استحقاقات الخصخصة في الاقتصاد العراقي

الواقع الاقتصادي قبل السقوط

بدءا وجب التنويه الى صعوبة التطرق الى واقع وآفاق التطور الاقتصادي في العراق خلال العقدين الأخيرين أو في فترة السنوات الأربع ما بعد السقوط، وذلك يعود الى ندرة ودقة المعطيات الاحصائية، أو بسبب عدم الكشف عنها سابقا لأسباب تتعلق بطبيعة النظام البائد. كما ان صعوبة تحديد حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للاقتصاد الوطني جراء سياسة تهور النظام المذكور وما تم من دمار وتخريب في البيئة الانتاجية والاستثمارية في عراق ما بعد السقوط يزيد من صعوبة التحليل.

من المعروف ان الشعب العراق واقتصاده الوطني تعرض الى خسائر مادية وبشرية جسيمة يمكن الاشارة اليها بشكل عابر وذلك لتبيان صورة متواضعة للآفاق الاقتصادية وتحديدا في ما يتعلق بحجم الانتاج المحلي، نسبة التضخم، حجم البطالة ومؤشرات الانتاج والاستهلاك والتوزيع وحجم الاستثمارات الاجنبية القادمة مستقبلا، كل ذلك في إطار عمليات الخصخصة التي ستأخذ طريقا لها في السياسة الاقتصادية، لا يمكن الاستهانة بمخاطرها على صعيد تركيبة وإعادة هيكلية الاقتصاد وعلى صعيد المستوى المعيشي للفرد الواحد.

نجمل هنا الخسائر المادية والبشرية في العراق طيلة عقود كالآتي :
- خسارة العراق لسلة عملاته الصعبة والمقدرة بما يقرب من 40 مليار دولار خلال الحرب العراقية – الإيرانية 1980 – 1988
- عدم الاستفادة من الفوائد المركبة لسلة العملات الصعبة في حال وضع مثل هذا الاحتياطي الضخم في البنوك العالمية في حينه، وتقدر الخسارة بـاكثر من 80 مليار دولار جراء الانجرار وراء حروب فاشلة
- انفاق اكثر من 100 مليار دولار على شراء الاسلحة طيلة عقدين
- مديونية العراق جراء الحرب ضد إيران بلغت 80 مليار دولار
- وللدفاع عن البوابة "الشرقية" دفعت كل من السعودية والكويت للعراق مليار دولار شهريا طيلة فترة الحرب العراقية – الإيرانية
- قامت السعودية بتسويق 300 الف برميل نفط يوميا الى الاسواق العالمية باسم العراق، تم تحويل مبالغها الى صدام حسين. وبحساب الارقام حصل العراق على 2.7 مليار دولار عام 1983 وفي عام 1984 حصل العراق على 3،5 مليار دولار. اما في عام 1985 فقد حصل العراق على 3،2 مليار دولار وفي عام 1986 فقد بلغ ما حصل علية العراق هو 3،9 مليار دولار. لقد حصل العراق من عام 1980 – 1986 ما مجموعه 37،3 مليار دولار ومن 1988 – 1989 ما مجموعه 12 مليار دولار .. اترك حاصل جمع الخسارة لفترة حرب الثمان سنوات للمتتبع.
- الكلفة الكلية لحرب الخليج تقدر بـ 450 مليار دولار (للمزيد من التفاصيل راجع رفعت سيد احمد – قصة الخليج)
- الكلفة الكلية للدمار الاقتصادي وتوقف صادرات النفط وغيرها ما بعد السقوط تقدر باكثر من 500 مليار دولار
- قراران من رأس النظام البائد عامي 1980 و 1990، اي خلال عشرة اعوام، كلفا العراق ما يعادل 2000 مليار دولار (الفا ميليار دولار)
- التعويض المستمر للجهات المتضررة لا تزال تستنزف الكثير من واردات العراق على حساب المستوى المعيشي للفرد العراقي وعلى حساب التنمية الاقتصادية في ارض الرافدين.

