حقوق الإنسان والمواطنة
اصبحت قضية حقوق الانسان واحدة من اهم القضايا على الساحتين السياسية والثقافية خلال السنوات الماضية، وعلى الرغـم من هذا الانتشار واتـساع التداول فانها لا تـزال محاطة
بقدر من الغموض والتشويش، ولا تزال خاضعة لذاتية التفسير وبراجماتية التطبيق، فقد شنت حروب ودمـرت دول وارتكبت مجازر وازهقت ارواح وانتهكت حرمات باسم حقوق الانسان،
وما من دولة الا وتدعي انـهـا تحـترم حقوق الانـسان في سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية، وانها تحترم مبادئ حقوق الانـسان وتنفذ مـبادئ حقوق المواطنة وتـحترمها في
سياساتها وفي تعاملها مع مواطنيها . وعلى الرغم من التوظيف السياسي لمبادئ حقوق الانسان على المستوى الدولي فان ما يهمنا هنا هو الاختلالات التي تؤثر على مستوى الالتزام بمبادئ
المواطنة على المستوى الداخلي، فجميع الدول الاستبدادية والشمولية والديكتاتورية والديمقراطية تدعي انها تحترم حقوق الانـسان وتنفذ مـبادئ حقوق الـمواطنة، ومـسيرة حقوق الانسان
مسيرة طويلة، وقد بدأت الانسانية في تحقيق اول تحول كبير في مسيرة حقوق الانسان عندما تم الانـتقال مـن دولة الحـق الالهي في اوروبا الى دولة العقد الاجتماعي، وقد تزامن هذا
التحول مع ولادة الرأسـماليـة وظهور البرجوازية، وما ترتب عليه من ظهور الدولة القومية Nation State وفي ظل الدولة القومية ظـهرت حقوق الرعايا، فـكل شخص يخضع
لسيادة الدولة له حقوق معينة، واصبح الفرد في ظل هذه الدولة احد رعاياها Nationals بمعنى ان له حقوق باعتباره متمتعاً بجنسية Nationality الدولة . على الرغم مما حدث من تحول
في اوروبا مع ظهور الطبقات الجديدة فان ما حصلت عليه من حقوق لم يتعد الحقوق المدنية، ولم تحصل على اية حقوق سياسية، فقد ظلت تخضع لانظمة سياسية تقوم على الحكم المطلق
وحكومات تتصرف في شؤون البلاد والعباد حـسـب نزواتها، وحــكام يحتكرون كل السلطات، ولا يتيحون لشعوبهم اي فرصة للمشاركة في تحديد مصير دولتهم باعتبارهم رعـايا لا
مـواطنين، وقد ناضلت البرجوازية الناشئة من اجل التحول من النظام السياسي القائم على اساس الجنسية Nationality الى نظام سياسي يقوم على اساس المواطنة Citizenship
وعضوها في نضالها فلاسفة الـتـدويـر، وقد تمثلت اولى الانتصارات التي تحققت في مسيرة التحول نحو حقوق المـواطنة في عـدد من الوثـائـق التي صدرت عن الثورات
الانكليزية والفرنسية والاميركية، حيث صدر اعلان الحقوق فـي بريـطانـيا عـام 1689م ووثيقة حقوق الانسان والمواطن التي صدرت في فرنسا عام 1789م ووثيقة الاعلان عن
استقلال الولايـات المتحدة الاميركية عام 1776م ثم دستور الولايات المتحدة الاميركية عام 1787م واعلان الحقوق الاميركية عام 1791م . والدولة التي تتعامل مع السكان فيها
باعتبـارهم رعايا Nationals تمنحهم ما يسمى بالحقوق المدنية السلبية، الا ان المساواة بين السكان فيها تكاد تكون معدومة سياسياً واقتصادياً، وتتمتع في ظلها الصفوات التقليدية
والارستقراطية بامتيازات سياسية واقتصادية كبيرة، وتـأتي مـعظم هـذه الامتيازات من خلال سيطرتها على الدولة، التي لا يتاح للفئات الاجتماعية الشعبية والطبقات الجديدة فيها اي
فرصة للوصول الى السلطة ومراكز صنع القرار فيها، وتقوم الصفوة التقليدية المسيطرة على الدولة والسلطة بترويج ثقافة لا تساعد على التقدم السياسي والاقتصادي، وتبرر كل اشكال
انتهاك حقوق الانسان الناجمة عن تجاوزات الحكومة وتشوهات النظام السياسي.
