جلال الطالباني....لم يعد لغزاً عصيّاً

رغم تقدمه في العمر(74 عاماً) وتأريخه السياسي الذي مارسه في سن مبكرة جداً بانضمامه للحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة البرازاني الأب أواخر الاربعينات،ورغم شهرته كفعالية سياسية كردية فاقت شهرة زعيمه الملا مصطفى،ومساعي استمالته من قبل ساحات دول الطوق الكردي،يبقى رئيس العراق الحالي مام جلال الطالباني رقماً سياسياً محيراً...

هناك في خيمة اعدت له بقاطع ايران الحدودي مع العراق،مع مئات الخيم لقاعدته المرعوبة من هجوم دبرته قوات صدام مع فصائل حزب مسعود البارزاني منتصف التسعينات في كردستان العراق،التقيناه كإعلاميين وصحفيين..التقطنا له صوراً بدا فيها متجهماً غاضباً يشير بسبابته ناحية عاصمته السليمانية ويتهم أربيل قلعة البارازاني..!وبعد مجموعة اسئلة،كان الرجل يدهشنا بسيطرته على اطراف الحديث وقابليته في المحافظة على الاتزان وهو يجيب على تساؤلات الاعلاميين،فقد رأيت غيره وفي أقل من مناسبة هذا الألم يعتذر عن استقبال الصحافة.

قلنا للسيد جلال(في تقديم مفضوح النية،يسميه الاعلام بالممهد):يشاع عن الاستاذ جلال الطالباني عدم الثبات في الأداء السياسي،تقلبات مشهودة في الاخذ والعطاء،وفي الشد والتراخي مع خصمه،سلطة كان الخصم أم حزباً..!فمرة مع الخصم يناصره ضد ثالث،وتارة مع الثالث ضد الخصم يطاحنه في معارك..!!
اعترض تمهيدنا بشدة هاتفاً:قولوها بشجاعة..!أن جلال مخادع سياسي!أو متلون او يلعب على... أهذا ما تودون قوله؟(ثم تابع):إعلموا ولتعلم الدنيا..ما جلال الطالباني الا قائد مركب صغير في عرض هذا البحر الطائش الهائجة أمواجه،وما عليّ الا ان أناور واجاهد لأوصل قاربي الى شاطئ الامان.

قال فيه الخصوم:رجل التقلبات سياسياً،لا تقيد تطلعاته استراتيجية معينة ولا تحكم علاقاته المبادئ،وقيل فيه ايضاً:انه مستسلم للحالة السائدة،كما ذهب مؤيدوه الى ان الرجل محكوم بحالته الكردية التي همشتها قوى الطوق الخمس:عراق ما قبل السقوط وايران الشاهنشاهية والاسلامية معاً وسوريا وتركيا كذلك،وروسيا اليوم واتحادها السوفياتي بالأمس..

طوى جلال مراحل حركته السياسية بصورة قاربت آراء خصومه فيه،وعرف كسياسي داخل العراق مذ ترأس وفداً كردياً عام 1963 يتفاوض مع عبد السلام عارف- الرئيس الاسبق للعراق- حول المشكلة الكردية،ومن هنا ايضاً غمزته رماح خصومه الاكراد بعد ان انشق عن حزبهم الديمقراطي(البارتي) بزعامة الملا مصطفى البارازاني ليؤسس مع منشقين فصيلاً كردياً بمنأى عن البارتي،ومعارضاً- ايضاً- لسلطة بغداد عُرف بالمكتب السياسي للبارتي سرعان ما دخل هذا الفصيل- اطلقت عليه حكومات بغداد المتعاقبة بالفرسان وسماه خصمه" بالجحوش" نكاية- في تحالف عسكري مع الحكومة المركزية العارفية ضد الملا مصطفى.

جلال الطالباني أو كما يسميه البعض ثعلب السياسة،اثبت مهارته في فتل خيوط القضايا الكبيرة التي تواجهه،كردية كانت او عراقية عربية وحتى الاسلامية،والاهم تمسكه برأس المفتول بالاتجاه الموفق،تجاذبات 65 عاماً من السياسة دربته على الفتل وعلمته من اين تؤكل الكتف،ولم تبعد عن فكره لحظة الحيطة في وضع البيض بسلة الغريم ..كان هذا جلال المعارض..!

اما جلال الرئيس،فقد افصح عن قابليته هذه اكثر واتسقت لمساحة مسؤولياته الحالية،فنجاحه في خلع الدكتور الجعفري- رئيس الوزراء السابق- مروراً بإسكات الاعين عن النظر في قضية كركوك ووصولاً الى تنصله من إعدام الرئيس صدام- بذريعة ان كاكه جلال كان من بين المحامين الذين وقعوا على إلتماس دولي ضد عقوبة الاعدام- وتطلعاً منه الى تحقيق المزيد من المكاسب السياسية في دعوته للافراج عن برزان التكريتي الاخ غير الشقيق للرئيس العراقي السابق- بذريعة السماح لبرزان للمعالجة الطبية.كل اؤلئك سجل لـ مام جلال قدراً كبيراً من المقبولية لدى الداخل السني والاقليمي الرسمي والشعبي والدولي أهم.

مسك جلال- الناهض-عصاه من الوسط بعد اندثار حركة البرازاني الراحل في مكيدة الجزائر 1975 فيما بين رضا فهلوي(شاه ايران)وصدام التكريتي نائب رئيس العراق وقتئذٍ تقضي بتسليم الكرد(العصاة)وتجهيزاتهم القتالية الى بغداد مقابل نصف شط العرب والتعامي عن بعض النفوط المشتركة ونسيان مطالب خليجية في جزر طنب الثلاثة،وكذا مشكلة عرب الأحواز لصالح طهران.فقد انتهز الطالباني المناسبة فشكل الاتحاد الوطني الكردستاني(اليكتي) الذي نشط في قضم ساحة البارتي وشرخ ارضية اقدام ابناء الملا مصطفى بغياب والدهم،كما سارعت مواجهات اليكتي ضد قوة حكومة بغداد في اعالي الجبل حيناً،وفي مفاوضات مام جلال مع الحكومة حيناً آخر الى اشتهار صيت جلال كجهة مهمة بديلة عن الملا السابق،والتعامل معه كقائد كردي متنفذ،مما رفع عقيرة التجافي بين الحزبين الكرديين- البارتي واليكتي- والتعامل عند التلاقي بقلق يشوبه الاتهام..وهو ما تحسسناه في حادثة منتصف تسعينات شمال العراق الكردي بعد تحريره من يد صدام،واقصد بالحادث دعم صدام عسكرياً لكاكه مسعود البارزاني الابن القائد لحزب ابيه مصطفى ضد تنظيم جلال اليكتي الذي تعرض وتعرضت قواته(البيش مركه) لعملية مباغتة سريعة تبعتها ملاحقة ضروس نسجت بين صدام ومسعود ضد اليكتي شتاء 1994 كادت تودي بحياة جلال وحياة زوجته(الاسيرة عند مسعود)وحياة حزبه،ففر مع جل قواته الى الجمهورية الايرانية.
هناك...في ايران..في خيمة على الحدود..رفض جلال الطالباني مغادرتها الى الفنادق او المدن الايرانية..كان يصرخ: لن اغادر هذا المكان..اريد ان تأتي امريكا وحقوق الانسان وتنظيمات الانسانية لترى حالنا..!وهو يقصد مأساة الكورد ومظلوميتهم حسب ما صرح به لنا.

مصطفى الكاظمي

المصدر: صوت العراق، 13/1/2007