الواقع الاقتصادي بعد السقوط

والحديث عن الواقع الاقتصادي لعراق ما بعد السقوط، فهو الآخر اكثر صعوبة بسبب عجز مؤسسات الدولة من متابعة الحدث، او مراقبة المتغير في هيكلية الاقتصاد الوطني نتيجة الدمار والعجز الذي لحق باكثر من مفصل من مفاصل الفعل الاقتصادي، او في التشويه الذي رافق الحياة العامة للمجتمع العراقي والعائلة العراقية تحديدا. وكما هو مشخص لكل مطلع اقتصادي، وما هو متداول عالميا، هو أن معيار الشرعية السياسية ومصداقية العمل والنشاط السياسي للقوى الوطنية داخل الحكم وخارجه يقاس بحجم المنافع الاقتصادية وما يتحقق من مكاسب على مستوى دخل ومعيشة الفرد الواحد في اطار تنمية مستدامة لعموم المجتمع، وهو ما يقودنا الى التأكيد على أهمية الربط بين النشاط السياسي والفعل الاقتصادي.

وكما هو ايضا شائع، أن مفهوم الاقتصاد الحديث المعاصر ينحصر في تبني آليات محددة وصولا الى الاستغلال العقلاني للموارد والطاقات الطبيعية والانتاجية والبشرية (RATIONAL EXPLOITATION) بغية تحقيق معدلات نمو مناسبة في أطار التنمية المستدامة.

في ذات السياق، وانصافا لما هو حق للتاريخ، وجب التأكيد على ان الظروف السياسية المعقدة في أعادة تركيب الدولة العراقية وما رافق ذلك من مواجهات ارهابية تخريبية دمرت الكثير من المرتكوات المادية للتطور الاقتصادي الوطني. كما نجد أن قوى عملت ولا تزال تعمل على اسقاط العملية السياسية ولا تزال تعيش حلم العودة الى عراق ما قبل السقوط. ان هذا التخريب المتعمد، وهذا الموقف العنفي بحق المواطنيين وبحق ما يمتلكه من مؤسسات خدمية وانتاجية، كان من اهم عوامل التلكؤ في تنفيذ البرامج التنموية لصالح المجتمع بكل اطيافه الاثنية والدينية. وهو ما ادى ايضا الى خلق بيئة غير مثمرة لنجاح المساعي من اجل عراق واحد متعاون ذي اقتصاد وطني متين يسهم في الارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطن.

وبعيدا عن الجانب السياسي، وقبل الشروع في البحث المتعلق بعملية الخصخصة، وجب التطرق الى مفاهيم مركزية وقواعد راسخة تخص التنمية الاقتصادية والتي تشمل مجموعتين اساسيتين هما عماد علم الاقتصاد ومرجعية تنظيرية لضمان نجاح عملية الخصخصة:

الأولى:
تشمل المايكرو ايكونميك (الاقتصاد الكلي) والمتضمن المؤشرات العامة التي من شأنها تحديد المعالم الرئيسية للسياسة الاقتصادية للدولة مثل الانتاج، التشغيل، الاسعار – التضخم والعلاقات التجارية الخارجية.

الثانية:
تشمل الميكرو ايكونميك (الاقتصاد الجزئي او المدخلي)، وهو الجانب الحيوي في علم الاقتصاد، تتحدد وفق مؤشراته مجمل السياسة الاقتصادية، مثل الانتاج، الدخل، الاجور والارباح.

هاتان المجموعتان تشكلان الاطار العام للاقتصاد الوطني وتحددان أليات تنفيذ عملية الخصخصة وصولا الى اصلاح اقتصادي فاعل ومريح على صعيد معدلات النمو وعلى صعيد المستوى المعيشي للمجتمع، وخاصة المستوى المعيشي للفرد في منشاة أو مصنع مشمول بعملية اعادة الهيكلية في اطار الاصلاح الاقتصادي – الخصخصة العامة.

ان المدخل الى موضوعة الخصخصة في العراق يتطلب ايضا الاشارة الى الدور الاقتصاي للدولة وعلاقة مثل هذا الدور في دعم القطاع الخاص لتلبية حاجات المجتمع الاساسية ومدى امكانية القدرة على تهيئة مستلزمات النمو الاقتصادي. أن من اهم النشاطات التي على الدولة الاضطلاع بها من خلال سياساتها الاقتصادية هي الاليات التي تنعامل معها من خلال السياسة النقدية والمالية الفاعلة لتحديد اطارعام واضحة المعالم للقوانين والتشريعات والقواعد التي تتحكم بعوامل التنمية وركائزها الاساسية والمتيسرة في البلاد. كما من الضروي تحديد السقف الاعلى للتضخم ومراقبة المتغيرات الناجمة عن تداعيات اقتصاية قد تظهر من حين لآخر.
لسنا هنا لبحث السياسات النقدية والمالية والتي تتطلب دراسة منفصلة ومسهبة، حيث ان البحث هنا محصورة باستحقاقات وتداعيات عملية الخصخصة في العراق بعد التعرف على المكونات الاقتصادية للعراق، والقدرة على اجراء الاصلاحات التي لا تتعارض مع طموحات الفرد والمجتمع على حد سواء .

