جـرائـم الـثـامـن مـن شـبـاط الأسـود عـام 1963 مـرت مـرور
الـكـرام دون حـسـاب أو عـقـاب
 
·       ريـاض جـاسـم مـحـمـد فـيـلـي
 
مثلما نستذكر بكل غبطة عميقة وفرحة غامرة ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 المجيدة ومنجزاتها الخالدة ، تذرف العيون أنهاراً من الدموع وبحوراً من الدماء بكاءً ونحيباً وحسرة لوأد هذه الثورة العظيمة على يد أنقلاب البعث القومجي الفاشي في الثامن من شباط الأسود عام 1963 والذي جاء  بقطار أمريكي حسب أعترافات قادته المؤجورين في ظل صفقة مقايضة مريبة مشبوهة تفوح منها رائحة مؤامرة دولية محبوكة ومتعددة الأطراف بالرغم من تضارب مصالحها وأختلاف أتجاهاتها وأيديوجياتها ولكن جميعها كانت متفقة على هدف واحد هو إسقاط الحكومة الوطنية وضرب الإرادة الحرة للشعب العراقي الناهض في الصميم ، لتنقل البلاد بعدها إلى حقبة سوداوية مظلمة بكوارثها ومحنها وفتنها من تاريخ العراق المعاصر ... من حكم الحضارة المدنية المتفتحة إلى تسلط البداوة القبلية المغلقة بأبشع صورها المقيتة ... مرسخةً لثقافة العنف والتعصب والإقصاء والتهميش ... داعمةً لمفاهيم الإرهاب والإضطهاد والتعذيب والإنتهاك وتطبيقها على أرض الواقع في مشانق النادي الإولمبي وفرق الإعدامات الفورية الإرتجالية دون محاكمة أو إجراء تحقيق عادل في ظل تغييب سلطة القضاء وسيادة القانون وضد إشخاص أبرياء ليست لهم أية صلة بحاكم أو حتى بمحكوم ، وجريمة الشرفاء المعدومين فقط لكونهم مواطنين عراقيين فهو بحق قتل جماعي على أساس الهوية مفتتحاً لبداية العصر الدموي بأزلام الحرس اللاقومي ، حيث جرت عمليات تصفية جسدية سريعة وإرتكبت جرائم إبادة جماعية منظمة عن سبق أصرار وترصد في ذلك اليوم الشباطي المشؤوم الذي لم يراعي حتى حرمة رمضان كشهر حرام ... فأين هو من الدين حتى يتلبس برداءته ؟؟ فلقد ملئت الشوارع والأزقة بإلآف الجثث والضحايا وحشرت السجون الرهيبة حشراً بخيرة أبناء الوطن ، وبقيت مقاومة بطولية بشجاعتها النادرة وبأسها الجريء وإيمانها القوي صامدة بوجه الأنقلابيين والمتأمرين وتصارع عصاباتهم الغاشمة وتحرق دباباتها بزجاجيات البنزين وأسلحة بسيطة متواضعة في منطقة (( " عكد الأكراد " )) التي صمدت لمدة أسبوع كامل بلياليه ضد الظلام والظلاميين ولتدفع ثمنها الباهض أكثر من خمسمائة شهيد من أبناء المنطقة ومعظمهم من الكرد الفيلية وبفضل تصديهم البطولي الذي أذهل البعثيين وأذناب عفلق ، ليساق بعدها من بقى على قيد الحياة إلى غياهب المعتقلات ودهاليزها وعلى رأسها قصر النهاية بأقبيته وسراديبه إيذاناً ببدء عصر الأنفالات السيئة الصيت ، وظلت مقاومة الكرد الفيلية راسخة في أذهنة البعثيين وقلوبهم المريضة ، ولتصبح إساساً معتمداً لإضطهاد هذه الشريحة المظلومة في فترات لاحقة كتسفيرات عام 1970 والتهجير الداخلي في عام 1975 وأخيراً التسفيرات العظمى في عام 1980 وما صاحبته من مصادرة عامة لأموال المهجرين وممتلكاتهم وتغييب أبنائهم وإسقاط الحنسية العراقية عنهم علاوة على الكثير من المآسي والمحن ، ولكن قصر مدة حكم البعثيين في عصرهم الأول لم يمهلهم طويلاً ، أذ لم يستمر لأكثر من تسعة شهور وبالتالي لم يكتب لهم القيام بالكثير من الجرائم سوى مجازر كردستان أثناء تولي الزعيم المقبور صديق مصطفى قيادة العمليات العسكرية للمنطقة آنذاك ، إضافة إلى قمع حركة حسن سريع بكل قسوة وبطش وفي محاكمات صورية فورية وعاجلة ورافقتها محاولة شرسة لتصفية الآف من الضباط الوطنيين المعتقلين منذ أنقلاب شباط في سجن رقم (1) ونقلهم من معسكر الرشيد إلى منفى نقرة السلمان بواسطة قطار الموت عبر حشرهم في عربات ( فاركون ) مغلقة وفي يوم تموزي لاهث الحرارة لقتلهم عطشاً ولولا تدخل الإرادة الآلية لهلك الجميع ويرجع الفضل إلى سائق القطار عباس المفرجي ووجود عدد من الأطباء بين المعتقلين أمثال الدكتور رافد أديب وآخرين لا نذكر أسمائهم