاء المدارس من الخيام.. فهنا تلاحظ خيمة الادارة، وهناك خيمة الهيئة التعليمية، اما تلك فخيام يمثل كل منها صفاً دراسياً ينحسر داخله بحدود تسعين تلميذاً وتلميذة.

ان السياسة العقيمة التي اتبعها النظام السابق في التهجير القسري للمواطنين هو ما اوجد آلافاً من المحرومين من حقوق السكن والتعليم، فما ان عادت العوائل المهجرة الى مواطنها الاصلية اثر سقوط ذلك النظام، حتى وجدت نفسها في مواجهة ازمات عدة في مقدمتها السكن وتعليم الابناء.
فقد فوجئت العوائل العائدة الى منازلها، عندما وجدت مناطق سكناها وقد حولتها اجهزة النظام الى خرائب وأماكن مدمرة، فلا منازل ولا خدمات اجتماعية او بلدية او تعليمية، لكنها بأية حال تبقى ارض آبائهم وأجدادهم لابد ان يتمتعوا بحقوقهم عليها.
فراحوا يتخذون من الطين بيوتاً ومن الخيام مدارس لأبنائهم، فيما استطاع بعضهم ان يؤجر منزلاً داخل المدن.. إن عودة المهجرين الى مناطقهم في كركوك اثرت كثيراً على العملية التربوية في المحافظة متسببة في زيادة مضطردة في اعداد التلاميذ والطلاب قياساً الى عدد المدارس والصفوف المتوفرة.
وأزاء ذلك فقد شهدت كركوك والوحدات الادارية التابعة لها استحداث عدة مؤسسات تعليمية في محاولة لإمتصاص الزيادة الحاصلة في عدد الطلاب العائدين مع عوائلهم الى جانب ما اضافه النمو السكاني الى مجموع الطلاب والتلاميذ.
ومن هنا فقد تجاوزعدد المدارس 1063 موزعة بين روضة أطفال حكومية وأهلية ومدرسة ابتدائية و ثانوية ومهنية وإعدادية دراسات إسلامية ومعاهد للمعلمين والمعلمات. وفيما يخص عدد الملاك التعليمي والتدريسي في هذه المدارس فقد بلغ 21239 وبلغت إحصائية المدارس باللغات القومية الى407 مدرسة باللغات الكردية والتركمانية الإبتدائية والسريانية. فيما بلغ عدد الطلبة في جميع المدارس 2,323,393 طالبا و طالبة. وقد تم تعيين 1784 معلماً ومدرساً خلال العام المنصرم وإعادة تعيين 1984 معلماً ومدرساً وموظفاً خدمياً.
ومع كل ذلك، ظل بعض المدارس لا يستطيع استيعاب جميع التلاميذ الملتحقين بها مما يضطر عدد من التلاميذ والطلاب الى البقاء خارج الصفوف وأحياناً يعيدهم المدرسون الى بيوتهم لعدة أسابيع كون بعض المدارس لم تنجز أعمال الترميم و البناء فيها ومثال ذلك إعدادية الشورجة ومدرسة بابا كركر ومدرسة داستان في منطقة الحرية في مدينة كركوك.
تعاني إعدادية الشورجة من زيادة في عدد الطلاب بما يقارب 150 طالبا. أما في ناحية آلتون كوبري يعاني المئات من الطلاب من عدم وجود مدرسة تستوعبهم وهذا الحال أدى إلى جلوس الطلبة في بيوتهم بطلب من مدراء هذه المدارس، واستدعى ذلك ان يتقدم اولياء الامور بطلبات الى السلطات المحلية بإيجاد حل عاجل لأبنائهم و لمنع حرمانهم من الدراسة.
ففي احصائية تربوية بلغ عدد الطلاب والتلاميذ الذين لايجدون صفوفاً دراسية يتعلمون فيها (1500) تلميذ وطالب.