اهم مكونات الاقتصاد العراقي

يتميز الاقتصاد الوطني في العراق(Characterstics of Iraqi Economy) في كثير من مكوناته التنموية بعناصر تنمية شبه متكاملة بعكس باقي اقتصاديات الدول المنضوية في اطار المراكز - المجموعات - الاقتصادية الرئيسية في العالم والمتبوءة المكانة الرئيسية في الاقتصاد العالمي، ولكنها تفتقد لعنصر او اكثر من عناصر التنمية. فمثلا اليابان تفتقد الى مصادر الطاقة والدول الخليجية تفتقد الى مصادر المياه والاراضي الخصبة ومصر تفتقد الى الرسمال الخ. ومن اهم هذه المجموعات الرئيسية: مجموعة الدول البترولية وخاصة الخليجية، مجموعة الدول الاسيوية وخاصة نموره، مجموعة دول اوربا الصناعية، الولايات المتحدة واليابان والصين

أما اهم ميزات الاقتصاد العراقي فهي:
1. لدى العراق اراضي خصبة و طاقات زراعية هائلة غير مستغلة ولم تكن يوما في تناغم مع باقي القطاعات الانتاجية والخدمية
2. الانتاج الصناعي في العراق على درجة جيدة من التكنولوجيا. هذا القطاع بحاجة الى اعادة هيكليته بهدف التأهيل وصولا الى سد حاجات المجتمع ومن ثم القدرة على التنافس
3. توفر الرأسمال اللازم للنمو الاقتصادي من خلال التدفقات المالية المتأتية من تصدير النفط الخام وكذلك الفوسفات وخامات الصناعات الانشائية وباقي المعادن غير المستكشفة
4. توفر قوى عاملة ماهرة على قدر من المهارة، وبنية تحتية واسعة القاعدة في مجال تطوير القوى البشرية
5. توفر المصادر المائية للاستخدام الزراعي وصناعة الطاقة
6. امكانات كبيرة للصناعة السياحية لدعم الاقتصاد الوطني

وهلى صعيد متصل نجد ان هناك تساؤلا مشروعا يطرح نفسه بقوة منذ اكثر من عقدين ومفاده :
هل قدم القائمون على سير الاقتصاد العراقي وما هو عليه من امكانات ما يسد او يلبي طموح الفرد او المجتمع، وهل كان في العراق من نظام اقتصادي واضح التوجه ام انه كان نظام اقتصادي مسخ جمع كل سلبيات النظريات الاقتصادية العالمية؟ ماذا ينتظر الفرد العراقي في عهد ما بعد السقوط من سياسات اقتصادية تحول دون نكسات وانكماش، وهل ستكون الخصخصة في اطار اقتصاد السوق الحل لكل المعانات المعيشية والتخلف الاقتصادي وصولا الى ما كان علية العراق قبل عقود وافضل؟.
اننا امام جدلية تنظيرية يصعب معها حسم التوجه الاقتصادي الفاعل بسبب تراكمات تشويهية لكامل التركيبة الاقتصادية، حيث تم عندها تعطيل وظيفة الاسعار في قياس كفاءة العملية الانتاجية من جهة وابعاد نمط الانتاج عن اولويات المستهلك، وكذلك الغاء عامل الربح في تحفيز فاعلية الانتاج. كما تم كذلك تعطيل عامل الخسارة لإحتواء الفشل في مجال الانتاج والتوزيع والتسويق. فالتحول أو الاصلاح الاقتصادي والانتقال الى اقتصاد السوق وتطبيق الخصخصة " الإيجابية " في اطار العرض والطلب اعتمادا على دور المستهلك لتحديد الأولويات وصولا الى:
1. اشباع الحاجات الاساسية للمجتمع
2. التخلص من التبعية الاقتصادية من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي نسبيا والاستغناء عن الكثير من السلع والخدمات الاجنبية التي قد تزيد من مديونية الدولة الخارجية والعمل بقدر المستطاع احلال المنتجات الوطنية محلها
3. عدم الاعتماد على تصدير المواد الآولية الخام كالنفط، ونقصد تطوير الصناعات التحويلية بدلا من الاستخراجية للحصول على القيمة المضافة
4. تلافي التشوهات الحاصلة في الهياكل الانتاجية وصولا الى التنوع السلعي
5. عدم الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي لتمويل المشاريع الاستثمارية او كعنصر رئيس في العملية الانتاجية بهدف فتح آفاق جديدة لتصنيع مخرجات جانبية تكون ضرورية لصناعة منافسة

