ضرورة إقامة إقليم آمن لمسيحي العراق

لا يخفى أن المخاطر التي تتعرض لها الاقليات المسيحية في العراق عدا إقليم كوردستان حيث يتمتعون فيه بالأمن والاستقرار، تشكل مصدر خطر كبير للحضور والوجود القومي والسكاني والإنساني والوطني لهذه القوميات العريقة التي احتضنت أرض بلاد ما بين النهرين من آشوريين وسريان وكلدان إضافة إلى الأرمن الذين سجلوا حضورا ليس بالقديم أبان وجود الدولة العثمانية نتيجة تشتتهم في بلدان كثيرة نتيجة تعرضهم إلى مذبحة وإبادة جماعية أبان عهد حكم سلاطين العثمانيين، هذه القوميات المسيحية التي سكنت أرض العراق وأرض الإقليم منذ تاريخ قديم يعود إلى أيام الدولة الآشورية التي امتدت نفوذها ومساحتها إلى أجزاء شاسعة في المنطقة الواقعة بين إقليم كوردستان والعراق وسوريا وتركيا في عهود من الأزمان تعود إلى ما قبل التاريخ.
وبالرغم أن الوجود القومي لهذه للمجموعات السكانية المسيحية سجلت نسب سكانية قليلة مقارنة بالنسب السكانية الكبيرة للقوميتين العربية والكوردية في العراق التي تنحصر بين 2-4 % من النسبة السكانية الكلية، ألا أن الوقع السياسي الذي به العراقييون والكوردستانيون نتيجة السياسات القمعية والاستبدادية التي اتسمت بعنصرية شديدة ضد الثقافات والخصوصيات والتقاليد القومية على المستوى الجماعي والفردي، هذا الواقع المتسم بالاضطهاد دفع بهجرة ورحيل نسبة كبيرة من العرب والكورد والتركمان والمسيحين إلى الخارج للحصول على الحرية والأمان والسلام لضمان حياة متسمة بالجوانب الإنسانية بعيدة عن التعاسة والآلام والعنف والاضطهاد.
ولا شك أن التغييرات التي طرأت على الساحة العراقية بعد التاسع من نيسان من عام ألفين وثلاثة، والمنهج الديمقراطي الذي بدأ بالإرساء من خلال انتخاب البرلمان وتشكيل حكومة سياسية وهيئة رئاسية جماعية وإقرار الدستور الدائم، قد فتحت الأبواب على إرساء أجواء حياتية سياسية متحررة أخذت حضورها إلى الساحة وسجلت انفتاحا وانفراجا كبيرا في مجال حقوق الإنسان والقوميات والأقليات، وفي مجال الحقوق السياسية والاقتصادية والمدنية والثقافية لكل إنسان لكي ينعم بالحقوق الطبيعية ضمن إطار دستوري ليكون فردا سويا منتجا لنفسه وللمجتمع الذي ينتسب إليه.
ولكن واقع العنف والإرهاب الذي سيطر على الساحة العراقية، خاصة العنف الطائفي منه، قد قلل من حجم الإنجازات السياسية المتحققة في الواقع العراقي، وبدد إلى حين آمال خلق عراق متقدم خال من أي نوع من أنواع العنف السياسي والمذهبي والطائفي، وعلى عكس ما يطمح إليه أي عراقي غيور على وطنه وشعبه، برز إلى الوجود أنواع متعددة من العنف المتعلق بالدين وبالطائفة والمذهب، خاصة بين السنة والشيعة في بغداد والمناطق المجاورة لها، والعنف الموجه إلى الديانة المسيحية والصابئة في بعض المناطق من العراق قد سبب على رحيل وهجرة عائلات كثيرة من موطن عيشها إلى إقليم كوردستان أو إلى الدول الأوربية أو إلى الدول المجاورة للعراق مثل الأردن وسوريا وتركيا.
وابرز ما تميز به هذا العنف والإرهاب الموجه إلى المسيحيين من أعمال تفجير وقتل كان تفجير الكنائس وقتل رجال الدين والتهديد الأفراد والعائلات بالقتل أو اعتناق دين آخر بالكره والقوة والترهيب، وهذا ما سبب توجه الكثير من المسيحيين من بغداد والبصرة والموصل وكركوك ومناطق أخرى إلى الرحيل وترك تلك المناطق والتوجه إما إلى المنطقة الكوردية الآمنة لحمايتهم أو الرحيل إلى الخارج واختيار المنفى بديلا عن هذه الوضع المتأزم في العراق.
ولغرض توفير الحماية لهذه القوميات التي تعيش في العراق كأقلية من آشوريين وسريان وكلدان وأرمن، اقترحنا في مقال سابق ن خلال هذه المنبر الحر، إقامة إقليم نينوى للمسيحيين محددة بالمنطقة الواقعة بين القسم الشرقي لمحافظة الموصل والمناطق الهلال المسيحي الواقعة في منطقة التقاء المحافظات أربيل والموصل ودهوك لأنها تحتضن عدد غير قليل من المدن والقصبات والقرى المسيحية حيث تقطن فيها مجموعة سكانية متداخلة من الآشوريين والكلدان والسريان، وفيها دير ودور عبادة للدين المسيحي من قديم الزمان، ولا شك أن إقامة مثل هذا الإقليم سيكون له منافع عديدة على الصعيد العراقي وعلى صعيد إقليم كوردستان، من جملة المنافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي:
أولا: توفير ملاذ آمن لمجموعة سكانية فعالة من مكونات المجتمع العراقي التي تلعب دورا فعالا في حياة العراقيين.