مدارس من خيام
ان من يلاحظ هذه المدارس المشيدة من الخيام في مدينة كركوك التي تحتوي على اكبر الاحتياطات النفطية في العالم، لا شك سوف يثير المنظر استغرابه فأمامه تتكون لوحة مثيرة فهذه مجموعة من الخيام تنتشر هنا وهناك بينها خيمة لمدير المدرسة والأخرى للمدرسين وخيام اخرى تتخذ صفوفاً دراسية للطلاب حيث تستوعب كل خيمة 90 طالباً ويقدر عدد هذه المدارس بسبع مدارس من الخيام في كركوك.. ينبغي ان نذكر بأن طلاباً قد يكونوا احياناً فائضين لا يجدون لهم مكاناً داخل هذه الخيام..! ان من بين اكثر المناطق التي تشكو من ازمة المدارس مناطق (بنجة علي) وكردستان. وقام بعض من أولياء الأمور في بنجة علي بترميم مبنى مهجور كان يستخدم معملا واتخذوه مدرسة لأبنائهم لتقيهم من حر الصيف وبرد الشتاء، ويشتكي مدرسو ومعلمو المدارس المبنية من الخيام من تعرض الطلاب الى أمراض كثيرة و منها فقدان الوعي والغثيان نتيجة لبقائهم في داخل الخيام أثناء فترة الحصص الدراسية.
لابد لنا ان نشير ايضا الى ان كثيراً من هذه الخيام لا تصمد امام الرياح العاتية والاعاصير وكم من مرة دمرت او تبعثرت تلك الخيام وأعيدت من جديد..
بروين محمد أمين رئيسة لجنة التربية والتعليم العالي في مجلس محافظة كركوك تقول عن هذه الأزمة "اعتبر هذه الظاهرة معضلة بحد ذاتها لأنها ستدمر مستقبل هؤلاء الأطفال إذا لم نجد الحل لهم بأسرع وقت ممكن وبصفتنا لجنة تربوية إرتأينا وضع حل مؤقت يتمثل في تزويد هذه المدارس بكرفانات (غرفة متنقلة مبنية من صفائح الحديد أو بمواد أخرى) وبأسرع وقت ممكن فهذه بدورها لا تحتاج إلى أية جهود ويمكن نصبها في وقت اقل. وعن السبب وراء هذه الأزمة، فترجعه الى عودة المرحلين الذين هم أصلا من سكنة كركوك مما أدى الى التضخم الهائل في إعداد الطلبة وبالتالي إلى عدم استيعاب المدارس لهذا الكم الهائل من الطلاب.
تضيف محمد امين قائلة: "حتى القرى والنواحي واجهت تلك المشكلة وبعد طرحنا تلك المشكلة إلى الجهات العليا المسؤولة اتخذت بذلك الصدد إجراءات مؤقتة و هو تنصيب كرفانات لأكثر من 30 مدرسة في كركوك و الأقضية والنواحي شملت (بنجه علي وبارود خانه والفيلق) لتتخذ صفوفاً دراسية أو لبناء مدرسة كاملة عوضاً عن الخيام"..
أما عن رياض الأطفال فقالت "واجهنا أيضا بعض المشاكل مثلا في قضاء دبس هناك روضة تجري فيها أعمال التعمير و الترميم مما اضطر مدرسيها الى إبقاء الأطفال في بيوتهم لحين الانتهاء من أعمال البناء وبعد مطالبة أهالي الأطفال قمنا باتخاذ إجراء مؤقت باستخدام بناية تابعة لدائرة الرعاية الاجتماعية ولكنها غير مستخدمة (مخصصة أن تكون حضانة للأطفال) وفاتحنا مدير الرعاية الاجتماعية في كركوك بدوره فأبدى استعداده لاستغلال البناية كروضة أطفال لحين الانتهاء من أعمال الصيانة في تلك الروضة مؤكداً بأنه لا مانع لديه ولكن بعد إعطاء الضوء الأخضر من قبل محافظ كركوك".

مبان جديدة
أما فوزية عبد الله، معاون المديرالعام لتربية كركوك، فتقول أن دائرتها قد قدمت مجموعة من المشاريع الى مجلس محافظة كركوك للمصادقة عليها شملت إنشاء أبنية للمدارس و صفوف إضافية في المدارس التي تعاني من نقص في الأبنية. و قالت: "نظرا لبدء العام الدراسي الجديد و لعدم إمكانية إنشاء أبنية في المناطق التي لا تتوفر فيها مبان للمدارس كمنطقة بنجة علي و فيلق وفي المدارس التي تعاني نقصا في عدد الصفوف الدراسية، ارتأينا وضع حلول مؤقتة لهذه المشكلة و ذلك عن طريق شراء كرفانات و تنصيبها داخل تلك المدارس لحين إستكمال إقامة الابنية المطلوبة.
و أشارت الى وجود قرابة 30 مدرسة تعاني من نقص في عدد الصفوف في مناطق مختلفة من كركوك منها قرهنجير و شوان و الدبس من ضمنها مناطق المرحلين و سيتم تزويدها بـ(30) كرفاناً وبتكلفة 300 مليون دينار عراقي و بتمويل من ميزانية تنمية الأقاليم و تسريع إعمار المحافظات لعام2006.
وعن قيام بعض مدراء المدارس (التي تعاني من نقص في أبنية لصفوف دراسية) بتوجيه طلابهم بالبقاء في البيوت لحين بناء صفوف، أكدت السيدة فوزية بأن تنصيب هذه الكرفانات في تلك المدارس
سيمهد الطريق في حلول مؤقتة لهذه المشكلة و بالتالي بإستمرار دوام هؤلاء في دراستهم بإتخاذ الكرفانات صفوفا دراسية لهم. و أن مثل هذه الجهود لن تبقي اية مدرسة داخل خيام.
هذا ومن المتوقع ارتفاع عدد المدارس إلى أكثر من 1070 مدرسة وكان قد تم تخصيص اكثر من 6 مليارات دينار عراقي من خطة ميزانية تنمية الأقاليم وتسريع إعمار المحافظات لعام2006 بواقع57 مشروعا داخل مدارس المحافظة منها انشاء أبنية لمدارس وصفوف دراسية ومختبرات ومرافق صحية وترميم وصيانة المدارس في أرجاء محافظة كركوك ومنها المناطق المتضررة والمرحل اهلها. وكان مجلس محافظة كركوك قد صادق مؤخرا على شراء مجموعة من الكرفانات كحلول مؤقتة لاستيعاب الزيادة الحاصلة في عدد الطلاب.
وعلى الرغم من هذه الظروف التي تحيط بالعملية التربوية في كركوك، فان نسبة النجاح في الامتحانات بدوريها الاول والثاني للعام الماضي وكما يقول مدير عام التربية "شن عمر" كانت جيدة بحيث حققت المديرية نتائج متقدمة في جميع المراحل الدراسية مقارنة بالسنوات الدراسية السابقة فكانت نسب النجاح في المرحلة الابتدائية 85% والمتوسطة 78% أما الإعدادية فرعها العلمي 62% والأدبي 58% والدراسات الإسلامية 69% ، والدراسة المهنية 76%.

المصدر: جريدة الصباح، 28/10/2006