الصداميون: أَحوج إلى الإصلاح منه إلى المصالحة؟

يكشف تاريخ ألصداميين منذ أن وصلوا إلى السلطة في انقلاب شباط الأسود 1963 وخاصة بعد انقلاب 17 تموز 1968 إنهم ليسوا أهل للثقة لا يؤتمن جانبهم وليس عندهم مثقال ذرة من مصداقية وصدق وان تظاهروا بعكس ذلك عند حاجتهم إلى ذلك. فهدفهم ألأول والأخير هو السيطرة على الحكم والهيمنة التامة على سلطة الدولة وكل وسيلة ومكيدة وغدر مقبول لديهم لتحقيق ذلك. انقلبوا على رفاقهم من البعثيين غير ألصداميين وعلى شركائهم من القوميين وحلفائهم من الديمقراطيين والوطنيين وعلى الدول العربية التي ساعدتهم سياسيا وماليا ولوجستيا عندما أدخلوا أنفسهم في مآزق سياسية ومغامرات عسكرية عبثية وعلى أطراف عراقية وقعوا معها اتفاقيات وعلى الحكومات التي ابرموا معها اتفاقيات دولية بحضور رؤساء دول عربية أخرى وعلى ألمواطنين العراقيين ممن لا ذنب واضح لهم ومن الذين لم يقدموا لقائدهم ولهم الطاعة التامة والولاء الأعمى، وغدروا ونكّلوا وبطشوا بهم ونهبوا وسلبوا ممتلكاتهم وسبوا نسائهم وديارهم وأهانوا حرماتهم ولا زالوا على تلك الممارسات مستمرون بوتائر متصاعدة بأفعال تعود للقرون الوسطى ولزمن الجاهلية. فألصداميون هم والإرهابيون صلب مشاكل العراق ونظامه السياسي الجديد وليسوا جزء من الحل لأن الحل الذي يريدوه هو عودتهم إلى حكم عراق دكتاتوري مركزي ذو قائد أوحد وحزب واحد وعقيدة سياسية واحدة ترفض الآخرين وتعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية وأدنى ووضع أجهزة الدولة في خدمة حزبهم ألبعثي-ألصدامي وتسخير موارد العراق لخدمة مصالحهم الفئوية ومغامراتهم العبثية الطائشة، إعادة تشكيل دولة العراقي القديمة والعتيقة التي هي النقيض التام والكامل لدولة العراق الجديدة والحديثة، العراق الفدرالي (الاتحادي) الديمقراطي البرلماني ألتعددي الذي يتم فيه تداول السلطة عن طريق الانتخابات والاقتراع السري العام وليس عن طريق مؤامرة قصر أو انقلاب عسكري. يريدون إحياء الدولة البعثية-الصدامية الفئوية (كانت دولة بعثية-صدامية فئوية كما تبين هيمنتهم المطلقة على الدولة وعلى مقدرات وموارد العراق، أرضا وشعبا، وكما تكشف القرارات والقوانين الصادرة عن صدام و"مجلس قيادة الثورة" بعد انقلاب تموز 1968 حتى السقوط) تلك الدولة التي لم يستطيعوا حمايتها والحفاظ عليها وانهارت في حرب 2003، يريدون إعادة هيمنهم التامة والمطلقة على دولة العراق بكل سلطاتها وأجهزتها ("إلنا الحكم وإلكم اللطم")، واستعادة الامتيازات الكاملة لفئتهم ("الفئة المنصورة") باستغلال الوسائل المتاحة (كما استطاع هتلر وحزبه النازي من الهيمنة المطلقة على السلطة في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي) عن طريق الانتخابات البرلمانية والأعمال الإرهابية في آن واحد، خاصة أن التشابه في الفكر (القائد الواحد والحزب الواحد والفئة الواحدة والاستعلاء والغرور القومي والغطرسة الفئوية واعتبار الآخرين من مرتبات أدنى الخ) وقي الممارسة (تنظيم سياسي إرهابي، خارج الحكم وفي الحكم، دولة بوليسية ومجتمع مغلق وقمع وبطش وحروب عدوانية وإبادة جماعي وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية الخ) بين صدام وحزب ألصداميين في العراق من جهة وهتلر والحزب النازي في ألمانيا) من جهة أخرى تشابه كبير.