عذراً لتكون بحق إنتفاضة السماوة الصامتة كما ورد في كتاب " البيرية المسلحة وحركة حسن سريع " لمؤلفه المرحوم الدكتور علي كريم سعيد ، ومن المفارقات قيام حركة القوميين العرب بمحاولة أنقلابية واسعة النطاق أفتضح أمرها قبل ساعات قلائل من تنفيذها في أواخر شهر آيار / عام 1963 وتم أطلاق سراح كافة أركان المحاولة المذكورة دون أن يلحق بهم أي أذى أو تطالهم محاكمة !! المهم وبعد كل الأحداث الدامية بفواجعها ونكباتها المريعة بدءت أجنحة الحزب الفاشي المتنافسة تتصارع فيما بينها على سدة الحكم والأنفراد به لتكون نهاية المطاف في أنقلاب داخلي في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني عام 1963 حيث قام عبد السلام عارف بعد أنفراده بمقاليد الأمور بإصدار الكتاب الأسود عن الجرائم البعثية النازية ، فهذه هي بداية تسلط البعث بإرتكاب أنتهاكات صارخة وفضيعة ضد حقوق الإنسان لم يشهدها العراق سابقاً على مدى تاريخه الحديث وفي ظل الحكومات المتعاقبة ليصبح بجدارة متناهية هولاكو العصر بغزوه المغولي التتري الأهوج ، فهي جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن تسقط بالتقادم مهما طال الزمن أم قصر وفقاً لأحكام الإتفاقيات والإعراف الدولية ولكن مع الآسف الشديد تم إصدار العفو العام والشامل عن تلك الجرائم بموجب قانون المحكمة الجنائية العراقية رقم (1) لسنة 2003 الملغى وقانونها الحالي رقم (10) لسنة 2005 أذ نصت المادة ( أولاً / الفقرة ثانياً ) في كلا التشريعين المذكورين على سريان أحكام القانون على الجرائم المرتكبة للفترة الممتدة من تاريخ 17/7/1968 ولغاية تاريخ 1/5/2003 وحصرها بهذه المدة فقط ولا يشمل ما قبلها ، ورغم ما نصت عليه أحكام المواد (11 و 12 و 14) من القانونين أعلاه بشأن ما يتعلق بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وإنتهاكات القوانين العراقية على التوالي وتوفر أدلة وأثباتات وأعترافات موثقة ومدونة من قبل مرتكبيها أنفسهم حول كيفية أقترافهم لتلك المجازر والمذابح الشنعاء وعلى رأسها البيان رقم (13) سيء الصيت ، وفوق كل ذلك يجري الحديث في الشارع اليوم عن مصالحة وطنية !! فكيف تكون هناك مصالحة وطنية مجدية ومستوفية لكل الحلول ما لم يتم فتح جميع الملفات حتى نسطيع بدء صفحة جديدة أساسها الثقة والأحترام المتبادل بين مكونات الشعب العراقي ، ويتطلب ذلك الأعتراف أو الأقرار بمسؤولية الذنب وطلب العفو والمغفرة والسماح أمام الملاء وتقديم الأعتذار إلى العراقيين كافة ومواجهة الأمر بشجاعة وضمير وجداني فائق من سبات عميق ونائم منذ ربع قرن على أقل تقدير كما فعل ذلك العديد من قادة جنوب أفريقيا بعد أنتهاء نظام الفصل العنصري أو زعماء وجنرالات الأنظمة العسكرية والتسلطية في تشيلي والأرجنتين وغيرها في العديد من دول العالم على سبيل المثال ، وخاصة أن البعض ممن أشتركوا في مؤامرة شباط الأسود رغم كبر سنهم وعلى أعتاب الموت ودار الآخرة لازال يتفاخر بيده الملطخة بدماء الأبرياء ويظهر على شاشات التلفزة والفضائيات يمجد العفلقية الفاشستية النازية ، والأدهى من ذلك كله ما نص عيه الدستور العراقي لعام 2005 وتحديداً المادة (7) عندما حظرت نشاط البعث الصدامي وبالتالي فعبارة  " صدامي "  جعلت من بعث ما قبل صدام ليس سفاحاً دموياً وهذا مغاير تماماً للحقيقة والواقع بالمرة ، فبعث شباط الأسود عام 1963 أرتكب كل الجرائم السالفة الذكر ولم يكن صدام موجوداً فيه أصلاً ، فهذه العقيدة الإجرامية مترسخة في فكر البعث بوجود صدام من عدمه ، ولايزال الكرد الفيليين يدفعون الثمن لحد الآن ، كأنفجار الصدرية المآساوي في 3/2/2007 مخلفاً مئات الشهداء والجرحى والأضرار المادية علاوة على تفجير سبقه بأشهر وبثلاث سيارات مفخخة ... فإلى متى تدفع هذه الشريحة المنكوبة في كل العهود والأنظمة ضريبة الدم ويبقوا أول المتضررين والمضحين وأخر المستفيدين والمنتفعين ؟؟
 

