هل يمكن تجديد الخطاب الديني؟!
يحكم البيئة الثقافية للمجتمعات العربية 3 خطابات: خطاب تربوي تعليمي، وخطاب إعلامي وخطاب ديني، أما الخطاب التعليمي فهو تلقيني آحادي انتج عقلية منغلقة يسهل انزلاقها
للتعصب، وخرّج جيوشاً من العاطلين يفتقدون المهارات اللازمة لسوق العمل. وأما الخطاب الإعلامي فلا يزال خطابا تعبوياً يغذي المشاعر العدائية والصراعات وتبني لغة الشحن العاطفي
والتهييج والإثارة، كل همّه كسب المشاهد العاطفي عبر تصيّد سيئات الآخر وتضخيمها، في تنافس غير صحي، الفائز فيه الأكثر تهييجاً وإثارة!!. وأما الخطاب الديني - التقليدي والسلفي
والصحوي - فهو خطاب مأزوم فشل في صيانة مجتمعاتنا وشبابنا من أمراض التطرف والتشدد والغلو والانغلاق.
وإذ لا أمل في ترشيد الإعلام، ولا يبدو في الأفق ما يدعو للتفاؤل بشأن إصلاح التعليم فلا يبقي إلا المراهنة علي تجديد الخطاب الديني بوصفه الأكثر فاعلية وقبولاً في ارتقاء الثقافة
المجتمعية. وهنا نطرح تساؤلات ثلاثة: الأول: ما أهمية تجديد الخطاب الديني؟
أما السؤال الثاني فما أزمة الخطاب الديني الراهن؟ إن أزمة الخطاب الديني تكمن في عجزها عن تحقيق (3) مهام أساسية:
1- تحصين مجتمعاتنا ضد أمراض التطرف وجراثيم فكر العنف.
2- تفعيل القواسم المشتركة بين الأديان والمذاهب.
3- تقديم صورة إيجابية عالمية للإسلام.
ويرجع هذا الفشل أو الإخفاق الي جملة من العناصر والسمات بينها:
1- النزعة الماضوية التي لازمت الخطاب الديني وجعلته أسيراً للماضي، يعيد انتاج مقولات الفقهاء ويبحث في الماضي حلولاً لمشكلات الحاضر، متوجساً من التغيرات المجتمعية، قلقاً من
التطورات المستقبلية، غير منفتح علي ثقافة العصر وعطاءاته الإنسانية.
2- تمجيد التاريخ والتغني بالأمجاد والمآثر والانتصارات والرموز والأبطال عبر انتقاء لحظات مضيئة في التاريخ مع تجاهل تام لألف عام من مظالم واستبداد وانقسامات وحروب دامية
ضد بعضنا وضد الشعوب الأخري، ظناً بأن أي نقد للتاريخ هو نقد للدين مع أنه تاريخ بشر حافل بما يوجب النقد والنقض والتصحيح ولا قداسة للأفراد مهما عظمت مكانتهم.
3- الصبغة الذكورية: خطابنا الديني محكوم بإرث ثقافي ينتقص من المرأة إذ يراها (أنثي) مصدر الفتنة والغواية لا (إنسانا) له كامل الحقوق، ولذلك يفرض عليها وصاية الرجل ليرشد
تصرفاتها، ومع أن المرأة المعاصرة وصلت الي مناصب قيادية إلا ان منطق الخطاب الديني قائم علي أعلوية الذكر وحقه في منعها من قيادة السيارة او السفر أو العمل أو الخروج - مفتي
استراليا شبه المرأة باللحم المكشوف الذي يغري القطط، وطردت باريس إماما دعا لضرب الزوجات، المرأة في الخطاب الديني لها مهمتان: إسعاد الرجل وتربية أولاده!.
4- السمة الإقصائية: الخطاب الديني، خطاب اقصائي للآخر المختلف - مذهبا أو طائفة - إذ هو مشكوك في عقيدته، فالعقيدة الصحيحة واحدة، أصحابها ناجون، أما بقية الفرق الإسلامية
فهي ضالة أو منحرفة أو مبتدعة.
5- النزعة الاتهامية: النغمة السائدة في الخطاب السياسي الديني هي لوم الآخر واتهامه، إذ يصور العالم مؤامرة علي المسلمين وغزوا ثقافيا وعولمة خبيثة بدءاً بالفتنة الكبري علي يد ابن
سبأ مروراً بحكماء صهيون، وانتهاء بالصليبية الحاقدة بزعامة أمريكا. والغرب شيطان لا يريد خيراً للمسلمين وهو عدو متربص علينا أن نحذره وهو مادي وإباحي يريد إفسادنا، بل ان
الخطاب الديني اتهامي لكل من يختلف معه في شأن سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي بأنه عميل يخدم مخططات الغرب!!.
6- الإطلاقية: الخطاب الديني خطاب مطلق يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة لا يؤمن بنسبية المعارض والحقائق الإنسانية.