أما فيما يتعلق بالهدف المرجو من تطبيق الخصخصة فهو يكمن في:
1. تصحيح التوجه الاقتصادي اعتمادا على القطاع الخاص الكفوء ماديا وفنيا
2. حماية المال العام من الهدر الناتج من تراكم الخسائر لمؤسسات ومشاريع الدولة اي التخلص من مشروعات الدولة ذات كفاءة وربحية صفرية
3. رفع كفاءة الاداء الاقتصادي والاداري
4. توسيع قاعدة الملكية
5. رفع مستوى الانتاجية في اطار سد حاجات المجتمع
6. زيادة الربحية
7. الرفع من القدرة التصديرية

الخصخصة والاصلاح الاقتصادي.:
لا يجب هنا اطلاع المتابع عن ماهية الخصخصة وما ذهب اليه الكثير من الاقتصاديين من تعريف او تنظير، فما قدمناه لحد الآن يكفي للتعرف على طبيعة عملية الخصخصة واهدافها. أما المطلوب في هذا السياق هو اتخاذ الحيطة والحذر من تداعياتها في ظل مساهمة الاستثمارات الاجنبية عند البدء باعادة اعمار العراق وعند فتح كل المنافذ على السوق العراقية وخاصة تلك المتعلقة بالجانب الانتاجي التكنولوجي دون الاخذ بنظر الاعتبار اهمية الخدمات كعامل مساعد لعملية التحول الاقتصادي.

ففي الكثير من الاحيان نجد ان الاستثمارات الاجنبية قادرة على ان تلعب دورا ايجابيا في تسريع وتائر ومعدلات التنمية في حال وجهت صوب الصناعات التحويلية ذات السمة التكنولوجية المتطورة والتي من شانها المساهمة في زيادة اجمالي الناتج القومي. ان على القائمين على تحقيق الخصخصة دراسة واقع المنشآت المدرجة على لائحة التحول الاقتصادي ان يكونوا على المام متكامل بكل الجوانب الاقتصادية والادارية - الفنية وطبيعة المخرجات واهميتها الاقتصادية، وجدوى خصخصتها، وتحليل الوضع المالي – الاداري للجهة المستفيدة من عملية الخصخصة، مع القدرة على تلبية مستلزمات النهوض بكفاءة الانتاج والتسويق، وخلق فرص جديدة للقوى البشرية ذات الكفاءة المطلوبة، فضلا عن بناء خطوط انتاجية جديدة بتكنولوجيا عالية، وغير ذلك من قضايا تتعلق بالفاعلية الشاملة في اطار الاستراتيجية الاقتصادية للدولة وصولا الى دمج القطاع الخاص بالصورة التي تعكس الجانب التنموي العام للبلاد. ان نجاح عملية الخصخصة تتطلب الانتقال بالتحول الاقتصادي من نظام الاقتصاد الشمولي الى اقتصاد السوق عبر مراحل متعددة، فالقفز على مفاصل قد يعتبرها البعض ذات اهمية ثانوية مما يضع المسار الاقتصادي امام عقبات يصعب تجاوزها على المدى المتوسط والبعيد. كما ان من الملفت للانتباه أن القطاع الخاص هو غير مؤهل حاليا لأخذ زمام المبادرة في استملاك المنشآت التابعة للدولة، والسبب يكمن في ضعف الامكانات المادية والتقنية للصناعيين واصحاب المهن التجارية. مما يتطلب دعما ماديا وتشريعيا كبيرا من الدولة كي يتمكن القطاع الخاص من أداء دوره الايجابي في انجاح عملية التحول الاقتصادي والمساهمة في دفع عجلة التنمية بدلا من ان يكون عائقا.
ان اهم المراحل التي يجب على اصحاب القرار المتعلق بالتحول الاقتصادي وصولا الى نجاح عملية الخصخصة هي:
المرحلة الأولى:
ضرورة اعادة الهيكلة الارتكازية للمنشآت مع توزيع نوعي للكوادر الفنية وتاهليهم بالشكل الذي يتناسب مع الخطوات اللاحقة في عملية الاصلاح الاقتصادي ومتطلبات التطور الاجتماعي المطلوب تحقيقه. وبخط متوازي مع تنفيذ هذه المرحلة يجب اقامة الاسس الاقتصادية - الاجتماعية ذات العلاقة بوتيرة الاسراع في تنفيذ المرحلة. ان من اهم هذه الاسس هو مبدأ المشاركة التعددية في وضع المفردات التفصلية للنشاطات الاقتصادية - التجارية للمنشأة أوالمؤسسة التي تشملها اجراءات الخصخصة.

