مسعود البارزاني والمشهد السياسي الكوردستاني
لم يمر مسعود البارزاني، كباقي اطفال كوردستان، بطفولة كي تفتخر بها عصبة الأمم، أو المنظمات الدولية الراعية لحقوق الشعوب في تقرير المصير. كما لم يولد على ريش من النعام، أو
في فمه ملعقة من ذهب، بل نموه كان قد أخذ طريقا له ما بين جبال وأودية كوردستان من مهاباد الى ابراهيم الخليل وبين كلاشينكوفات البشمركة الابطال، الذين أختاروا الحرية بديلا
للعبودية. ففي فترة الحرب العالمية الأولى، حيث تآمرت كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية (بعد هزيمة دول المحور من قبل الحلفاء) وضمن اتفاقية سرية (سايكس بيكو 1916 –
لم تشمل إيران) لتقسيم الممتلكات العثمانية، دخلت القضية الكوردية انفاقا عسيرة شبه مغلقة، امتد قسما منها الى تركيا لتعزل الكورد فيها، وفي أخرى ليتجزؤا ضمن خارطة لكل من إيران
وسوريا والعراق. وفي سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى (معاهدات سيفر الفرنسية عام 1920 اعترافا بحقوق الكورد ولوزان السويسرية عام 1923 انكارا لحقوقه - يمكن للمعنيين
مراجعة التاريخ) خاض الشعب الكوردي في العراق (بقيادة الشيخ محمود الحفيد عام 1919 و 1922) معارك بطولية جعلت من مجلس الحلفاء الاقرار بحق الكورد في تأسيس حكومة
مستقلة اداريا في المقاطعات التي يسكنها الكورد. هذا وقد اعترفت الحكومتان العراقية والبريطانية عام 1922 بحكومة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية، حيث اعلن نفسه ملكا عليها. كما
تم رسميا وللمرة الأولى رفع العلم الكوردي. في عام 1924 وبهدف القضاء على حركة التحرر الوطنية الكوردية، احتلت القوات البريطانية مدينة السليمانية، ومن ثم نفي الحفيد الى الهند.
وهكذا توالت المخططات الدولية والاقليمية لقمع الكورد واضطهادهم.
لست بصدد سرد التاريخ الأسود للدول العظمى ومعهم كل القوى العنصرية في المنطقة، وسلوكهم اللاإنساني إزاء قضية شعب تجزأ بين اكثر من دولة، وما لحق به جراء ذلك من ويلات
ومعاناة، وإنما الكشف عن استحقاقات النضال الذي خاضه الشعب الكوردي في العراق دفاعا عن هويته القومية بقيادة الخالد ملا مصطفى البارزاني، ومام جلال لاحقا، وليس أخيرا القومي
المناضل مسعود البازاني.
في لقاء تم بين رئيس اقليم كوردستان وتلفزيون العربية مساء الجمعة في 6.6.2007 تم التأكيد على الموقف الكوردي الثابت من ملفات سياسيةعديدة تهم العراق والمنطقة، وتحديدا ما يتعلق
بمستقبل الشعب الكوردي والافاق السياسية التي يتطلع لها الكوردي اينما وجد. لقد كان حديث البارزاني لتلفزيون العربية التعبير الحي والتجسيد التام لطموحات الكورد المشروعة وانعكاس
لحجم التضحيات التي اقدم عليها الكوردستانيون وصولا الى يوم النصر التام.
لقد ترعرع رئيس اقليم كوردستان مسعود البارزاني ونما في ظل هدير وازيز وصخب مدافع ودبابات وطائرات الحكومات العراقية من ناحية، ومن الناحية الثانية كانت عيونه ترصد كيف
ينتحبن الامهات الكورد أولادهن الذين قضوا والكلاشينكوف في أيديهم دفاعا عن حقهم في حياة حرة، كريمة، مسالمة. وعند متابعة سيرته ومشاركته معارك اخوته من البشمركة طيلة
سنوات، فاننا لن نستغرب موقفه الثابت من قضية الشعب الكوردستاني.