حـقوق المواطنـة والثـقافة الـمدنية :
لا تتحقق مبادئ المواطنة المتساوية الا في ظل الدولة الديمقراطية والتي يمكن ان توصف ايضاً بالدولـة المدنية، ذلك ان مفهوم المجتمع المدني بمعناه الواسع يشمل الدولة والمجتمع،ومفهوم
المجتمع المدني بهذا المعنـى يقصد به المـجتمع الـذي تنظم فيه العلاقة بين الدولة والمواطنين على اساس القانون، وهو بهذا المعنى نقيض المجتمع العسكري والمـجتمع الديني
والمجتمع القبلي والمجتمع العنصري، حيث تقوم العلاقات بين افراده على اساس القانون لا على اسـاس التراتبية العسكرية او القبلية او التفويض الالهي، ولا يمكن تحقق ذلك الا في ظل
انتشار ثقافة مدنـية قائـمة على المساواة والحرية والعدالة والاعتراف بالاخر والاحتكام الى القانون وحل الخلافات بالطرق السلمية . شهدت العراق تطورات سياسة وقانونـية مهمة باتجاه
تكريس حقوق الانسان ومبادئ وحقوق المواطنة المتساوية،.
ولا يزال مبدأ تكافؤ الفرص في كل المجالات محدود جداً، وما زالت معوقات اجتماعية عديدة، والفساد لم تحقق جهود مكافحته سوى نجاحات محدودة جداً. ان تــفعيل حقوق المواطنة لا
يتم بمجرد اتمام التحول القانوني ذلك ان المسؤولين عن انفاذ القانون ما زالـوا متأثرين بتوجهات ثقافية تقليدية تتعارض مع ثقافة حقوق الانسان وحقوق المواطن، فضلاً عن ذلك فان القوى
التقليدية في المـجتمع بوسيلة او باخرى تقاوم هذه التغييرات، اما القوى التقليدية في السلطة فانها تعمل على تجزئة الاصلاحات وعدم تكاملها. ومن المتوقع ان يستمر تشوه التحول السياسي
والقانوني والاجتماعي والاقتصادي، وان تظل المواطنة منقوصة ما لم تتـخذ اجراءات اصلاحية حقـيقية، فما هي الاصلاحات المطلوبة لاستكمال التحول وتصحيحه واكتمال مبادئ
وحقوق المواطنة؟ المطلوب لتجاوز هذه الاوضاع يتمثل في اتـخاذ اجـراءين هما: تمكين قوى التحديث من المشاركة الفاعلة في توجيه النظام السياسي، واعداد وتنفيذ برنامج شـامـل
للاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، تحتـل فيـه الاصلاحات الاجتماعية والثقافية اهمية محورية، وذلك من خلال تشخيص جيد للتوجهات الثقافية التي تـعوق المساواة
والعدالة والحرية، وبالتـالي تصميم برامج للتغيير الثقافي وتنفيذها،وتوجيه مؤسسات التنشئة الاجتماعية ( المدارس، وسائل الاعلام، المؤسسات الديـنية ... الخ ) باتجاه تصميم برامج
متلائمة مع متطلبات الثقافة المدنية المطلوبة لاعداد الجيل القادر على استيعاب المتغيرات من جهة وتكثيف العمل على بلورة فكرة تغيير المفاهيم الخاطئة المترسخة في اذهان البعض
.
حسين علي الحمداني
المصدر: الفيحاء، 8/12/2006