المرحلة الثانية:
اهمية توسيع قاعدة البنية التحتية Infrastructurre - - ويتم عبر تركيز الاستثمارات المتعددة الاهداف في اطار استثمارات قابلة على الاسراع في بناء شبكة واسعة من المواصلات والاتصالات وربط المحافظات بالقرى والارياف، مضاعفة بناء محطات توليد الطاقة، بناء جسور اضافية في العاصمة وغيرها من المدن، وليس اخيرا زيادة من محطات وشبكات الري والسدود وكل ماله صلة بالتوسع المذكور على الصعيدين الصناعي والزراعي وحتى الخدمي بهدف امتصاص نسبة كبيرة من البطالة، واتاحة فرص تشغيل جديدة لسوق العمل. بذلك يمكن للقطاع الخاص من أخذ زمام المبادرة ورفع الثقل المادي والاداري الملقي على كاهل الدولة.

المرحلة الثالثة:
استغلال موسع للمصادر الطبيعية المتوفرة والمستكشفة وتسخيرها في خدمة القطاعين الزراعي والصناعي مع الاهتمام المضاعف بالتنمية الزراعية لخدمة القطاع الصناعي والخدمي وسد حاجات السكان من الغذاء وخلق ثقافة زراعية تساير النقلات التكنولوجية المعتمدة في دول العالم المتطورة.

المرحلة الرابعة:
عند بلوغ مرحلة من النمو الاقتصادي وتصاعد معدلات النمو في قطاعي الزراعة والصناعة، على الدولة وضع خطط ومعايير تساعد المنشآت المخصخصة على تطوير ودعم قطاع التصدير مع الأخذ بنظر الاعتبار اهمية تشجيع القطاع الخاص للولوج الى سوق المنافسة التجارية الاقليمية والدولية بمما يعزز سلة العملات الصعبة المستخدمة في نقل التكنولوجيا الحديثة أو للحصول على المواد الخام اللازمة لتطوير بعض الصناعات او الخدمات الاجتماعية.

وكي نتمكن من تحديد الاطار الفلسفي في التعامل مع عملية الخصخصة والقبول بمبدأ الانفتاح الاقتصادي وتبني اقتصاد السوق، نرى انه من الضروري ان نشير الى وجود ما نسميه من جانبنا بـنظرية " الخصخصة الإيجابية والخصخصة السلبية "، والفصل بين الايجابية والسلبية في عملية الخصخصة يجنبنا اخطاء كبيرة رافقت السياسات الاقتصادية لدول اسرعت في تبني عمليات التحول الاقتصادي. ونرى من الضروري الاشارة الى بعض من هذه الاخطاء التي ترافق الخصخصة السلبية كظهور فئة من السماسرة للحصول على توكيلات من الشركات الاجنبية وخلق بيئة لتجارة العملات وغسيلها، ظهور جماعة من رموز القطاع العام لنقل امراضه الى القطاع الخاص، اتساع دائرة المنافسة بين المقاوليين والتوجه نحو تملك العقارات والاراضي مما يؤدي الى خلل في القطاع السكني. كما ان الخصخصة قد يؤدي الى ظهور انماط جديدة من البذخ والسلوك الاستهلاكي واختلال في منظومة القيم الاخلاقية. ومما لايخفى على المتتبع ان الخصخصة السلبية تخلق تداخلا بين سلطة المال وسلطة القرار السياسي الخ.

