الطبقات الوسطى العراقية التي تولد ولا تولد ... والتراكم الحضاري المبدّد
فالح عبد الجبار الحياة - 18/02/07//
ثمة واقعة تفقأ العين: هجرة نحو مليوني عراقي، جلّهم من رجال الاعمال والتكنوقراط والمثقفين واصحاب الاعمال الحرة الحديثة. عبرَ هؤلاء الحدود في تيار جارف، لا يني يتزايد،
متجهين الى سورية والاردن والخليج، بل حتى الى تركيا.
يقول علماء الاجتماع ما مفاده ان الهجرة احتجاج على اللامساواة. قد ينطبق ذلك على الهجرة العراقية في التسعينات، عقد الحصار المادي والخراب الروحي. وقد يصح ذلك، في بلدان
اخرى، على ما يدعى «الهجرة الى النفط»، تسرب الفئات الاجتماعية الهامشية او المستعصية الى سوق العمل المفتوح في الخليج، او اوروبا واستراليا وكندا واميركا .
الهجرة الحالية لا تشبه كل ذلك. انها ليست هرباً من سوق عمل مغلق، ولا إفلاتاً من لعنة انسداد المستقبل بمهن حكومية ذات رواتب هزيلة. الهجرة الحالية اكثر غريزية، واقل ادعاء
ايديولوجياً وهي التماس للحق الاول: حق الحياة، او بتعبير أدق حق البقاء على قيد الحياة.
ثمة في هذه الهجرة، والحق يُقال، ثفالة من فاقدي السلطة والنفوذ، والثفالة هي ما يشبه ثمالة الكأس، بقايا ملفوظة، راسب الرواسب، الذي يخلو من كل الاسباب عدا الضرر. ولعل الهجرة
طلباً لحق الحياة، هي أقسى انواع الهجرات. تسود حيث تنحدر الحياة ذاتها الى درك المصادفة، وتتدهور العلائق بين البشر الى وهدة قانون الغاب الثابت: افتراس كل مخلوق، الفتك بكل ما
هو حي. وليصبح قانون البقاء هو قانون الاختفاء، والتخفي، والهرب، لكل كائن لا ينتمي الى الضواري. العراقي المهاجر هو العراقي المنتج، والمفكر، والمتعلم، والمتخصص، وهو أيضاً
كائن اللاعنف. ان هذه الهجرة المليونية هي اكبر احتجاج على العنف المنفلت، العنف الطائفي، عنف الميليشيات، عنف الاصوليات البدائية، عنف المافيات المأجورة، عنف فرق الموت في
البزَّة الرسمية، عنف الساعين للعودة الى النظام القديم، وعنف الساعين الى احتكار سياسي بلا رقيب.
ولهذه الهجرة المليونية نتائج كارثية. فهي بالأساس هجرة القادرين على الهجرة، بما يتوفرون عليه معرفة، ومهارة، ومعلومات، تتيح لهم اختيار الملاذات الجديدة، وهي معرفة لا تتاح عادة
للفئات الفقيرة والهامشية. وهي ايضاً هجرة القادرين على تمويل الهجرة بما يتوفرون عليه من املاك، ورساميل، او مدخرات، وهي امكانات لا تتاح للفئات الفقيرة والهامشية.
ورغم ان العنف شامل في نزوعه الى المساواة المطلقة بتحويل كل مواضيع العنف الى فئة واحدة موحدة هي الضحايا، فإن القدرة على الافلات منه ليست متساوية.
لقد شهدت اوروبا حالاً مماثلاً أبان الحرب العالمية الثانية، لكن الهجرة اقتصرت على الطبقات الوسطى المنتمية الى فئات أثنية ودينيه محددة دون غيرها. أما في حال العراق، خلال عهد
البعث، كما خلال الحقبة الراهنة، فهو الدفق المتصل لصفوة الطبقات الوسطى. حصل هذا خلال الستينات والسبعينات في ايران، والعراق (ودول اخرى) افرغت المجال الاجتماعي من
نطف التراكم الحضاري. شهدت ايران مثلاً هجرة المثقفين باعداد هائلة ايام حكم الشاه، بينما كانت المدن تستقبل كل عام نحو ربع مليون مهاجر، من الفلاحين المدقعين، او الحرفيين
المهمشين. وتحولت المدن الايرانية بحدود معينة، الى قرى كبيرة، تسكنها حشود المهمشين التي تحولت الى زنود وعقول حركة الاحتجاج الحضري التي لبست لبوساً لاهوتياً آخر المطاف،
وجاءتنا بكارثة الاصولية الفاشية. في العراق حصل هذا خلال عقدي الثمانينات والتسعينات بخروج نحو ثلاثة ملايين الى المهاجر القصية. واليوم يتكرر هذا ثانية بقوة اكبر.