ثانيا: ضمان مساحة أرض مناسبة هي بالأساس موطن للقوميات والطوائف المسيحية التي سكنت أرض العراق وأرض إقليم كوردستان في المنطقة المعروفة بالهلال المسيحي الواقعة شرق محافظة الموصل.
ثالثا: تأمين أجواء سياسية طبيعية متسمة بالأمن والاستقرار لمجموعة سكانية تعاني من مظاهر العنف الديني الموجه لها بأعمال عنف وقتل وإرهاب، للحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم وثقافتهم وخصوصياتهم القومية والدينية.
رابعا: دعم الديمقراطية وضمان حقوق سكان الوحدات الإدارية الكبيرة والصغيرة، وإيجاد التوازن والتوافق بين المصلحة العامة ومصلحة المجموعات السكانية للعمل على تلبية الحاجات الأساسية للسكان وتقديم أفضل الخدمات لهم، وخلق التوازن بين مصلحة دولة الفيدراليات ومصلحة الوحدات الإدارية الصغيرة من خلال تقسيم الحقوق والواجبات فيما بينها والصلاحيات ونمط العلاقة بين الأطراف المعنية
خامسا: تحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المحلية البشرية لصالح التنمية المتوازنة في المنطقة المعنية، لتلبية حاجات السكان المحليين في كل وحدة إدارية وخلق تنمية حقيقية موازية للمستوى العام في البلد، وتفعيل زيادة القدرة والسرعة والمرونة في اتخاذ القرارات ومتابعة نتائجها، والمساهمة الفعالة في إزالة بؤر النزاعات والتوتر بين الوحدات والمجموعات السكانية لأسباب متعلقة بالدين والمذهب وبالملكية أو أسباب أخرى.
سادسا: المشاركة الفعلية في حل المشاكل والمعضلات والأزمات الداخلية التي تواجه المنطقة أو الوحدة أو المجموعة السكانية دون تعقيد أو خلق أزمة للمشكلة، والمساندة الحقيقية في تلبية حاجات المجموعة السكانية أو الوحدة الإدارية وفق أفضلية ميدانية، والعمل على استمرارية وديمومة التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة المعنية.
سابعا: تنشيط المجموعات السكانية المهمشة لأسباب دينية أو أقلية صغيرة وتنشيط اقتصاديات هذه المناطق، وضمان زيادة مشاركة سكان الوحدات والمجموعات السكانية في وضع السياسات العامة واتخاذ القرارات في تحديد الاستراتيجيات والأهداف العامة.
استنادا إلى هذا التحليل نجد ضرورة لإقامة إقليم لمسيحيي العراق لتوفير ملاذ آمن لهم في منطقة تعود بالأصل موطنها إلى تلك القوميات المسيحية بحكم حضورها ووجودها التاريخي، وتبرز هذه الضرورة عندما نعلم أن الخريطة الفيدرالية المطروحة والمقترحة للعراقيين بحكم قانون الأقاليم الذي أجل تنفيذه بقرار من البرلمان إلى ثمانية عشر شهرا، تعتمد على الشفافية وضمان الحقوق الدستورية للقوميات والأقليات العراقية، لإدارة مصالح المجموعات السكانية الممثلة بالمناطق والوحدات الإدارية طبقا للنهج الديمقراطي الذي أصبح الضامن الرئيسي لإرساء المؤسسات الشرعية للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في العراق الجديد لتحقيق التنمية والتطور لمكونات لمجتمع العراقي وتحقيق العدالة الاجتماعية لها.
بعد سرد هذا الموجز للأسباب الكامنة لإقامة مثل هذا الإقليم العراقي، لا بد أن نبين إن إرساء النظام الفيدرالي السياسي المرن لإدارة الدولة العراقية الجديدة بحكمة وشفافية ورؤية وطنية، يسانده ما جاء في مواد وأبواب الدستور الدائم، واعتمادا على هذا، فإن هذه الرؤية المطروحة لبناء الدولة الحديثة على أسس جديدة تراعي توفير الضمانات اللازمة لجميع المكونات القومية العراقية، تؤمن ضمانات أساسية دستورية لتلبية تطورات احتياجات المرحلة الراهنة والمستقبلية لمكونات المجتمع العراقي في جميع مجالات الحياة حاضرا ومستقبلا.
انطلاقا من هذه الرؤية، فإن إرساء النظرة المطروحة لخريطة إقامة إقليم للمسيحيين في العراق والبحث فيها لإسنادها بمقومات دراسية وبحثية تشكل الفرصة المناسبة للأطراف السياسية الممثلة للأقليات المسيحية في العراق وفي إقليم كوردستان لتجاوز الواقع المتردي الذي بدأ يرسم أجواء من عدم الأمان والاستقرار لهذه المجموعة السكانية الفعالة من العراقيين، لإقامة ملاذ آمن في العراق الجديد لضمان حياة كريمة متسمة بالحرية والكرامة في الحاضر والمستقبل.

جرجيس كوليزادة
Gulizada_maktab@yahoo.com
5/11/2006