- قتل البعثيون الزعيم عبد الكريم قاسم بعد أن عفا عنهم ("عفا الله عما سلف") في أعقاب محاولة الاغتيال التي شارك فيها قائدهم صدام.

- انقلب البعثيون على شركائهم في انقلاب 17 تموز بعد أسبوعين فقط من الانقلاب وخانوهم وغدروا بهم بعد إتمام سيطرتهم على السلطة في العراق سيطرة تامة وبدؤوا في إقامة نظام دكتاتوري شمولي قمعي.

- خان الصداميون رفاقهم من أعضاء القيادة القطرية والكوادر المتقدمة في الحزب الذين لم يكونوا مطيعين طاعة مطلقة وعمياء ولم يذعنوا إذعانا تام لصدام وغدروا بهم بعد أيام معدودات من قرار صدام إقامة سلطة مطلقة لنفسه في الحزب والدولة وقتلوا هؤلاء الرفاق بوحشية (بعد أن جرتهم "الحماية" جرا من قاعة الاجتماع وأمام الحاضرين بإشارة من صدام وتصوير ذلك في فيلم فيديو وزع فيما بعد على الرفاق لأخذ الدروس والعبر) دون تقديمهم للقضاء ومحاكمتهم ولو محاكمة صورية. غدروا بهؤلاء الرفاق لا لذنب ارتكبوه بل لأن صدام أراد أن يجعل من قتلهم بتلك الطريق الوحشية "درسا" لكل الرفاق وغير الرفاق الذين قد يتخيلون للحظة واحدة فتح أفواههم أو ألتجرؤ على النطق بكلمة واحدة دون إشارة مسبقة من الطاغية. وقاموا بقتل واغتيال أو محاولة قتل واغتيال كل بعثي لم يكن "صداميا".

- فشل صدام ونظامه في القضاء على الحركة القومية الكوردية المسلحة بقوة السلاح في بداية حكمه وأيقن أنه لا يستطيع القضاء عليها آنذاك دخل في محادثات معهم، متظاهرا إن نواياه حسنة ولكنه كان في حقيقة ألأمر يخفي نوايا مبطنة سيئة ويخطط في نفس ذلك الوقت كيفية تقوية نفسه عسكريا للقضاء عليها، كما بينت التطورات اللاحقة، فتم توقيع اتفاقية 11 آذار عام 1970. وبعد فترة قصيرة قام بمحاولة اغتيال القائد القومي الكوردي الكبير مصطفى البرزاني بواسطة عدد من "رجال الدين" ثم بمحاولة اغتيال ابنه المرحوم إدريس البرزاني القائد البارز في الحزب الديمقراطي الكوردستاني عندما كان في بغداد لأجراء مفاوضات مع الحكومة. وحين لم يستطع صدام وألصداميون الإيقاع بالحركة القومية الكوردية بقوة السلاح وبالتآمر والأساليب الملتوية الأخرى، خان الصداميون من جهة الحركة القومية الكوردية واتفاقية 11 آذار ونكثوا بوعودهم وعهودهم وغدر الصداميون بالكورد قتلا وإيذاء وتشريدا وإذلالا، وخانوا من جهة أخرى العراق بموجب نفس الاتفاقية، وأثبت الصداميون بموجب تلك الاتفاقية استعدادهم لخيانة من يدخلون معه في اتفاقات مكتوبة ووعود والتزامات شفهية حتى لو تطلب منهم ذلك خيانة العراق شعبا ووطننا وأرضا حيث تنازلوا لشاه إيران عن نصف شط العرب وأراضي عراقية شاسعة على طول الحدود بين الدولتين بموجب اتفاقية الجزائر الموقعة من قبل صدام والشاه في آذار عام 1975.

