هل يهيئ حكام تركيا لعدوان على العراق إذا لم يلبى شروطها؟
وهل من تنسيق بينهم وبين حكام السعودية ووكلائهم المحليين؟

هنالك مؤشرات ودلائل واضحة على نية مبيتة لدى القيادات العسكرية والسياسية التركية لشن عدوان على العراق بحجج تشبه في بعض جوانبها الحجج التي أثارتها القيادات العسكرية والسياسية التركية قبل غزوها القسم الشمالي من جزيرة قبرص قبل بضعة عقود (خاصة "حماية الأقلية التركية" في شمال قبرص آنذاك و"حماية الأقلية التركمانية" في كركوك ألآن) والذي لا زالت تحتله لحد ألآن وتحاول إضفاء الشرعية على احتلالها لقبرص بفرض قبول ذلك الواقع على المجتمع الدولي بشكل تدريجي وبفعل عام الزمن.

من المفروض أن تدق هذه التحضيرات لشن العدوان على العراق نواقيس خطر لدى المسئولين العراقيين والكورد. يلاحظ من ضمن العلني منها ما يلي:
1- تحشيد حوالي ربع مليون جندي مدججين بالسلاح على طول الحدود مع العراق منذ مدة ليست بالقصيرة بانتظار الأوامر لاكتساح حدود العراق والسيطرة على "ولاية الموصل" حين يكون المناخ الطبيعي والجو السياسي مناسبا.
2- تنظيم المؤتمرات والاجتماعات واللقاءات في تركيا لإثارة المشاكل ولخلق روح التحارب ولتعميق الصراع الطائفي في العراق وحول قضايا عراقية داخلية بحتة، مثل الدستور وكركوك ودور الطوائف الدينية وموقع المجموعات القومية والاثنية ودور ألصداميين مع العلم أن قوى سياسية عراقية معروفة تشارك في هذه النشاطات.
3- إستدعاء الحكومة التركية 17/1/2007 لسفرائها المعتمدين في كل من العراق والمملكة العربية السعودية وإيران وسوريا من أجل التشاور معهم والخروج بخطة سياسية واضحة وجديدة إزاء العراق.
4- عقد اجتماعات علنية وسرية للبرلمان التركي حول قضايا العراق، ربما للحصول على موافقة البرلمان على اكتساح تركي لكردستان العراق لإضفاء "الشرعية التركية" على مثل هذا العدوان لمواجهة انتقادات محلية أو دولية محتملة.
5- تصعيد العمليات الإرهابية وتفجير السيارات المفخخة في مدينة كركوك والموجهة ضد المدنيين العراقيين.
6- تصعيد واضح في لهجة خطاب القادة السياسيين الأتراك، خاصة رئيس الوزراء ووزير خارجيته، تجاه العراقيين عموما، والكورد والشيعة خصوصا، والتركيز على إن تركيا سوف لن تقف "متفرجة":
أ‌- إذا تم تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي الذي صوت عليه شعب العراق بكافة مكوناته وشرائحه ووافقت عليه أغلبية سكان العراق بنسبة تفوق الـ 70% وأغلبية المحافظات (16 من مجموع 18 محافظة، أي بنسبة حوالي 90%).
ب‌- إذا لم يتم تغيير الدستور ليلاءم المخططات العدوانية والمطامح التوسعية والتوجهات الطائفية والسياسات الشوفينية للقيادات التركية السياسية والعسكرية.
ت‌- إذا لم يذعن العراق لرغبات ومخططات القادة الأتراك في ضرب الكورد في العراق وسحق كل ما حققوه من مكاسب سياسية ومكتسبات اقتصادية وثقافية وغيرها.
ث‌- إذا شاركت القوات المسلحة العراقية المتمركزة في كوردستان العراق في عمليات استتباب الأمن والاستقرار وسيادة القانون في بغداد.
ج‌- إذا لم يشارك العراق في حل إحدى أكبر مشاكل تركيا الداخلية وهي عدم قدرتها على إبادة حزب العمال الكوردستاني وإفنائه من الوجود تلبية لرغبات القادة العسكريين والسياسيين الأتراك، إذ تعتقد القيادات السياسية والعسكرية التركية أنها تستطيع أن تكرر بنجاح ماحقته من ضغوطات على سوريا والتي أدت إلى اختطاف وسجن رئيس ذلك الحزب.
ح‌- إذا رفض العراق عودة ألصداميين، قدامى كانوا أم جدد، "أفندية" كانوا أم "ملتحين"، "علمانيين" كانوا أم "طائفيين"، إلى حكم العراق من جديد ولإحياء الاتفاقات الأمنية والنفطية والسياسية وغيرها مع حكام تركيا وللتعاون التام معهم ضد "عدوهم اللدود" الكورد ولسحق الغالبية العظمى من شعب العراق.