7- التحريضية: الخطاب الديني خطاب تعبوي تحريضي دائماً، حرض شبابنا للالتحاق بالمجاهدين في العراق وأفغانستان وفلسطين.. الخ، ووصف تفجير النفس ولو في المدنيين والأطفال
في تلك البلاد بأنه أسمي صور الجهاد!! ولم يتورع عن التحريض ضد كتاب ومثقفين وفنانين بالتشكيك فيهم ومصادرة انتاجهم وملاحقتهم، ولم يعرف المجتمع الخليجي هذا الأسلوب
التحريضي التهييجي إلا بعد غزو الإسلام السياسي.
8- التبرير: يفسر الخطاب الديني، الطرح الإرهابي بأنه جاء كرد فعل للظلم الأمريكي والغربي ولذلك يلتمس مبررات متعددة للإرهابيين وهي إما مبررات سياسية - فلسطين والعراق
والكيل بمكيالين - او اقتصادية مثل البطالة او اجتماعية: خروج المرأة والتبرج والاختلاط وشيوع المنكرات أو إعلامية: المسلسلات والحفلات الغنائية أو يعلل العمل الارهابي بمظالم
الأنظمة العربية وتبعيتها للخارج. وكل هذه المبررات، هراء. وذلك التفسير أو التعليل خطأ سياسي ومعرفي لأن الإرهاب فعل قائم بذاته له أيديولوجيته وأهدافه، وجدت تلك المبررات أو لم
توجد وإلا ما تفسير ظهور الخوارج القدامي؟ الإرهابيون أبناء بررة لخطاب ديني متعصب، هم نتاجه - قبل الاحتلال وبعده - وهم جميعاً يُسقون من منبع مسموم واحد هو المنبع التكفيري
.
9- تغييب دور العلم والعقل: يتجاهل الخطاب الديني العلم والعقل حينما يحاول اقناع الناس بأن الزلازل والأعاصير، عقوبة إلهية للذنوب والمعاصي. ما ذنب الأطفال
والأبرياء؟!.
10- عدم الواقعية: ينشد الخطاب الديني المثاليات ويتجاهل الواقع، يتحدث عن التسامح ولا يلاحظ ان المسلمين يفتقدون الحد الأدني للتسامح فيما بينهم فضلاً عن الآخرين، يتباهي بحرية
العقيدة ولا يسمح ببناء معابد لأصحاب الديانات الأخري، يثير المعارك حول أمور فرعية خلافية - النقاب، الموسيقي، اللحية، الاختلاط - ولا يغضب لانتهاك الحريات. يدعو لمسيرات
المقاطعة والاحتجاج والغضب ولا يدعو لمسيرات ضد التعذيب الممارس في سجون عربية!! هل سمعت خطابا دينيا ضد التعدي علي حقوق الانسان؟! لا يمل الحديث عن تكريم الاسلام
للمرأة ولكنه لا يقول لنا لماذا انقلب المجتمع ضد المرأة ومارس التمييز ضدها؟!.
الآن: السؤال الثالث: هل يمكن تجديد الخطاب الديني؟
لا يمكن تجديد الخطاب الديني إلا بتجديد الفكر الديني المحاصر بثالوث (سلفية تكفيرية/ صحوية اخوانية/ تراثية ماضوية) وأهم عناصر التجديد:
1- إحياء النزعة الانسانية المغيبة في الخطاب الديني واحتضان الانسان لكونه انساناً مكرماً من قبل خالقه: مسلماً أو غير مسلم، ذكراً أو أنثي، سنياً أو شيعياً، سلفياً أو متصوفاً.
2- التركيز علي القواسم المشتركة بين الأديان والمذاهب وإضاءة أوجه الشراكة النافعة وتجنب الخلافيات والنفخ فيها.
3- الانفتاح علي واقع المجتمعات وآفاق المعرفة الانسانية وأفق المقاصد الشرعية.
4- تعزيز قيم المواطنة والانتماء وإعلاء حقوق الإنسان واحترام التعددية.
5-إعادة الاعتبار لمفهوم الجهاد الاسلامي بعد أن شوهه دعاة التطرف وذلك بتبني مفهوم انساني رحب للجهاد، فالجهاد الحق هو أن نحيا ونعمّر وننتج ونتقدم في سبيل الله.
6- تفكيك تحالف السلطة الدينية مع السلطة السياسية التي توظف الخطاب الديني لأهدافها.
7- إعادة تثقيف الأئمة والخطباء وتطوير المناهج الدينية وتخصيبها بأفكار المجددين.
8- تبني المنهج النقدي وإشاعته والانفتاح علي المعارف الانسانية.
9- التمييز بين تاريخ المسلمين والإسلام، وعدم الخلط بين الدعوي والسياسي، والفصل بين ما هو رأي فقهي وما هو أصل شرعي.
د. عبدالحميد الأنصاري
المصدر: الراية القطرية، 13/11/2006