الوطن و المواطنة و الوطنية فوق الجميع

لابد لي أن اشير بادئ الأمر إلى أن هدف هذه المقالة هو عرض ما هو صالح للعراق الحبيب و الإخوة العراقيين و الأخوات العراقيات بغض النظر عن المذاهب و الديانات و القوميات و ليس جرح شعور أحد المسؤولين أو المواطنين أو الأحزاب أو الشخصيات الدينية أو مس كرامتهم .

فإذا راجع كل فرد منا و كل مسؤول حكومي و حزب و رجل دين نفسه و وضع شعار مصلحة الوطن و المواطنين و المواطنات بدلا من مصلحته و منافعه الذاتية فإن الوطن العراق سيعيد عافيته و ستتم بناء البنى التحتية بسواعد أبنائه الكرام و بناته الكريمات باسرع ما يتصوره العقل السليم .

المواطن العراقي هو ثروة البلاد و أغلى من النفط و المعادن و الخيرات الأخرى . و على الجميع أن يحتفظ بهذه الثروة النادرة ، لا أن يتخاصموا فيما بينهم بالعداوة و البغضاء ، لأن أعداء العراق سيفرحوا .

بعد مراجعتي الدقيقة لأحداث العراق الدموية الرهيبة منذ تحريره من أبشع نظام ديكتاتوري في التاسع من نيسان المبارك عام 2003 على أيدي قوات التحالف و الإحتلال و لحد تاريخ اليوم رأيت من الواجب علي و على كل إخواننا العراقيين الكرام المساهمة في إصلاح ما أفسدته تلك الأحداث و لرأب الصدع و الإنشقاق بين الأطراف المتنازعة بصراحة و لمصلحتهم و منفعة العراق و العراقيين و لإيقاف النزيف الدموي اليومي .

فمنذ تشكيل مجلس الحكم العراقي المكون من 26 عضوا شنت بعض الدول العربية التي كانت منتفعة من النظام البائد و مساهمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لقتل العراقيين من الشيعة و الأكراد و غيرهم ، حملاتها المسعورة ضد مجلس الحكم العراقي بكافة وسائلها الإعلامية و المادية بل و أرسلت الإرهابيين عبر حدودها المفتوحة مع العراق و زودتهم بالمال و السلاح و المتفجرات لقتل العراقيين بحجة محاربة الإحتلال و إفشال أول عملية ديمقراطية في العراق منذ تأسيس الحكم الوطني العراقي عام 1920 . وتدخل هذه الدول العربية شجع إيران أيضا على تدخلها المباشر بحسن نية لدعم إخوانها في المعتقد . وهكذا ازداد تدخل مخابرات بعض الدول العربية و الإسلامية و الأجنبية في العراق بحيث زاد عددها الأربعين دولة كما صرح الأخ وفيق السامرائي مستشار رئيس الجمهورية العراقية السيد الدكتور جلال الطالباني ، لإحدى الفضائيات العربية قائلا :

توجد في العراق مخابرات لأكثر من أربعين دولة عربية و إسلامية و أجنبية ، و كلها تسعى إلى تحقيق مصالحها التالية :

1 – السيطرة على منابع النفط و الطاقة

2 – إستلام السلطة عن طريق الحصول على المناصب الوزارية المهمة

3 – إفشال العملية الديمقراطية في العراق

4 – عدم تمكين العراقيين من إعادة بناء البنى التحتية ليبقى متأخرا

5 – تحافظ تلك الدول على أنظمتها

إستغربت كثيرا من أقوال السيد وفيق السامرائي المسؤول عن المخابرات العراقية هذه ، و سؤالي التالي أطرحه على سيادته : إذا كنت شخصيا تعلم بذلك ، فماذا فعلت ضد هذه المخابرات التي اكتشفتها ؟

هل قمت ، يا سيدي ، بطرد تلك المخابرات العربية و الإسلامية و الأجنبية من العراق للحفاظ على أرواح العراقيين الذين انتخبوك ؟