- حين تم للبعثيين-ألصداميين السيطرة على كوردستان ونكّلوا بالكورد خانوا الرفاق الشيوعيين الشركاء في الجبهة الوطنية وحاولوا شق صفوف الحزب الشيوعي العراقي بالمؤامرات والترهيب والترغيب وبأساليبهم الخبيثة الأخرى وفي نفس الوقت بدءوا حملات الغدر والتنكيل والبطش بالشيوعيين الذين رفضوا تقديم آيات الطاعة والولاء لسيدهم صدام.

- غدر الصداميون بالمواطنين العراقيين من الكورد الفيلية بدون ذنب اقترفوه حين دعوا كبار تجار الكورد الفيلية إلى "اجتماع" في غرفة تجارة بغداد في نيسان 1980 وأخبروهم كذبا إن الدولة العراقية ستمنحهم إجازات استيراد جديد وستوسع إجازات الاستيراد الممنوحة لهم لاستيراد السلع والمواد. تبين إن ذلك لم يكن سوى فخ أولي للإيقاع بهم وبالكورد الفيلية وغدرهم بجمع أكبر عدد منهم وأخذهم إلى دوائر الأمن العامة ثم إرسالهم إلى إيران من هناك مباشرة، كإشارة البدا لحملة البطش والتنكيل الواسعة بمئات الآلاف من الكورد الفيلية وإسقاط جنسياتهم العراقية وفرهدة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ومصادرة جميع وثائقهم واختطاف وحجز الآلاف من شبانهم المغيبين بشكل اعتباطي غير قانوني وغير شرعي.

- بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وسيطرة رجال الدين على الحكم وتصور ألصداميين أن إيران أصبحت ضعيفة وبأن إدارة ريغان ستساندهم قام قائدهم صدام حسين بتمزيق اتفاقية الجزائر من على شاشات التلفزيون ليثبت بذلك للعالم مرة أخرى أنه يفتقد للصدفية والمصداقية ولا يؤتمن جانبه وليكشف ثانية أساليب غدره وخيانته للاتفاقيات والعهود والوعود المحلية والدولية، وبدأ حربا تسببت في قتل مئات الآلاف من الجانبين ودمرت العراق سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

- بعد انتهاء الحرب مع إيران بفترة وجيزة قام الصداميون بخيانة حلفائهم ومموليهم من الحكومات العربية، خاصة الكويت، فخانوا الكويت وغدروا بقادتها وبشعبها واستباحوا أهلها وأرضها بوحشيتهم المعهودة، فغزوا البلد "العربي" "المسلم" الجار وسيطروا على أموره حتى أكمل المجتمع الدولي تحشيد قوة كافية لطردهم من الكويت شر طردة وأوقعت في صفوفهم هزيمة منكرة وكبدتهم خسائر فادحة في الأفراد والمعدات (سموها فيما بعد "انتصار" في "أم المعارك"). سببت هذه الحرب ويلات ومآسي لشعب العراقي وخراب ودمار للعراق كله ولاقتصاده (المنهك أصلا بسبب حرب الثماني سنوات مع إيران) وللكويت "العربي" "المسلم" وشعبه واقتصاده. كما إن الحرب تسببت في فرض عقوبات اقتصادية صارمة على العراق سببت المعاناة للغالبية العظمى من العراقيين.

- لم يتردد الصداميون في الإقدام على قتل العراقيين بالجملة وإبادتهم جماعيا إذا تطلب ذلك إشباع "غريزة" الانتقام البدائية عندهم، كما فعلوا، على سبيل المثال، بالشيوعيين بعد انقلاب 8 شباط 1963 ("ثورة رمضان) وبالكورد الفيلية عام 1980 وما بعدها وبالبرزانيين وبالكورد في عمليات الأنفال عام 1988 ومع الكورد والتركمان عند تنفيذ خطط تغيير المكونات القومية لكركوك، أو إذا شعروا أن بقائهم في الحكم مهدد كما فعلوا، على سبيل المثال لا الحصر، وقت الانتفاضة في الجنوب والهجرة الجماعية في كوردستان 1991 ومع الدليميين عند محاولة ضابط من الدليم في الحرس الجمهوري الإطاحة بصدام. والقبور الجماعية بطول العراق وعرضه خير دليل على ذلك. وهم ألآن لا يترددون عندما يقدمون على ارتكاب هذه الجرائم البشعة بحق العراقيين دون تمييز بعد أن فقدوا الحكم انتقاما ومن أجل إعادة هيمنتهم على السلطة من جديد.

