الحذر: "للذئب ألأغبر" أنياب ومخالب حادة وجائع يبحث عن فريسة
كشفت التطورات العسكرية الميدانية منذ بدأ الحركة المسلحة في كوردستان – تركيا في ثمانينيات القرن الماضي ولحد كتابة هذه الأسطر فشل الحل العسكري للقضية الكوردية في تركيا.
رغم الماكينة العسكرية الضخمة المتوفرة للجنرالات والحملات الموسمية للجيش وأجهزة الاستخبارات العسكرية والمخابرات المدنية الكبيرة والموارد المالية الهائلة وتغيير الاستراتيجيات
والتكتيكات العسكرية، ورغم الترهيب والسجن والتجويع والمعاملة المهينة وأللإنسانية وضرب الكورد بعضهم ببعض والتهجير ألقسري الداخلي والضغوطات السياسية الخارجية وعمليات
الاختطاف والاغتيال داخل تركيا وخارجها، ورغم مساعدة ودعم حكومات وأجهزة شرق أوسطية وأوربية وأمريكية وغيرها، لم يستطع الجنرالات الاستعلائيين والسياسيين الشوفينيين تحقيق
أهدافهم في القضاء التام على الحركة المسلحة داخل تركيا رغم إضعافهم لها، فالعمليات العسكرية تقع ألآن داخل حدود تركيا وليس خارجها. رغم أن بعض القادة السياسيين الأتراك وحتى
جنرالات الأمس بدءوا يرون ويدركون هذه الحقيقة. إلا أن جنرالات اليوم يصرون على الحل العسكري الفاشل.
لذا يبحث ألان جنرالات تركيا الاستعلائيين والمتعجرفين عن "انتصارات" دراماتيكية، حتى ولو كانت شكلية، خارج حدود تركيا، وهم يبحثون عن "أم المعارك" للتغطية على فشلهم الواضح،
ليحسوا بالرضى عن أنفسهم وليحصلوا على رضى الشوفينيين في تركيا ولإثارة الرأي العام التركي وتحويل انتباه عن فشل العملي للحل العسكري للمشكلة الحقيقية التي تعاني منها تركيا
داخليا ودوليا منذ تأسيسها، وهي المشكلة الكوردية.
للوصول إلى هذه الأهداف بدأ هؤلاء الجنرالات وعلى رأسهم رئيس الأركان الحالي، "الذئب ألأغبر"، يكشرون عن أنيابهم ويحدّون مخالبهم، ويبحثون عن ذرائع وحجج لزج القوات المسلحة
التركية في جهد للانقضاض على إقليم كوردستان – العراق الذي يتصورونه فريسة سهلة المنال تعيد لهم استعلائهم وكبريائهم وغطرستهم التي نال منها كثيرا فشلهم في الميدان. أما ذريعتهم
لمثل هذه المغامرة العسكرية خارج حدود تركيا فهي تارة كركوك وتارة مسلحي حزب العمال الكوردستاني وتارة أخرى تصريحات السيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كوردستان. ولكن
تعددت ذرائعهم وهدفهم واحد، هو التجربة الإقليمية في العراق عموما والتجربة الناجحة لإقليم كوردستان خصوصا كي لا تنتقل "عدواها" إلى الشعوب المجاورة ولكسر الكورد كي لا تقوم
لهم قائمة بعد ألآن.
لذا فان إفشال أهداف "الذئب ألأغبر" يتمثل في الحفاظ على إقليم كوردستان وتطوير وإغناء هذه التجربة لتكون مثالا ناجحا ونبراسا للشعوب والدول المجاورة. الحفاظ على الإقليم وتطويره
وإغناء تجربته يتم على أساس إقامة قاعدة اقتصادية قوية قابلة للديمومة والاستمرار والنمو بقدراته الذاتية والداخلية تحميه قوات عسكرية فاعلة ومقتدرة وقيادة سياسية تتمتع بالحكمة والحذق
وبُعد النظر. ويعني هذا وجود أجواء سياسية واقتصادية واجتماعية مناسبة لجذب الاستثمار الداخلي والأجنبي لتحقيق النمو المتواصل، ويتطلب هذا بدوره الاستقرار والسلام والأمن
والاستقرار والحماية والضمانات وتوفر الطاقة والوقود والمواصلات والاتصالات والخدمات المصرفية والتأمينية وغير ذلك.
للحفاظ على الإقليم وتجربته الريادية في الشرق الأوسط، ينبغي قطع الطريق على كل من يريد إحباط أو عرقلة هذه التجربة، ويتم ذلك بالأساليب السياسية والدبلوماسية الهادئة وتجنب
التوتر والحذر من كل ما قد يضر باستقرار الوضع العام للإقليم، وفي نفس الوقت التحضير لأسوء الاحتمالات الممكنة، لأن "للذئب الأغبر" أنياب ومخالب طويلة وحادة مؤذية قد يلجأ إلى
استخدامها، مع العلم أن هناك أكثر من حكومة وجهة تأمل وتتطلع لانقضاضه على الفريسة، إقليم كوردستان، وربما تساعده سرا أو علنا عند حصول هذا الانقضاض. إن المتضرر الأكبر
في أية عمليات عسكرية تركية داخل كوردستان العراق سيكون الإقليم وسكانه واقتصاده واستقراره ومستقبل تجربته.
لذا ليست التوترات من مصلحة الإقليم لا ألآن ولا في المستقبل وليس من مصلحته الدخول في صراعات أو مواجهات عسكرية مهما كانت محدودة زمنيا أو موضعيا، مع أية دولة من دول
الجوار، خاصة تركيا بسبب تبعاتها الاقتصادية الكبيرة، أو داخليا لأن المتضرر من مثل هذه الصراعات والمواجهات سيكون الإقليم وتجربته وشعب كوردستان وكل الشعب الكوردي. تجربة
الإقليم تجربة لا زالت فتية لم يكتمل ولم يتكامل بعد "هيكله العظمي" (المؤسسات) وليس له لحد الآن القاعدة الاقتصادية الصلدة اللازمة ليبني عليها "هيكله العظمي" والمتكونة من القطاعات
الإنتاجية الحيوية، وعلى رأسها الصناعية والزراعية والطاقة والوقود، وقطاع الخدمات، وعلى رأسها التعليمية والصحية والاجتماعية والمالية والمصرفية والتأمينية وخدمات النقل
والمواصلات والاتصالات ومشاريع المياه والبناء. لا تبنى أية قاعدة اقتصادية صلدة قابلة للديمومة والنمو على "مشاريع الأبهة" والمضاربة بالأراضي والعقارات والاستهلاك فقط.
منير الشيخلي
13 آذار 2007
"الذئب الأغبر" صفة أُطلقت على مصطفى كمال مؤسس الجمهورية التركية الحالية وأسم كتاب بالانكليزية "Gray Wolf" حول حياته وسيرته.