* كـاتـب مـخـتـص بـحـقـوق الإنـسـان

riyadhjasim@yahoo.com
 
 
 
من أصل غير أجنبي
 
رياض جاسم محمد فيلي  riyadhjasim@yahoo.com
 
نشرت جريدة الصباح بعددها (694) في 9/11/2005 وتحديداً في الصفحة السادسة أعلاناً صادراً عن عمادة كلية الشرطة ببغداد حول فتح باب التقديم اليها ونصت الفقرة الأولى من شروط القبول (( على أن يكون الطالب المتقدم عراقياً بالولادة ومن ابوين عراقين بالولادة ومن اصل غير اجنبي )) ( الأنتباه الى كلمة من اصل غير اجنبي لطفاً ) ، مع إرفاق شهادة الجنسية العراقية للطالب ووالديه أصل وصورة وعلى راس المستمسكات المطلوبة كجزء من عملية الكشف والتحري عن اصل الشخص المعني وبمجرد الرجوع الى أولياته وأضابيره المحفوظة لدى دوائر الجنسية والأحوال المدنية وبكل سهولة ويسر ، مع فرضها شرط أضافي بالنسبة لسكنة محافظات أربيل ، السليمانية ودهوك هو أجادة اللغة العربية قراءةً وكتابة ً، وكأن كلية الشرطة التابعة لوزارة الداخلية قد اعدتنا الى الوراء ما قبل 9/4/2003 بنفسها البعثي الصدامي اي زمن النظام البائد ، وذلك عن طريق إلتزامها بالتشريعات الجائرة المجحفة كخلاف صارخ وانتهاك فاضح لمبادىء وروح الدستورين الأنتقالي والدائم وفي تحد واضح وظاهر للعيان لا يقبل الشك والجدل ، تمسكت كلية الشرطة بتطبيق قرار ما يسمى بمجلس قيادة الثورة (( المنحل )) ذي الرقم ( 384 ) في 4/6/1987 والمنشور في جريدة الوقائع العراقية الرسمية العدد ( 3154 ) في 15/6/1987 والذي نص على تعديل كافة التشريعات النافذة التي تشتطر بشأن المشمولين باحكامها بأن يكون عراقياً بالولادة ومن ابوين عراقيين بالولادة الى الصيغة الجديدة (( أن يكون عراقياً بالولادة ومن ابويين عراقيين بالولادة ومن اصل غير أجنبي )) ( أي التعديل أضاف عبارة ومن اصل غير أجنبي ) ولايعمل بأي نص يتعارض مع القرار المذكور الذي أصبح ركيزة مهمة من سياسة التطهير العرقي المعتمدة من قبل النظام المقبور ، والتي جّرت الويل والمصائب والمحن على شريحة أساسية من مكونات الشعب العراقي والمتمثلة بالكرد الفيليين لا بل طعنتها في صميم أصالتها وهويتها وعراقتها ، وقلعتها من جذورها بتهجير أكثر من نصف مليون فيلي وتغييب أكثر من خمسة عشر ألف شاب فيلي دون ذنب أو جرم ، وصادرت أموالها وممتلكاتها وضربت حياتها الاقتصادية والأجتماعية وعلى مختلف الاصعدة وطيلة العقود السابقة ، ورغم بزوغ شمس مضيئة على عراق جديد فمازالت الشريحة الفيلية مكبلة بأغلال الماضي الأسود وقيوده القاسية بأحزانه وأوجاعه وفواجعه ، ولم يتغير من الامر شيء بالنسبة لها ... نعم سقط الصنم و مسك في الجحر بشحمه ولحمه ، لتنشىء بدلاً عنه صدامية بدون صدام ، وما هو أعلان كلية الشرطة خير دليل على ذلك ، فلقد ضرب تصرفها اللاقانوني عرض الحائط قانون أدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وخاصة نصوص مواده (6) و(11) ، أضافة الى أحكام الدستور العراقي الجديد المستفتى عليه في 15/10/2005 والمصادق عليه من قبل الشعب بكلمة ( نعم ) ، فما حدث هو مخالفة دستورية صريحة لا يجوز السكوت عليها او حتى التغاضي عنها ولا أن تمر مرور الكرام أذ تشكل الركن المعنوي لجرائم الأبادة الجماعية بحق الشعب عامة والفيلية خاصة وبالتالي لا يمكن أن تسقط بالتقادم .   