وكي نتجنب مثل هذه الاخطاء علينا وضع خطوات متأنية ومدروسة وفق جدول زمني مرحلي وعلى الصعيدين أولهما الاجتماعي وثانيهما الاقتصادي.
مراحلة تحقيق الاصلاح الاقتصادي:
المرحلة الاولى على المدى القصير
1. وضع استراتيجية اقتصادية تتضمن تحقيق معدلات نمو تتراوح بين % 12 الى % 15 مع الأخذ بعين الاعتبار دور الدولة في ادارة النشاط الاقتصادي لتحريك الاستثمارات للمشروعات القائمة في مختلف القطاعات السلعية والخدمية.
2. الارتفاع بكفاءة تشغيل المشروعات القائمة والعمل على زيادة حجم الاستثمارات الجديدة في المجال الانتاجي وبالمشاركة مع القطاع الخاص (بيع نسبة من راس المال على شكل أسهم)
3. تعتمد الفترة الزمنية لهذه المرحلة على ما تحقق من اهداف ونسبة نجاح الدولة والقطاع الخاص في تحقيق معدلات نمو حسب المتوقع
4. يجب ان لا تتجاوز خصخصة المشروعات نسبة اكثر من 25 % من مجمل مشاريع الدولة
المرحلة الثانية على المدى المتوسط
1. في هذه المرحلة تكون الاستراتيجية الاقتصادية قد حددت معدلات نمو لاتتجاوز 10 % ولا تقل عن 8 %
1. يجب تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي – التجاري لحدود 40 %
2. الاستمرار في دعم القطاع الخاص للعب دور اقتصادي اكبر تدريجيا ومساهمة جادة في ادارة المشاروعات القائمة
3. تكون نسبة خصخصة المشروعات قد وصلت الى 60 % من مجمل مشاريع الدولة
المرحلة الثالثة على المدى الطويل
1. تتمثل هذه المرحلة بمعدلات نمو لا تتجاوز 8 % ولا تقل عن 6 %
2. تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي لحدود 10 % والخاصة بالمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي
3. الحفاظ على دور الدولة في مجالات التعليم والصحة والنقل والمواصلات ويمكن للقطاع الخاص من منافسة الدولة في هذه الانشطة
4. تكون نسبةالمشروعات المتخصخصة قد بلغت نسبة 90 %

الجدير ذكره ان تنفيذ الخصخصة يتحقق عبر اشكال عديدية واهم هذه الاشكال هو B.O.T والتي تعني انشاء مشاريع - بناء، تشغيل ونقل - تدار من قبل القطاع الخاص او الجهات الاستثمارية الوطنية او الاجنبة لمدة معينة تقاس بالسنين ومن ثم انتقال ملكيتها الى الدولة. وهناك اشكال أخرى لاقامة المشاريع في ظل الاصلاح الاقتصادي لا مجال هنا لذكرها كـ B.O.O و B.O.L.T و B.R.T.

وختاما وجب القول من ان بلدا كالعراق وما يملكه من موارد طبيعية ومستلزمات النمو الاقتصادي كما مر ذكره، لا يفترض ان يكون اقتصاده ذو طابع انفتاحي مطلق، بل ان اقتصاده يجب ان يكون في توجهه كثير المرونة مع سوق راس المال الوطني لتشجيع القطاع الخاص وصولا الى خلق قيمة مضافة تستخدم لغايات التنمية الشاملة المستدامة المبنية على مبدا تحسين معامل راس المال الانتاجي Capital Output Ratio اي حدوث توسع ملموس في الطاقة الاستيعابية لامتصاص اكبر قدر ممكن من البطالة وتحقيق قدر من العدالة في توزيع واعادة توزيع الدخل القومي وزيادته بشكل تدريجي، والذي يؤدي بالتالي الى متغييرات ايجابية على صعيد الطلب الكلي نوعا وكما وصولا الى التوسع الافقي والعامودي المنشود.

الدكتور خليل شمه
مستشار اقتصادي في الخارجية التشيكية

المصدر: صوت العراق، 21/2/2007