وهل قمت بإجراءات ضد تلك الدول المعنية ، مثلا قطع العلاقات الديبلوماسية و إلغاء الإتفاقيات الإقتصادية معها و محاسبة القتلة المجرمين منهم وفق القانون و القضاء العراقي ؟

يعلم الجميع أن العراق أصبح مسرحا لأخذ الثأر و الإنتقام من قوات الإحتلال و خاصة أمريكا على حساب و دماء أبنائه البررة و أن معظم الدول تسعى إلى مصالحها الإقتصادية و الإستراتيجية . و لماذا لم تسع الحكومات و الأحزاب و الشخصيات السياسية و الدينية إلى مصلحة العراق و العراقيين ؟

لقد آلمني كثيرا كتاب الحاكم المدني السيد بول بريمر الذي نشرت الترجمة العربية الأولي صحيفة القبس الكويتية عندما قال :

" لم أجد في 26 عضوا من مجلس الحكم شخصية وطنية واحدة تهتم بمصلحة العراق ، و لم أجد شخصين منهم متفقين ، لكن الجميع اتفقوا على زيادة رواتبهم بمقدار خمسة آلاف دولار شهريا كمصروفات "

كل مسؤول أخذ يعين أقاربه و محبيه أو أعضاء حزبه و غيرهم و بذلك فقد صرفت أموال الدولة لأشخاص لم يقدموا شيئا نافعا للشعب و لم يحافظوا على أرواح المواطنين ، فحدثت مجازر النجف الأشرف و الكاظمية و كربلاء و الإسكندرية و مسؤول هيئة الأمم المتحدة و السفارة الأردنية ببغداد و الحلة و الفلوجة و الموصل و كركوك و سامراء و غيرها .

لقد عمل مجلس الحكم و كذلك عملت الحكومات الوطنية العراقية بعض الإنجازات الطفيفة ، إلا أن الأوضاع الأمنية و الإقتصادية إزدادت كل يوم سوءا بعد سوء . فلم تحقق تلك الحكومات كل الأهداف و المشاريع التي وعدت بها الشعب العراقي النبيل، حيث لازالت عوائل شهداء المقابر الجماعية و العوائل المهجرة من الشيعة و الأكراد الفيلة و التركمان لم تعوض عن حقوقها و بيوتها التي سلبها النظام المقبور في كل المحافظات و منها كركوك . كما أن مسألة ما يقارب العشرة آلاف من الإخوة و الشباب الفيليين دون العشرين سنة و الذين اختطفها طاغية العراق صدام حسين بقت عالقة لم يعلم أهالي المختطفين لحد الآن شيئا عن مصيرهم و لم نسمع أن الحكومات العراقية الوطنية قد عالجت هذا الموضوع بصورة جدية و وجدت حلا لإرضاء ذوي إخواننا الفيليين المفقودين .

فوالله لقد سئمنا من مواقف الحكومات كلها لعدم حل هذه المأساة الإنسانية لهذا التاريخ و لعدم معاقبة الوزراء و المسؤولين الذين نهبوا أموال الدولة . أضف إلى ذلك فإننا لم نسمع يوما بمعاقبة القتلة المجرمين الذين استباحوا حرمات العراقيين وقتلهم بعد اغتصابهن .

سمعنا مرارا و نسمع بين حين و آخر إلقاء القبض على عصابات الإرهابين و المجرمين و لكن لم تتم معاقبة المجرمين الذين اعترفوا بجرائمهم و تحدثوا عن تفاصيل جرائمهم بدم بارد عن قتل شهدائنا العراقيين في الفضائيات العراقية و العربية . أهكذا يكافأ الشعب العراقي البطل بعربه و أكراده و تركمانه و مسيحيه و صابئته و أيزيديته و غيرهم الذي تحدى الإرهاب و قرر المشاركة في عمليات الإنتخابات و كتابة الدستور العراقي و انتخاب أعضاء البرلمان و السادة الوزراء في الحكومات المتعددة ؟