وعليه يجب أن تراعي الصحافة ووسائل الأعلام المقروءة والمسموعة اخلاقيات العمل المهني كالحيادية والموضوعية والنقد البنأ والذاتي وتقبل الرأي والرأي الاخر وأشاعة ثقافة حقوق الأنسان والممارسات الديموقراطية ، وبالتأكيد سوف تكون المحصلة النهائية للمبادىء السالفة الذكر هو عدم نشر الأعلانات على أساس الربح المادي فقط بل أخضاعها لرقابة الضمير والوجدان حتى لا تكون على حساب الطعن بالهوية العراقية للشريحة الفيلية المضطهدة والتشكيك بولائها للوطن وفقاً لتشريعات النظام السابق ، وأما وزارة الداخلية مدعوة لمتابعة هذه التصرفات وقطع دابرها وبكل حزم ، وعلى سلطات الدولة المتمثلة بمجلس الرئاسة ومجلس الوزراء والجمعية الوطنية ومجلس القضاء الاعلى محاربة السلوكيات المريضة والموروثة عن النظام الفاشي وأنهاءها كجزء لا يتجزء من مكافحة الأرهاب والعنف ، وذلك بالتعاون والتنسيق مع الهيئات المستقلة كمفوضية النزاهة ومكتب المفتش العام في كل من الداخلية والعدل والثقافة وهيئة الأعلام وهيئة أجتثاث البعث علاوة على الاحزاب والقوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني مع التأكيد بشكل خاص على دور القضاء العادل بأعتباره الجهة المسؤولة عن تطبيق القانون كسلطة مستقلة لصيانة الحقوق والحريات العامة ولاسيما المحكمة الاتحادية العليا بمهمتها الوظيفية التي رسمها لها الدستور العراقي الجديد وفي ضوء أختصاصاتها ... يحق لذوي الشأن من الأفراد وغيرهم الطعن المباشر لدى المحكمة لغرض الفصل في القضايا الناشئة عن تطبيق القوانين الأتحادية ، والقرارات والأنظمة والتعليمات ، والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية ومن ضمنها الأنتهاك الدستوري أعلاه ، ومن أجل تحقيق أجتثاث حقيقي لفكر البعث النازي ورموزه وتحت أي مسمى كان وحظر انشطته استناداً لما نصت عليه أحكام المادة (7) من الدستور العراقي الجديد ، وأتخاذ خطوات فعّالة من قبل الحكومة العراقية لأنهاء آثار الأعمال القمعية والممارسات التعسفية للنظام الدكتاتوري المباد والتي نشأت عن التشريد القسري واسقاط الجنسية ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة والفصل من الوظيفة الحكومية لأسباب سياسية أو عنصرية أو طائفية ، مع الاخذ بنظر الأعتبار منع الترويج للدعاية الشوفينية العنصرية المقيتة والتي ساهمت بشكل أساسي كبير في إطالة عمر الحكم البعثي البغيض لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً بفضل أمتلاكها لجهاز أعلامي متكامل ذي امكانيات وموارد هائلة لاحصر لها بما فيها شراء الذمم المأجورة والبخسة وأصحاب الأقلام الرخيصة والمعروضة في سوق النخاسة وبأغلى الاثمان .
       