- قتلوا وحاولوا قتل واغتالوا وحاولوا اغتيال رجالات المعارضة داخل العراق وخارجه من سياسيين ورجال دين ورجال أعمال، مدنيين وعسكريين، عرب وكورد، شيعة وسنة، مسلمين وغير مسلمين، عراقيين وغير عراقيين طوال فترة حكمهم وحين لم يكونوا في الحكم. لا مجال هنا لدرج أسمائهم وأماكن قتلهم أو اغتياله أو محاولة قتلهم واغتيالهم لكثرتها.

- وأخيرا وليس آخرا، خان الصداميون-البعثيون بعضهم البعض في حرب 2003 (عندما "صارت الحديدية حارة")، كما يؤكد ذلك صدام وحاشيته، وكما يؤكد ذلك أيضا "خبراء" و"محللو" الصحف والفضائيات العربية المعروفة (وعلى رأسها القدس العربي والجزيرة).

الخط البياني العام المتواصل للبعثيين-ألصداميين، الذي أشير بإيجاز إلى بعض تواريخه أعلاه، يبين بوضوح لكل مَن يريد أن يرى أن ديدنهم كان من جانب، التظاهر بما هو ليس في قلوبهم (التظاهر بغير نواياهم الحقيقية) وانتظار أولى مؤشرات ضعف عند الذي هو أقوى ( سواء كان قوى عراقية أو دول جوار) واستغلال أول فرصة سانحة للانقضاض عليه والغدر والبطش والتنكيل به. أما مع الذي هو "اضعف" فقاموا بغدره والبطش به متى شاءوا. ومن جانب آخر، فديدنهم كان الهرب والاستسلام والخنوع للقوي (كما هربوا واختفوا عند انقلاب عبد السلام عارف عام 1963، وأثناء معارك حرب "تحرير الكويت" عام 1991 وفي حرب "تحرير العراق" عام 2003) بعد أن انهاروا وضعفوا ووهنوا، ثم وانتظروا لحين التئام سواعدهم ( لحين أن "تنجبر" "أياديهم المكسورة") وإعادة تنظيم أنفسهم للانقضاض من جديد.

تجد البعثيين-ألصداميين، ولو كانوا قلة نسبيا، داخل أجهزة الدولة وخارجها، داخل العراق وخارجه، في صفوف السياسيين والعسكريين، في المدينة والريف والبادية، في صفوف العشائر وبين الحضر، بين المتعلمين والأميين، بين العرب والكورد والتركمان والكلدو-آشوريين والسريانيين، بين المسلمين والمسيحيين والأديان الأخرى، بين السنة والشيعة، بين رجال الدين المعممين والعلمانيين، بين العراقيين والعرب والأجانب.

على ضوء ما جاء أعلاه لا تتم مواجهة فكر وممارسات ألصداميين بالتصفية الجسدية خارج القضاء ودون محاكمة ولا بـ"عفا الله عما سلف" ولا بـ"المصالحة" بل بالمصارحة وكشف حقائق الحقبة الزمنية التي هيمنوا فيها على دست الحكم وعلى مقدرات العراق وعلى رقاب الشعب العراقي، وبمحاسبة من تسبب في موت العراقيين ومن سرق وفرهد ألأموال العامة والخاصة، ليس فقط رؤؤس النظام السابق الذين أصدروا أوامر ارتكاب هذه الجرائم والجرائم الأخرى ضد الإنسانية بل الذين نفذوا هذه الأوامر أيضا من ألصداميين العاملين في مختلف صنوف ومسميات القوات المسلحة والاستخبارات والميليشيات (مثل فدائيي صدام وغيرها) والحماية والشرطة والمخابرات والأمن، من عراقيين وغير عراقيين، بتقديمهم للمحاكمة وإنزال العقاب القانوني بحفهم، وكشف ما حل بالمحجوزين المغيبين وغيرهم من العرب (من سجناء سياسيين وضحايا الانتفاضة وتجفيف ألاهوار وغيرها) والكورد (من الكورد الفيلية والبارزانيين والايزيديين وضحايا الأنفال والسجناء السياسيين والفتيات والكورديات المسلمات اللواتي تم تصديرهن إلى بلاد العُرب للمتعة والتسلي) وتركمان ومندائيين (صابئة)، ومن ضباط الجيش من مختلف الرتب العسكرية والبعثيين المدنيين غير ألصداميين أو ممن رفضوا تقديم الطاعة العمياء والولاء التام الكامل لقائدهم ومن الشيوعيين والتقدميين والإسلاميين ورجال الدين ورجال العلم وغيرهم. كما يمكن الكلام عن المصالحة والمشاركة في العملية السياسية عند كشف الحقائق وتقديم المعلومات عن مصير المغيبين. لم نر ولم نسمع لحد الآن رجالا بين ألصداميين يتجرؤون على كشف هذه الحقائق أو إعطاء هذه المعلومات حتى الذين قد يُعطوا الحصانة القانونية وعدم محاسبتهم إذا كانوا من المشاركين فيها.