قي لقاءه مع العربية، قرأت الكثير في عيون رجل حمل هما ولا يزال يحمله، وجرأة قائد لا تليق إلا بالكبار، وفدائيا لا يقبل ببديل عن الكرامة والعزة لشعب كثرت استحقاقاته القومية
والإنسانية. لقد جسد المناضل مسعود البارزاني في لقاءه هذا كل ما يطمح أليه الكورد ويرغب بتحقيقه. كان، وكالعادة، هادئا عند الاشارة الى حقوق شعبه، وغاضبا، بشكل دبلوماسي، عند
الحديث عن المخاطر التي تحدق بالمكتسبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحققت لكوردستان العراق طيلة 15 عاما. كما أن أجاباته كانت، رغم اغتضابها، اكثر من صريحة،
اكثر من جريئة. وقعها، رغم لونها المخملي، وقع البركان عند انفجاره. وفي قوله عن البشمركة الابطال، وهم على حال من "الأفندية" المعاصرة، قال مبتسما من ان نداءا واحدا يكفي ليحملوا
مرة أخرى الكلاشينكوف بيد، وسلاح الإيمان بمشروعية قضيتهم بيد أخرى. ولو اردنا تفسيرا لمثل هذا القول لأدركنا كم هو حجم مشاعر الكورد ورغباتهم أن يعيشوا مع الأخر بسلام
وتآخي دون عنف، وكم سيكون حجم الرد على تداعيات رغبة الآخرين في التجاوز على حقوقهم او التنكر لهويتهم ككورد بما في ذلك تنفيذ المادة 140 من الدستور الذي اجمع عليه
العراقيون جميعا.
وبين الكلمات التي نطق بها، شعرت وكأنه الانذار بعينه لمن لا يفقه معاني الحب والسلام والحوار والاعتراف بحقوق الانسان، وأن تطرقه لقضايا الحريات والديمقراطية والفيدرالية لم يكن
بتهديد أو تنديد، بل اشارة، رسالة، لكل الاطراف الاقليمية والدولية من أن عجلة التاريخ لن تعود القهقرى إلا على اجساد " الأفندية " من البشمركة والمتعاطفين معهم، أو من خلال أبحر من
الدماء، وجبال من الدمار. فالقهقرى وقبول امر الواقع المفروض قسرا لن يفرز إلا انتصارا لشعب إيمانه بقضيته اكبر من احلامهم المريضة، وأن هذا الشعب كان ولا يزال أقوى من عسكر
الجيران وطائرات " الأخوان" أو الأشقاء من سوريا أو إيران أو من اي كان.
في حديثه أيضا، ما رأيت إلا التصميم والإرادة الصلبة، الصلدة، التي لن تنكسر بالوعيد والتهديد. فالأوراق السياسية، بل حتى القتالية، التي في المطبخ البارزاني هي بالكثرة ما يجعل اعداء
الكورد اينما كانوا في حيرة من أمرهم، وقد يلعنون عنده اليوم الذي ولدوا فيه. كما أن العلاقات الدولية، وقواعد اللعبة السياسية الدولية هي غير ما كانت عليه ايام الطغاة أو سنوات الحرب
الباردة. والعولمة الاتصالاتية والتكنلوجيا المتطورة قادرة على كشف المستور وفضح المخزون وصولا الى وعي وادراك الشعوب والحكومات بالمظلومية التي لحقت بالكورد. في ذات
السياق، يدرك الجميع أن حكومات وشعوب اليوم غير حكومات وشعوب الحرب العالمية الأولى، وأن الشعب الكوردي ذاته هو غير ما كان عليه وقت ابرام اتفاقيات سيفر ولوزان، وهو
الآن، وفي ظل حنكة الطالباني السياسية، وحكمة وارادة مسعود البارزاني، اكثر تماسكا وثقلا ووحدة، وهي الظاهرة التي لم تستشعرها أو لم تعي استحقاقاتها كل الحكومات التي عادت او
تعادي الشعب الكوردي فحسب، بل ان الادارة الأمريكية وغير الأمريكية ومنها الاتحاد الأوربي قد ادركت ضخامة الحيف والظلم الذين لحقا بالكورد منذ قرون.
وفي رد البارزاني على سؤال لمقدم برنامج "بصراحة" لقناة العربية عن الحلول المتعلقة بحقوق الشعب الكوردستاني، فقد اجاب ايضا بشكل لا يقبل لف او دوران او محاباة لطرف دون
آخر، من ان الشعب الكوردي هو شعب واحد اينما وجد وعاش على ارضه. فواجبنا نحن ككورد الدفاع عن حقوقهم ودعم قضيتهم عن طريق اللاعنف، بل من خلال قنوات الحوار
المتحضر وبما ينسجم واستحقاقات الألفية الثالثة التي نرجو ان تكون فاتحة خير لكل شعوب العالم، وكذلك بما ينسجم مع العهود والمواثيق الدولية التي تشير الى حق الشعوب في تقرير
مصيرها لتعيش بسلام.
وفي الختام لا يسعني الإ التأكيد على أن اغتصاب الحقوق والقفز على الحقائق والركون الى قوة السلاح لن يجدي نفعا، بل الاقرار بحكم التاريخ والجغرافيا والإيمان بالغد السعيد لكل شعوب
المنطقة هو ما يريح البال والضمير ... فالى المزيد من وحدة الصف والموقف والهدف.
الدكتور خليل شمه
مستشار لشؤون الشرق الاوسط في الخارجية التشيكية
المصدر: موقع حكومة اقليم كوردستان، 10/4/2007