وأما بالنسبة للشرط الأضافي الذي فرضته كلية الشرطة على سكنة محافظات أربيل ، السليمانية ودهوك بخصوص اتقانهم للغة العربية قراءة ً وكتابة ً، فقد جاء مناقضاً لأحكام المادة (9) من قانون أدارة الدولة المؤقت والتي نقل نصها الى المادة (4) من الدستور العراقي الجديد ، حيث أنها تقر باللغة الكردية كلغة رسمية للدولة الى جانب العربية ، ثم ان سكنة اقليم كردستان ليسوا بحاجة للألتحاق الى كلية مقيدة بشروط صعبة وتعجيزية وبعيدة عن سكناهم أذ لديهم أكادميتين للشرطة بدل الواحدة في منطقتهم ، ثم أما كان من الاجدر أستخدام عبارة سكنة أقليم كردستان بدلا ً من عبارة سكنة محافظات أربيل ، السليمانية ودهوك ؟ فما تفسير ذلك من الناحية الدستورية ؟ أو ليس عدم أعتراف بالنظام الأتحادي التعددي الذي أقره القانون الانتقالي ومن بعده الدستور الدائم ، ومن أوليات السلطات العامة كافة الالتزام بتنفيذه والعمل بموجبه ! فالسؤال هنا يطرح نفسه .... لكن الجواب عند من ؟ ومن هو المسؤول عن ذلك ؟ ..... فالله
   أعلم .       
                                                **************************
هذا ومن ناحية أخرى وعلى صعيد ذي صلة ، فقد أقرت الجمعية الوطنية مؤخرا قانوناً جديداً للجنسية العراقية عملاً بإحكام الفقرة( و) من المادة (11) من قانون أدارة الدولة العراقية للمرحلة الإنتقالية ، والتي إلزمت بأصدار التشريعات الخاصة بالجنسية والتجنس والمتفقة مع أحكام الدستور الانتقالي ، الا أن طريقة أقرار القانون لم يكن متفقاً بالمرة بل مخالفاً لنص الفقرة (ج) من المــــادة (32) والتي مضمونها ما يلي : (( لا يجري التصويت على مشروع قانون في الجمعية الوطنية الا بعد قراءته مرتين في جلسة أعتيادية للجمعية ، على أن يفصل بين القراءتين يومان في الأقل ، وذلك بعد أن يدرج مشـــروع القانون على جدول أعمال الجلسة قبل التصويت بأربعة أيام على الأقل )) ولــكن الذي حدث هو أن أعضاء الجمعية الوطنية لم يحصلوا على مشروع قانون الجنسية بقراءته الثانية ولم توزع نسخته المطبوعة عليهم الا قبل عشرة دقائق فقط من أنعقاد جلسة التصويت عليه وليس مدة يومان كما نص الدستور والتي تمنح لغرض المناقشة والدراسة ، أي لم يترك للأعضاء حرية أبداء الرأي وأتخاذ القرار المناسب وكأنهم بين المطرقة والسندان مما يدل على وجود طبخة جاهزة معدة سلفاً ، وهذا ما أكده النقاش والجدل المحتدم داخل أروقة قاعة الأجتماعات ، وبالنتيجة يضطر عضو الجمعية بالموافقة على مشروع القانون رغم عدم قناعته به حتى لا يفسر رفضه على انه ضد أعادة الحقوق المغتصبة للمهجرين قســـراً والمسقط عنهم الجنسية باطلاً وعلى رأسهم الكرد الفيليين ، ويظهر بصورة الخارج على القاعدة والاجماع الذي لا يقبل الشك يقر بمظلومية قضية الكرد الفيليين ، وما يزيد الامر تعقيداً ويثير الغرابة والريبة هو عدم نشر القانون المقترح في وسائل الاعلام المختلفة وفي وقت أعتادت الصحافة العراقية نشر م
شاريع القوانين قبل وبعد أقرارها وسواء كانت معدلة أوغير معدلة ، وهذا يقودنا بالأستدلال والأستنتاج بأن واضعي القانون المذكور بأطرافهم الخفية يحاولون جاهدين ولو في الفترة الأنية على أقل تقدير التعتيم والتكتم ولحين تمرير القانون وأقراره بشكل نهائي من خلف الكواليس والأبواب المغلقة ويصبح أمراً واقعا ً لا محال بهدف تفويت الفرصة على الأصوات الحرة وممن لا يحمد عقباه الأعتراض على فقرات وبنود المشروع ، مما يترتب عليه تعديله او أعادة صيغته من جديد أو أستبداله بلائحة أخرى ، وعليه ستكون معاناة الكرد الفيليين مكرسة في أطار أفق جديد وصورة براقة ونظرة حضارية وفي ظل تشريع عصري باطنه غير ظاهره .         