فالهجرة السابقة امتدت عشرين عاماً، فكانت كثافتها هينة. أما اليوم فان هجرة المليونين تتكثف في خلال عامين تقريباً، مولدة نتائج اجتماعية فاجعة. كان حصار وهجرة التسعينات الانهيار
الاول الاكبر للطبقات الوسطى. أما الهجرة الحالية فهي بكل تأكيد الانهيار الثاني الفاجع بكل المقاييس. والطبقات الوسطى، بحكم قيمها، ونمط عيشها، وثقافتها، تختلف اختلافاً بيناً عن الفئات
الهامشية والمهاجرة. فهذه الاخيرة تتسم عموماً، بالانغلاق، والمراتبية، والتعلق الشديد بشبكات القرابة، وأواصر الطائفة، والغرق في الولاء المحلي، فضلاً عن ميلها الشديد الى العنف، لا
لشيء الا لأن الانتماء الى منظمات العنف يمنحها مورداً للعيش، وسلطة تنجيها من شروط التهميش. كانت المدن في السابق ترعى الهامشي، وتدرجه في نقاباتها، وتفتح لابنائه في الاقل
فرص التعليم والصعود الاجتماعي. لكن هجرة الطبقات الوسطى، بين عوامل اخرى كثيرة، تبطل هذه التحولات.
الهجرة الراهنة هي هجرة جماعية للطبقات الوسطى، وهي افراغ للمجتمع من قواه الحية، وتقهقر الى ما قبل تخوم الحداثة. والهجرة الراهنة هي ايضاً بمثابة تصويت واضح على الفشل في
بناء نظام سياسي متوازن، قادر في الحد الادني، على تقديم ما يعرف بـ «السلع العامة» (Public goods) وهو تعبير تقني يراد به الوظائف الاساسية: حفظ القانون، والخدمات
الاساسية.
هل يعود المهاجرون؟ الخرافة الشائعة تقول ان العودة هي التشوف الاكبر. لكن الدراسات الميدانية التي اجراها الانثروبولوجيون على اكثر من خمسين مجموعة اثنية مهاجرة في العالم
برهنت ان 70 في المئة من الهاربين يبقون خارج البلاد، فابتكر الانثروبولوجيون عبارة «خرافة العودة». ورغم ان بيئة الهجرة الحالية للعراقيين تفتقر الى الحريات السياسية، أو الاستقرار
الاقتصادي، فان ضمان حق الحياة يطغى على كل ما عداه.
لم تبذل الامم المتحدة، حتى اللحظة، أي جهد ملموس لمقاربة مشكلة المهاجرين العراقيين الجدد، مثل انشاء وكالة غوث خاصة لمعالجة الحاجات الآنية لهذه الكتلة البشرية الهائلة التي
تستنزف سريعاً مدخراتها، وتفقد ايضاً ضمانات بقائها. يمكن للأمم المتحدة، مثلاً، تشجيع الهجرة المؤقتة الى كردستان العراق، شريطة توفير موارد كافية لتغطية حاجات النازحين. كما يمكن
فتح باب الهجرة المؤقتة الى اوروبا واميركا، او التفكير ايضاً بتوفير الرعاية الصحية ومتطلبات تعليم المهاجرين في بلدان الجوار، غير القادرة اقتصادياً على تحمل اعباء كهذه. من المؤلم
ايضاً أن تتصاعد اصوات خافتة، خجولة، من الامم المتحدة حول هذه المحنة الكبرى. ومن المخجل ايضاً ان تبادر «المنظمة الاميركية للهجرة» الى اثارة موضوع اللاجئين العراقيين، مقابل
صمت عربي مطبق. فالمهم، عند الصامتين، هو تسييس العذاب الانساني، لشتم الخصوم السياسيين، وهذا جزء ساذج وثابت من الثقافة السياسية السائدة في عالمنا العربي. فمن موشور هذه
الثقافة المهم شتم الخصوم، لا انقاذ البشر، واعفاء النفس من المسؤولية لا إثقالها بمسؤولية واجب ما، والنظر الى ما هو آني، دون استشراف كوارث المستقبل.