الشيزوفرينيا العربية

الشيزوفرينيا اضطراب نفسي يصيب الفرد، وهو من الاضطرابات المنتشرة، ويتم علاجه على يد الأطباء النفسيين، ويمكن للفرد الشفاء منه، ومن سماته الإحساس بازدواج الشخصية والعظمة الكاذبة والاضطهاد والوساوس القهرية. علم الاجتماع طور المفهوم وحاول تطبيقه بشكل أوسع ودرس المجتمعات ووصل إلى أن الاضطراب قد يصيب المجتمع بكامله، إلا أن الاختلاف فيما بين الاثنين بالعلاج، حيث لا يمكننا أن نصف الدواء المتعارف عليه للمجتمع. في حالة المجتمع علينا معرفة أسباب الاضطراب القابعة في البنى الثقافية والاجتماعية ووسائل التنشئة الاجتماعية.

بمعنى أن العلاج يتوجه إلى تغيير نظام القيم والسلوك، وهي عملية تستغرق كثيراً من الوقت.

المقارنة بين إصابة الفرد بالشيزوفرينيا والمجتمع العربي، ترتكز على أعراض الإصابة ذاتها، فالشعور بالعظمة أحد أهم ما يتميز فيه العرب، فهم يشعرون برقيهم الأخلاقي عن باقي الشعوب، وبأن لديهم حضارة عظيمة ولم يستوعبوا تراجع هذه الحضارة وظلوا حبيسي أوهام الماضي ولم يستطيعوا الخروج من شرنقتهم ومن تعلقهم بالماضي الذي مازال يمدهم بالشعور بالحياة. يمتاز العرب بنظرة دونية للثقافات المغايرة ويعتبرون ثقافتهم محور الدنيا وعلى الآخرين اتبعاهم.

أما الشعور بالعظمة فهو شعور يأتي من الإحساس بتفوقهم التاريخي، وهو ضرب من الوهم الذي يصاب به مريض الشيزوفرينيا، حيث يعتريه الخوف من الآخرين ويشعر دائماً بتآمرهم عليه وبأنه مركز الكون والكل من حوله يريدون الخلاص منه. هذه السمات ذاتها ترسم حياة الإنسان العربي؛ فهو دائماً حبيس عقدة التآمر والاعتقاد بأن الكل لا يريد له الخير، بل يبطنون له الشر. هذه السمات تعطل الدافعية نحو الجديد وتجعل الإنسان حبيس أوهامه وهواجسه، فكل ما يحدث له هو غير مسؤول عنه وبالتالي يشعر بالراحة كونه يتجنب عناء البحث عن أسباب إخفاقاته.

العرب يشعرون بأنهم مضطهدون من الآخرين الذين تحركهم فكرة المؤامرة، ويبدو أن فكر المؤامرة تجد قبولاً لدى شريحة المثقفين والعامة من الناس، وهي وسيلة للانسحاب من المواجهة مع الواقع.

أما ازدواج الشخصية، فالإنسان العربي يتهم الآخرين بازدواج الشخصية وخصوصاً الغرب الذي لم ينصفهم في صراعهم مع إسرائيل، وينسى بأنه يحمل أكثر من شخصية في داخله، وأن كثيراً من سلوكياته تميل إلى المجاملة والنفاق الاجتماعي. ازدواج الشخصية يعد من أخطر سمات الاضطراب، فالشخص هنا لا يشعر براحة نفسية، بل يقوم بالشيء ونقيضه في آن واحد، وهو شعور بغيض يعبر عن حالة اختلال حيث يغيب الانسجام بين الإنسان وذاته. فهو قد يقول لأبنائه لا تفعلوا هذا أو ذاك، ونجده يقوم بتصرفات معاكسة. كما أن المصاب بازدواج الشخصية تضطرب لديه القيم والمعيارية في السلوك، فهو يتمتع بضمير ضعيف لا يحكم سلوكه وتجده دائماً يحرص على أن لا يراه الناس يقترف ما هو مناف لعادات المجتمع ويحلل لنفسه أن يقوم بكل شيء طالما عيون الآخرين لا تراقبه، وهنا نستشهد بمقولة نرددها على طلابنا في علم الاجتماع: "العيب فيما يراه الناس"، فالناس هنا هم الذين يتحكمون في السلوك وليس القيم والمعايير الاجتماعية والنواهي الدينية. وفي هذه الحالة يتمادى كثيرون في المغالطات والانحراف الاجتماعي ويحرصون على الظهور بمظهر مخالف لما في داخلهم وما يحركهم، ويتجسد ذلك في كسب رضا الناس وليس الضمير الذي يجب أن يحكم السلوك وبصرف النظر عن الآخرين.

يبدو لنا أننا نعيش كثيراً من التناقضات في حياتنا نتيجة لعدم حسم صراع القيم، قيم الماضي والحاضر، والحال مستمر طالما نغفل الواقع ونتجاهل حقيقته.

د. علي الطراح

المصدر: الاتحاد الاماراتية، 14/3/2007