الحضارة الغربية. . قراءة بعيون عسلية

سيد ضياء الموسوي
لن أقول إن سماء الغرب تمطر عسلا ولبنا، وانهم يعيشون مدنا مطرزة بالحريروموشاة بالديباج. هم لايسكنون بلدانا افلاطونية، أو مدنا فاضلة، لكنهم - وفي أسوأ الاحوال- يعيشون حياة
أكثر نعومة، اقرب إلى الانسانية، أقرب إلى الرحمة والتحضر، ذلك انهم اكتشفوا ان الاقتتال كاد ان يقضي على كل ما أنتجته ثوراتهم التنويرية.
ليس ما أقوله افتتانا بالحياة الغربية، او تبتلا بمحراب حضارتهم بقدر ماهو اعتراف- وان كان البعض يراه مرا- بانتصارهم وهزيمتنا، بتمسكهم بالحياة وتشبثنا بالموت، بانسجامهم بما
يؤمنون به، وبشزفرينيتنا فيما نؤمن به وفيما نمارسه كما اننا موسميون حتى في مواقفنا تماما مثل المشمش.
نقاطع المنتجات الغربية في ساعة غضب شهرا ثم نرجع اليها بطريقة جنونية، ولنا في المنتجات الامريكية مثالا. قيل قديما، من الصعب ان تحب وتكون عاقلا كما انه من الصعب ان تكره
وتكون عاقلا. وهذه هي سنة الجماهير على مر التاريخ فالمؤمنون يحطمون دائما بنوع من الهيجان تماثيل آلهتهم السابقة كما هي قراءة غوستاف لوبون.
ان العقلية الشرقية كما هي العاطفة الشرقية مثل القناني الغازية سرعان ما تثور وسرعان ماتهدأ.
ضياع هويتنا جعلنا نقلد الغرب في قبحه- وهو قليل- تاركين ايجابياته وهي كثيرة. يقول العالم السوسيولوجي ابن خلدون في مقدمته المغلوب مولع ابدا بالاقتداء بالغالب في شعاره، وزيه،
وسائر اهواله وعوائده . هذا صحيح، وهذا مانتمناه على امتنا العربية، ان تولع بالاقتداء بالغالب في مواقع القوة التي يمتلكها لامواقع الضعف.
البعض يقلد الغرب في الشكليات، وصرعات الموضة لكنه يغفل قوة الغرب. يقول نزار قباني في شعره الجميل: (لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية).
اتمنى من شبابنا العربي ان يقلد الغرب في عبقرية التنظيم، ان يقلده في الاضاءات المنبعثة من منظومته القيمية، من حيث احترام الوقت واتقان العمل الذي اوصانا به الرسول (من عمل
منكم عملا فليتقنه)، من حيث احترام القانون والمساواة بين المواطنين (الناس سواسية كاسنان المشط)، من حيث الولاء للارض فلا يقبل الغربي بتفجيرها او بنفس شرعية نظامه فقط لانه
احتلف معه في قضية صغيرة.
اعلم ان هناك خروقات في هذه المنظومة عند الغربيين، لكنها لم تتحول الى قاعدة ومادون ذلك استثناء، كما هو حاصل عندنا في عالمنا الاسلامي حيث اصبحنا نرى الولاء الوطني يتوزع
الى اميرالجماعة في الكهوف وساحات الجهاد اوقاطنا في بلدان اخرى، او موزعاً على الاحزاب الشخصانية من اسلامية وليبرالية واشتراكية.
المواطن الغربي يختلف على اداء السياسة في بلاده، لكنه لايقوم بتفخيخها الا ماندر. لست غربيا لكن دعونا نقرأ الغرب بطريقة منصفة فالغرب خطوط وتوجهات وحكومات وشعوب
وقضايا متداخلة فيه الايجابي والسلبي.
اليابان مازال يحتفظ بنكهته الاسيوية، وهو لم يولد في قارورة عطرغربية، لكنه اخذ من الغرب اجمل مافيه، وهو احترام المواطن كانسان. اليابان- كماهي ماليزيا- احترموا التعددية واخذوا
من الغرب جماله، فاليابانيون والماليزيون وابتعثوا ابناءهم للغرب عبر بعثات علمية، ليأخذوا اجمل مافي الغرب من صناعة وتكنولوجيا وابداع وتعليم، فأصبحوا منتجين، واصبحوا فاعلين
على مستوى العالم دون ان يكلفهم ذلك ضياع هويتهم.
قد نشتم العولمة عبر منابرنا، قد نسبح ليل نهار في بحر نظرية المؤامرة، قد نصور الغرب الى ابنائنا انه عبارة عن اوساخ دنيا، وان الدنيا سجن المؤمن وجنة المنافق، لكن كل ذلك لن
يلغي الحقيقة، انهم يسيرون نحو الابداع والتطوير ونحن نجلس في العتمة، ومحاصرون بعشرات الزنزانات التاريخية.