في ضعفهم أعاد الصداميون تنظيم صفوفهم وتظاهروا بتقدم التنازلات للآخرين والتعاون والتحالف معهم لحين تحقيق أهدافهم ثم حشدوا قواهم لينقضوا على السلطة وقاموا بخيانة شركائهم الآخرين والغدر والتنكيل بهم. هذا ما يبينه تأريخ ألصداميين منذ 1968 وهم ألان وفي وجودهم خارج السلطة يهددون ويتوعدون العراقيين الذين لا يتفقون معهم في الرأي بالويل والثبور وكبائر الأمور. فهل من العقل والمنطق، حتى الشرق أوسطي، تصور أو تخيل حصول تغير نوعي في فكر وممارسات ألصداميين يؤهلهم للمصالحة ولإدخالهم في العملية السياسية؟ وهل يؤتمن جانبهم على ضوء تاريخ ممارساتهم منذ انقلاب 1968؟ لم نسمع أو نقرأ منهم إعادة تقييم لفترة حكمهم أو نقد لفكرهم العدواني الشوفيني الرافض للغير ولممارساتهم القمعية أو لعدوانهم على البلدان المجاورة. الذي نسمعه ونقراه منهم هو الدفاع عن كل ما حصل في ظل حكمهم والإصرار على نفس الفكر العدواني الشوفيني الرافض للغير والذي أضافوا إليه فكر العصبية الطائفية بوضوح أكثر وعلى نفس الممارسات العدوانية والغدر والبطش والتنكيل الذي يمارسونه ألآن يوميا في العراق. أن ما يقوم به ألان ألصداميين "علنا" هو نفس ما كانوا يقومون به سرا زمن حكمهم حين كانوا يهيمنون على كل أجهزة الدولة العراقية. أما إذا تظاهر الصداميون بقبول "المصالحة" و"الدخول في العملية السياسية" فسيكون ذلك لحين أن تسنح لهم فرصة تمكنهم من الانقضاض على السلطة من جديد (كما فعلوا منذ 1968 وحتى 2003) وبدأ حملات إغراق العراق في حمامات دم بادعاءات سياسية وقومية وطائفية ومناطقية وغير ذلك مثل الأصل والتبعية وما شاكل ذلك. وكما يقول المثل العراق الدارج "والحبل على الجرار".

