الكورد الفيليون.. والمعالجة الجادة لانهاء معاناتهم

لايخفي على المهتمين بتاريخ العراق الحديث، دور الكورد الفيليين في الحركة الوطنية العراقية، وحركة التحرير الكوردستانية وتأثيرهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في تطوير العراق الحديث ..
وقد تعرضت هذه الشريحة الكوردية، نتيجة لمواقفها الوطنية، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي الى صنوف الجور والاضطهاد التي مورست ضدهم من قبل سلطات النظام الملكي، والأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على الاستيلاء على حكم البلاد عن طريق الانقلابات العسكرية المشبوهة ، كان آخرها انقلاب تموز 1968، الذي اعاد حزب البعث الى التسلط ثانية واستيلاء مجموعة شوفينية على مقدرات البلاد.
وانتقاما من مواقف الكورد الفيليين الوطنية، وبشكل خاص دعمهم الكبير لحركة التحرير الكوردستانية، ومقاومتهم الباسلة لانقلابي 8 شباط الاسود سنة 1963 قامت تلك السلطات بتجاوزات وانتهاكات مستمرة ضد هذه الشريحة، كان آخرها تهجير اكثر من نصف مليون مواطن كودري فيلي الى خارج الوطن في نيسان 1980 وحجز حوالي ستة عشر الف شاب من ابناء المهجرين، وتصفيتهم جسديا بعد قضائهم سنين طويلة في سجون النظام، فضلا عن مصادرة اموالهم وممتلكاتهم وعقاراتهم.
والقائهم على الحدود العراقية - الايرانية مجردين من كل شيء سوى الملابس التي تكسي اجسادهم، وسط حقول الألغام التي أودت بحياة العشرات منهم.وقد عانى هؤلاء المهجرين من قساوة العيش في مخيمات اللاجئين التي أقيمت على اطراف المدن الإيرانية لإيوائهم ومن حالة البؤس والشقاء المزرية التي عاشها المهجرين وسط صمت دولي رهيب عن تلك الجريمة والانتهاكات المستمرة لحقوق الانسان التي اقترفها النظام الاستبدادي المباد بحقهم.
فضلا عن تداعيات للغربة عن الواطن وصعوبة التأقلم مع الواقع الجديد المفروض عليهم وبهدهم عن الوطن وعن الأهل والأحبة.
وبعد زوال النظام الدكتاتوري وانهيار الفاشية في العراق استبشر هؤلاء المنكوبين خيرا بالعودة الى الوطن وكلهم ثقة وأمل باستعادة ما سلب وصودر منهم قسرا، فضلا عن الاشتياق الى لقاء الابناء والاخوة الذين حجزهم النظام اثناء عمليات التهجير سنة 1980. ولم يخطر ببال احد منهم من ان امنياتهم لم تكن سوى أضغاث احلام، حيث اصيبوا بخيبة أمل قاسية..
فلاهم لا قوا أحبتهم ولاهم احتضنوهم.. ولأهم عرفوا شيئا عن مصيرهم لأنهم ذهبوا ضحايا الحقد الفاشي الشوفيني ودفنوا في مقابر النظام الجماعية، التي زرعها النظام المباد على اطراف المدن العراقية.. حيث تضم رفاق مئات الألوف من العراقيين الذين دفنوا وهم احياء.
وخيبة الأمل الأشد مضاضة، كان في عدم استعادة ما سلب وصودر منهم من اموال وممتلكات وعقارات اوحتى استعادة هويتهم الوطنية العراقية التي صودرت منهم هي الأخرى، على الرغم من اصدار الجمعية الوطنية قرارا الغى بموجبه قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (666) سئ الصيت، وصدور قانون الجنسية الجديد رقم 26 لسنة 2006... الذي يمنح صفة المواطنة العراقية لهم، بل منحها بالاكتساب، أي منحهم شهادة الجنسية العراقية من التبعية الايرانية، أي اعتبارهم من اصول غير عراقية..
وبمعنى آخر ما زالت ضوابط بيرسي كوكس - النقيب التي شرعت قبل اكثر من ثمانية عقود ما زالت سارية المفعول، على الرغم من عراقة اصوالهم ومواطنتهم العراقية.
ونحن اذ نعرض معاناة هذه الشريحة الاجتماعية التي تتصف بالطيبة والوفاء والوطنية الحقة وشعورهم العالي بالمسؤولية والاخلاص للوطن، وشعورهم العالي بالمواطنة العراقية، التي انجبت العديد من رجال السياسة والاقتصاد والمثقفين والعلماء والاساتذة الجامعيين، فضلا عن مشاركتهم الفاعلة في حركة التحرر الوطني العراقية وحركة التحرير الكوردستانية، وكان لهم الدور الكبير في اقتصاد البلاد..
هذه الشريحة الان تعاني من تداعيات قانون الجنسية الجديد الذي لا يقل قساوة عن قانون الجنسية الصدامي.. كذلك من الملاكات العسكرية الذي يمارس شتى انواع القهر والاضطهاد مع مراجعي دوائر الجنسية وابتزازهم باتاوات من اجل تسهيل مهمة حصولهم على الجنسية العراقية (بالتجنس)وليس بالمواطنة الحقة (المواطنة العراقية).
اننا اذ نضع هذه الامور والتداعيات التي تعاني منها هذه الشريحة الوطنية العراقية امام البرلمان العراقي، ومجلس الوزراء والسادة رئيس واعضاء مجلس رئاسة الجمهورية وكلنا امل بالاستجابة الى طلباتهم التي تتلخص بالاتي:
اولا: اعادة الاموال والممتلكات والعقارات المصادرة الى اصحابها الشرعيين، وعدم الجائهم الى هيئة منازعات الملكية العقارية، لاستعادة عقاراتهم المسلوبة، واحتساب الاموال السائلة وودائع البنوك المصادرة وفقا لاقيامها الحقيقية عام 1980 مع احتساب الفوائد المترتبة على ذلك.
ثانيا: اعادة هويتهم الوطنية (الجنسية العراقية) كمواطنين عراقيين، بالانتماء والاصالة لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها أي مواطن عراقي آخر وعليهم نفس الواجبات وعدم منحهم شهادة الجنسية العراقية بالتجنس. واجراء التعديلات اللازمة على قانون الجنسية رقم 26 لسنة 2006 وفقا للمقترحات اعلاه .
ثالثا: الغاء عسكرة دوائر الجنسية والاحوال المدنية واستبدال الملاك الحالي، بموظفين مدنيين من خريجي كليات القانون وكليات ومعاهد الادارة.
لقد ضحى الكورد الفيليون من اجل الوطن العراقي ومن اجل الحركة التحررية الكوردستانية، وبذلوا من الأموال والأنفس والان لابد لهذا الوطن ان يستجيب لنداء مواطنيه ويكافأهم عن وطنيتهم واخلاصهم ويعوضهم عما أصابهم من غبن وضرر وجور واضطهاد.

عبد الهادي مراد

المصدر: التآخي، 4/11/2006