لماذا لم توقف الحكومة العراقية من يحرض على القتل و يثير النعرات الطائفية و القومية العنصرية لتمزيق وحدة الشعب العراقي بغية إشعال الحرب الأهلية البغيضة بين الإخوة المواطنين العراقيين عند حده ؟

ولماذا لم تجرد الحكومة الوطنية العراقية كافة الميليشيات من الأسلحة ما عدا رجال الشرطة و الأمن و الجيش ؟

هل سمعتم ، يا سادتي ، أن دولة ما في العالم تسمح لمواطنيها حمل الرشاشات و الأسلحة المختلفة و المتفجرات ؟ فما هو إذن دور الشرطة و رجال الأمن و الجيش ؟

لا تخيبوا ، يا سادتي ، آمال الشعب العراقي الكريم الذي انتخبكم و ضحى بدمائه من أجلكم !

لماذا لم تعيدوا العوائل الشيعية و السنية و غيرها التي طردت بالتهديد و الإكراه من بيوتها في عهدكم ؟

ألم تكن هذه العوائل عراقية ؟

لا تنفع المعاذير و الأقوال بأن الحكومة ليس في يدها شيئ ، بل أن السفارة الأمريكية و قوات الإحتلال و التحالف هي التي تحكم العراق !

فإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا تركتم شعبنا العراقي النبيل عرضة للأخطار للمشاركة للإنتخابات الديمقراطية في العراق ؟

لماذا لم تصارحوا شعبنا العراقي بكل الأمور ، لكي يكون على بينة من الأمر .

و لماذا لم تكشفوا الجهات و الأنظمة العربية و الإسلامية و الأجنبية التي تحاول إفشال العملية الديمقراطية في العراق و تدمير البنى التحتية و سلب ثروات و خيرات العراق ؟

أهكذا أصبحت قيمة المواطن العراقي سنة وشيعة و أكرادا و تركمانا و أيزيدية و مسيحية و كلدانا و أشورية و صابئة وغيرهم بهذا الرخص ( أرخص من البصل ) ، حيث يقتل الأبرياء منهم جميعا كل يوم و بصورة وحشية شوهت سمعة العرب و المسلمين و الإسلام ؟

يهمنا كل مواطن عراقي يعيش على تربة العراق و لا فرق بينهم أبدا ، و جميعهم إخواننا في التربة و الهوية و المواطنة . فالضحايا و الشهداء هم أبناؤنا و إخواننا ، فمن العار و العيب على أولئك الذين يفرقون بين الشيعة و السنة و بين العرب و الأكراد و المسلمين و المسيحيين و غيرهم ، و أن اللعنة ستلاحقهم إلى يوم الدين .

و الجميع يعلم بأن العراق مهد الحضارات متعدد القوميات و الثقافات و الأديان منذ آلاف السنين و أن المجتمع العراقي بحد ذاته و من أخلاقياته متجانس و منسجم و محب للسلم و العيش المشترك من قبل الجميع و أن له صلات رحم متينة بين الشيعة و السنة و الأكراد و العرب من الشيعة و السنة و حتى صلات رحم بين العوائل الإسلامية و المسيحية .

وعندما كنا في المدرسة الثانوية و الجامعة لم نعرف ما هو مذهب و دين و قومية زميلنا الطالب ، وكنا إخوة و أحبة .

فعلى رجال الدين الأعلام و المدرسين و الأساتذة و الأمهات و الأبناء و الأحزاب قاطبة أن أن يغرسوا في قلوب أبنائهم بذور المحبة و الإخاء ، فلا فرق بين شيعي و سني و كردي و عربي و عربي و أعجمي إلا بالتقوى و العمل الصالح و ما يقدمه لإخوانه و وطنه .

له دينه و لي ديني . ليس من حقنا أن نحاسب أحدا لأنه ولد سنيا أو شيعيا أو مسيحيا أو كرديا أو أيزيديا أو صابئيا ، فالمسألة هي إحترام آدمية الإنسان و خلق الله سبحانه و تعالى .