يقول الشيخ محمد بن مكتوم في كتابه (رؤيتي): ان القعود في العتمة لن يجعل العولمة تختفي، فهي اتية شئنا ام ابينا.
اليوم نحن في عالم السرعة والبقاء للاقوى ديمقراطية، وتعليما، واقتصادا والاكثر امنا وتسامحا. هناك مثل انجليزي جميل يقول الاسرع يأكل الاكبر. قد نكون كبارا، لكن ذلك لايكفي، الم
يكن على مستوي الكيف لا الكم.
ان عدد المسلمين في الولايات المتحدة يفوق عدد اليهود، لكن اغلبهم كسالي ونائمون في التاريخ او يعيشون بامراضهم العربية، من الندب الحضاري والبكاء على اللبن المسكوب ايام غزو
التتار والمغول. انها عقدة البرانويا (عقدة الاضطهاد) التي لن ننجح في حياتنا حتى نتخلص منها.
نعم مسلمو امريكا اكثر عددا من اليهود، لكنهم لايمثلون رقما صعبا في المعادلة الاعلامية والاقتصادية فيها، لان بعضهم مازالوا يناقشون حرمة قيادة السيارة او كيف يتم فرض نظام الاقطاع
بين الطوائف والاديان في اقتسام الجنة.
ان صناعة التنمية عملية تراكمية، فاذا لم نعمل على عصرنة التفكير، فلن يكون لنا موطئ قدم في هذا العالم. لقد عانينا من التوقف ما يكفي، وان غريزة الصراخ التي نغطي بها عجزنا
الداخلي لن تغير من المعادلة الحضارية شيئا.
يجب ان ننزع معطف التعصب- كماعلمنا الرسول (صلي الله عليه وسلم)- ونرتدي ثوب التسامح، يجب ان نقف على ارض صلبة وعيننا على الشمس. شمس المعرفة، شمس الانسانية
شمس الحقيقة وان (نطلب العلم ولو في الصين) أو في بريطانيا او سنغافورة.
القرآن يعلمنا عن العلاقة بين الكرامة والقراءة في قوله (اقرأ وربك الاكرم) فالشعوب الاكثر قراءة هي الاكثر كرامة.
الشعوب الغربية هي الاكثر كرامة الان، لانها تقرأ وتبحث وتدرس وتنقد. هل هي مازوشية عندما نقول: (اننا شعوب لا تقرأ، واذا قرأت لاتفهم، واذا فهمت لاتعمل، واذا عملت لاتتقن)؟
ليس صحيحا ذلك وإلا فلماذا العربي اذا عاش في الغرب اصبح اكثر ابداعا ان اراد؟ يا ترى هل سيكون العالم المصري الفائز بجائزة نوبل احمد زويل هو ذاته لو بقي في العالم العربي ولم
يسافر الى امريكا؟
ان الله اعطاهم عقولا ذهبية واعطانا عقولا ذهبية، ولكن الفارق بيننا وبينهم ان الكثير منا لايستخدمها في الموقع المناسب.
لن اقف في شرفة الشعوبية، او بلكونة عقدة الافرنجية وان القيت الحجارة على نافذتي بسبب مثل هذه الاطروحات. قد يقول البعض ذلك، لكني ارى لزاما اجراء عمليات جراحية للفكر
العربي، وعمليات اركيولوجية (حفريات) في عقل المسلم، كي نخرج من الغيبوبة الحضارية التي نعاني منها.
كي نتطور كالغرب او نزيد عليه لابد ان نعمل على كنس الاوساخ السياسية التي علقت في الشوارع العربية، من نظرية المؤامرة الى نرجسية الذات الى انتفاخ الانا الماضوية الى تضخم
الانا الحاضرة.
ان عمليات الندب والعويل لاتفيد، بل هي تكرس العدمية، وتقودنا الى الاحباط والموت وتوصل شبابنا الى مرحلة اللامعني من الحياة وبالتالي تقديس الموت الى ان يتحول الى قاعدة بدلا
من ان يكون استثناء كما هو حاصل في العراق.
كي نتطور لابد من تخفيف جرعات الخرافة، واغلاق دكاكين الخرافة التي تبيع بضاعتها في اسواق الباحثين عن الحلم والهروب من الواقع. لابد ان نعترف بنسبية الحقيقة ونؤمن بتعددية
المعرفة وتركيب الحقيقة، وذلك لايكون الا باشعال النار في حطب التخلف.
في الغرب سلبيات، فلنتركها، وله ايجابيات فلنصطادها، فان الالغاء يؤدي الى القطع والقطيعة.
سؤال أخير: أليس من حقنا ان نحلم بحياة مدنية، تؤمن بالابداع، وتقدس السلام والحب بعيدا عن لغة السكين؟ ، ذلك يكون عند انتصار شجرة الياسمين على القنبلة والبحر على
الزنزانة.
سيد ضياء الموسوي
كاتب ورجل دين شيعي بحريني
المصدر: موقع آفاق، 22/2/2007