فهل يشكل العراق يا ترى جزء من تركيا؟ وهل هو تابع يدور في فلكها ويقع تحت حكم السلطات التركية؟ أم أنه لا زال يتكون من ولايات الموصل وبغداد والبصرة يحكمها "الخلفاء العثمانيين" من انقرا؟

وإذا لم يكن كذلك، فما هي الإجراءات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية وغيرها التي اتخذتها وتتخذها السلطات العراقية الفدرالية والسلطات الكوردستانية الإقليمية لمواجهة مثل هذه التهديدات والمخططات العدوانية التركية؟ وما هو الموقف الحقيقي، لا المعلن، لإدارة بوش وللولايات المتحدة الأمريكية من هذه التهديدات ومخططات؟

الغريب في الأمر أن رئيس وزراء تركيا ووزير خارجيته وحزبه الذي لم يستطع لحد ألآن تغيير بعض مواد دستور بلاده لتلبية شروط دخول تركيا إلى السوق الأوربية المشتركة، "يصدر الأوامر" للعراقيين لتغيير دستورهم ولإيقاف تطبيق بعض مواده التي لا تروق لحكام تركيا من عسكريين وسياسيين!

والغريب إن رؤساء وزراء تركيا ووزراء خارجيتهم لم يتفوهوا بكلمة واحدة ولو همسا حين تعرضت كركوك لتغيير سكاني كبير شمل الكورد والتركمان والعرب، وحين تعرض التركمان إلى الاضطهاد زمن الدكتاتورية!

والغريب أيضا أن تركيا تحلم في أن تصبح عضوا في السوق الأوربية المشتركة لتؤكد لنفسها أنها دولة "أوربية" ولتظهر للآخرين وكأنها دولة متمدنة تتصرف بمسؤولية وفق المعايير الدولية المعاصرة وتلتزم بالاتفاقيات والعهود الدولية وبمواثيق الأمم المتحدة فيما يتعلق بالعلاقات بين الدول الأعضاء فيها! من المؤكد أن هذه الأحلام ستقبرها الحكومة التركية وسيبخرها جنرالات جيشها بأنفسهم إن نفذوا تهديداتهم وحولوها إلى عدوان مسلح على العراق وشعبه. وكما نتوقع فسوف لن يكون دخول الجيش التركي للعراق ولكوردستان العراق نزه وسوف لن يكون على شاكلة اكتساحه لشمال قبرص.

فهل هذا التصعيد هو للظهور كمن يعمل شيئا تلبية لضغوطات داخلية عسكرية ومخابراتية ولترضية بعض الإطراف المحلية وبعض التنظيمات التركمانية المعروفة بصلاتها بالسلطات التركية؟ أم هل هو تهديد باستعمال السلاح للضغوط على السلطات العراقية والكوردستانية والولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أهداف سياسية؟ أم هل هو فعلا مغامرة مسلحة تراود حكام تركيا الحاليين؟

كما نقلت شبكة NBC الإخبارية عن مسئول أمريكي قوله إن السعودية على استعداد لإدخال قواتها إلى العراق في حال تدهور الوضع الأمني وتحول الأمور إلى درجة الفوضى الكاملة. وذكرت الشبكة أن وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل لم يبذل جهدا لإخفاء شكوكه حول خطة الرئيس بوش الجديدة لإرسال أكثر من 20 إلف جندي إضافي إلى العراق في محاولة لاحتواء العنف الطائفي هناك.

وأضاف المسئول الأميركي الذي طلب من مراسلة NBC أندريا ميتشل التي ترافق وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في جولتها الشرق أوسطية، عدم الكشف عن اسمه، قائلا إن المسئولين السعوديين عبروا لرايس عن شكوكهم العميقة في إمكانية نجاح حكومة المالكي في تنفيذ الخطة الجديدة، وان قلقهم الأساسي هو مصير العرب السنة في محافظة الانبهار، وإن الرياض بصدد وضع خطة لإرسال قوات عسكرية إلى المحافظة في حال فشل خطة بوش الجديدة. وقد رفض الناطق باسم البيت الأبيض التعليق على تقرير شبكة NBC الأميركية.

منير الشيخلي
18/1/2007
munir.alsheikhli@gmail.com