فكر وثقافة ألصداميين (الإطار "النظري" لممارساتهم العملية) كما كشفت عن ذلك سابقا وتكشف ألآن ممارساتهم العملية، والمفردات التي استخدموها سابقا ويستعملونها حاليا، مبنية على " الاستعلاء" و"الغطرسة" و"العدوان" و"الاحتكار" و"الانتقام" و"إلغاء الآخرين" (خليط من الهتلرية والستالينية)، لذا لا يَعتَبر هكذا فكر الإنسان العراقي من غير ألصداميين بشرا ("مو بشر") بل "حيوانات" ("طليان") و"حشرات" ("ذباب") ويَعتبر ذلك الفكر وتلك الثقافة حياة الإنسان العراقي من غير ألصداميين "تافهة" لا قيمة لها بتاتا ولا تستحق الاحترام ولا يعتبرونها نعمة من ألله سبحانه وتعالى حرم إزهاقها بدون ذنب، ولذا، يصرحون ألآن كما كان يصرح قائدهم في زمن حكمه "نقطع رؤوسهم"، "نقصّ رقابهم"، "نكسر رؤوسهم"، "نقطع ألسنتهم" الخ، وكأنهم يتكلمون عن إبل وبعير وأغنام وبقر وجاموس أو دجاج وطيور وليس عن بشر من بني جلدتهم، من مواطني بلدهم، و"نسحقهم"، "نبيدهم" الخ، وكأنهم حشرات أو ذباب، لذا يذبحون وينحرون رقاب العراقيين ويقطعون رؤؤسهم ويمثلون بجثثهم بشكل همجي ينم عن وحشية بدائية مفرطة، ويجهرون بذلك علنا مفتخرين متصورين أنهم بذلك يريدون يثبتون "رجولتهم" التي "خانتهم" حين قاتلوا قوة أقوى منهم أثناء حرب 2003 وهربوا من مواقعهم في جبهات القتال. كما أن ثقافة العنف والسلاح واستعماله عند ألصداميين وألارهابيين ألآخرين ترى في "السيف" و"البندقية" و" ألآر.بي.جي" يمثل رمزا من رموز "رجولتهم" واستخدامه للقتل إثبات لهذه "الرجولة"، لذا ولعهم المفرط بمثل هذه الأسلحة واستعمالها للقتل بالمفرد وبالجملة خاصة للعراقيين دون تمييز أو تفريق ومن ثم إقامة النُصب التذكارية المصنوعة من "السيوف" لمن سقط منهم في الحروب ألصدامية. كما أن ثقافة ألصدامببن هي ثقافة الغزوات والغنائم والفرهود القبلية البدائية. "غزو" كوردستان وسبوا أهلها واخذوا غنائمها، من مواد منقولة ومن بيوت وأراضي وأغنام بنات ونساء، وقسموها فيما بينهم أو وزعوها على الضباط والمراتب والجنود (الذين كان يشكوا بعضهم من موت الأغنام بسرعة بعد أخذها من كوردستان إلى البصرة مثلا) وعلى أنصارهم من المدنيين، من أفندية ومعممين، داخل العراق وخارجه. وتسببت غزوتهم لإيران في تدمير العراق شعبا واقتصادا ومجتمعا. ثم غزوا الكويت ونهبوها وسبوا أهلها واخذوا غنائمها وقسموها على أنفسهم،

هل من الممكن مواجهه هذا الفكر وهذه الثقافة؟ ربما بغرس بذور الفكر والثقافة الإنسانية، والأمل بان تنمو وتُؤتي ثمارها بعد سنوات أو عقود أو ربما قرون من الزمن، فكر احترام حياة وحقوق الإنسان والتعايش السلمي وقبول الآخرين والسلم الاجتماعي في عراق ديمقراطي اتحادي تعددي، ونشر هذا الفكر الإنساني بمختلف وسائل الإعلام وبدرجه في المناهج الدراسية من رياض الأطفال والبدا به في الحياة العائلية، هذا الفكر الإنساني المضاد لفكرهم الإرهابي العدواني الجاهلي الرافض للغير والمبني على الحروب والغزوات والإرهاب والغدر والبطش والتنكيل بالآخرين بمسميات مختلفة حسب متطلبات اللعبة السياسية والمناخ الاجتماعي والوضع الاقتصادي. وتتم مواجهة ممارسات ألصداميين بالالتزام بقيم ألقرن الحادي والعشرين المبنية على الديمقراطية والتعددية وسيادة القانون والمسائلة والمحاسبة والسلم السياسي والمدني والاجتماعي وحماية أموال المجتمع وممتلكات الناس وتحسين مستوى معيشتهم وليس بالتغاضي عن الجرائم الكبيرة والمتكررة التي ارتكبوها ويرتكبونها ضد الإفراد والجماعات من العراقيين باسم "عفا الله عما سلف" أو "المصالحة" أو "الدخول في العملية السياسية"، هذه القيم السماوية والوضعية المتقدمة المضادة لقيمهم البالية و لممارساتهم الهمجية، التي تعود "للجاهلية الجديدة" و"العصبية القبلية الجديدة"، المتضمنة نحر رقاب البشر وقطع رؤوس الناس حتى الأطفال الأبرياء وسبي النساء واغتصاب البنات وعلى "الغزوات" و"الأمراء"و"إلا مارات" ونهب وسلب وفرهدة وتدمير أموال المجتمع والممتلكات العامة والخاصة. قد يعتبر البعض هذا الأمر ضرب من الخيال، وهو كذلك، ولكن لا مستقبل بدون خَيال ورؤية بعيدة المدى.