وصدق القائل إن لم يكن أخاك في الدين ، فهو أخوك في الخلقة .

إلإشاعات المغرضة التي تروجها بعض الدول العربية و وسائل إعلامها حول الإنتخابات الديمقراطية و كتابة الدستور العراقي على يد أبنائه الكرام بأغلبية ساحقة أن تلك الإنتخابات و كتابة الدستور غير شرعية لأن العراق محتل بينما باركت نفس الجهات الإنتخابت الفلسطينية تحت الإحتلال الصهيوني و روجت لها و دعمتها بالمال و بكافة وسائل إعلامها .

ألم يكن ذلك الكيل بمكيالين ؟

أما بخصوص الفيدراليات العراقية و إلى متى الإنتظار ؟ لماذا لم تعلنوا تشكيل الفيدرالية في وسط و جنوب العراق ؟ ألم ينص الدستور العراقي على ذلك ؟

نعم نؤيد الفيدراليات كما ذكرنا مرارا بأن تتمتع كل فيدرالية بإدارتها المستقلة و تحكم و تدار من قبل أبنائها و أن ثروات العراق يجب أن توزع بعدالة على جميع الفيدراليات وفق ما تحتاجه الفيدرالية .

لا ينبغي أن يشعر الإخوة السنة بالإحباط أبدا ، إذا لم تكن في أراضيهم آبار نفط ، لأن الدستور يحمي حقوقهم المشروعة بمثل ما يحمي حقوق الأكراد و الشيعة . فالعراق ليس فقط للشيعة و الأكراد و أن ثروات العراق ليست فقط للشيعة و الأكراد بل للجميع .

لا نقبل بنهب ثروات العراق من قبل فرد أو حزب واحد أو عائلة واحدة ، لقد ولي ذلك العهد من غير رجعة . يجب أن يتمتع كل أبناء الشعب العراقي بحقوقه المدنية و يساهم بمحبة و تآخي مع إخوانه لبناء عراق ديمقراطي مزدهر يحترم الإسلام و الأديان و القوميات الأخرى .

و أخيرا و ليس آخرا نطالب سيادة رئيس الجمهورية العراقية و سيادة رئيس كردستان العراق وسيادة رئيس الوزراء العراقي الأستاذ المالكي و البرلمان العراقي أن يتدخلوا في حل و التحقيق في مأساة الإخوة الأكراد الفيلية المختطفين من نظام طاغية العراق للتأكد و التشخيص عما إذا كانوا أحياءا يرزقون أم لا و أن يعوضوا ذويهم عن فقدان فلذات أكبادهم .

فالإخوة الأكراد الفيلية هم من خيرة الوطنيين العراقيين و أنهم ضحوا كثيرا بأبنائهم من أجل العراق .

وقد تشرفت بالتعرف على عشرات من العوائل الكردية الفيلية أيام الشباب و هذا الوقت و قمت بتدريس الكثير من أبنائهم ، و لدي ذكريات جميلة خالدة في القلب معهم لحد الآن .

كما نطالب السادة الكرام المذكورين أعلاه تعويض كافة عوائل الشهداء و المقابر الجماعية في عهد الطاغية المخلوع و حتى الذين قتلوا أو عذبوا و استشهدوا في كافة المحافظات العراقية وفي سجون العراق بعد تحرير العراق من أبشع نظام ديكتاتوري .

سأفرح من كل قلبي إذا سمعت بأن الإخوة السنة يعيدون و يبنون بيت أخيهم الشيعي الذي اغتصبوه أو هدموه بقدر ما أفرح إذا سمعت بأن الإخوة الشيعة يعيدون دار أخيهم السني الذي اغتصبوه أو هدموه و عنذئذ سأصيح بأعلى صوتي ألله أكبر ، عاش العراق و عاش العراقيون المجد و الخلود لشهداء العراق .

د . عدنان جواد الطعمة
ألمانيا في 12 / 11 / 2006
adnan_al_toma@hotmail.com

المصدر: صوت العراق، 12/11/2006D