من الخصال الكريمة والصفات ألرئيسية التي أتصف بها وأطلقها العرب المسلمون على النبي محمد (ص) صفتي "الصادق" و"الأمين" وهما من الخصال الكريمة للرسول الكريم (ص) التي من المفروض أن يحتذي ويلتزم يهما المسلمون في كل مكان وزمان. أما البعثيون-الصداميون، معممون كانوا أم ملتحون أو علمانيون، مدنيون كانوا أم عسكريون، وقائدهم صدام، الذي التحي بعد هروبه من ساحات الوغى وميادين القتال، الذي يمسك دائما بالمصحف الشريف في يديه عندما يجلس أو يقف في قفص الاتهام، فأنهم ليس فقط لا يعيرون اهتماما لهاتين الخصلتين حين يريدون تحقيق "غاياتهم" وإنما يعتبرون انتهاكهما أمرا "ملزما" ساروا عليه طوال تاريخهم وصار ألآن أمرا أكثر إلزاما وهم على سيرتهم مواصلون. يقول مطلعون أن ألصداميين اعتبروا في حينه ويعتبرون ألآن إن عدم التزامهم في ممارساتهم العملية بمثل هذه القيم والخصال مع غيرهم وحتى بين أنفسهم هو مبررهم لخيانتهم الآخرين وحتى البعثيين غير ألصداميين من بين صفوفهم أو من خارجها، ويدعون أنه "سر قوتهم" التي مكنتهم من البقاء في الحكم حقبة الأربعين عاما حتى نيسان 2003 وبان مبدأهم الأساسي هو أن "الهدف يبرر الوسيلة" مهما كانت منكرة وقبيحة وبشعة وهجينة. "وذكّر إن نفعت الذكرى"، صدق الله العظيم.

لذا السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح حاليا هو هل بقي لدى البعثيين-ألصداميين، من مخضرمين وحديثين، بعد كل ما قاموا به طوال تاريخهم من مؤامرات للانقضاض على السلطة وخلال فترة حكمهم الطويل، مثقال ذرة من صدق وأمانة ومصداقية تأهلهم للمصالحة والدخول في العملية السياسية كمشارك أهل للثقة ويمكن ائتمان جانبه؟ التأريخ يكشف لكل مَن يريد أن يرى أن خيانة وغدر وبطش ألصداميين هو خيانة وغدر وبطش بلا حدود.

الذي يحتاجه الصداميون هو "الإصلاح" الذاتي أو الداخلي، إعادة تقييم، نقد ذاتي، تغيير للأفكار وإصلاح للقيم وتبديل للممارسات لتتوافق مع أفكار وقيم وممارسات القرن الحادي والعشرين وليس لزمن الجاهلية (جرى الإصلاح في صفوف الأحزاب الشيوعية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي حيث بدأت عملية عصرنه لأفكارها وقيمها وممارساتها) أو "الإصلاح" الخارجي الإلزامي بإدخال مسئولي الحكم السابق من مختلف المستويات (ممن لم توجه ضدهم تهم ارتكاب الجرائم) في دورات "إصلاحية" تأهيلية (جرى مثل هذا "الإصلاح" في بلدان عديدة بعد تغير نظم الحكم فيها) أو كليهما.

ماجد الشيخلي
29/10/2006