*كاتب مستقل مختص بالشأن الفيلي
 
 
 
 
{ ملاحظات حول قانون الجنسية العراقية رقم (26) لسنة 2006 وغيره من التشريعات !! }
 
ريـاض جاسـم محمـد فيلـي *
 
     أستبشرت جموع الشريحة الكردية الفيلية المظلومة في بغداد خيراً عندما نشرت جريدة الوقائع العراقية { الرسمية } ذي العدد (4019) والمؤرخ في 7/3/2006 قانون الجنسية العراقية رقم (26) لسنة 2006 ، بناءً على ما جاء في المادة (11/الفقرة "و") من قانون إدارة الدولة المُلغى إذ تنص ما يأتي : - ( على الجمعية الوطنية إصدار القوانين الخاصة بالجنسية والتجنس والمتفقة من أحكام هذا القانون ) !! إلا أنه ظهرت في الأفق شمس الحقيقة ويالها من مّرةً ، حيث تبين أن التشريع المذكور لم يصدر مصادقاً عليه بمقتضى قرار جمهوري من مجلس الرئاسة وغير مُذيّل بإسماء رئيس الجمهورية ونوابه كنوع من الدلالة على توقيعه بالموافقة ولم يشير فيه إلى تاريخ إنعقاد جلسة مجلس الرئاسة لإصداره بل بيّنت مقدمة التشريع أعلاه إلى أنه بالنظر لأنتهاء المدة القانونية المنصوص عليها في المادة (37) من قانون إدارة الدولة والتي تنص ما يأتي : - ( يمكن لمجلس الرئاسة نقض أي تشريع تصدرهُ الجمعية الوطنية ، على أن يتمّ ذلك خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إبلاغ مجلس الرئاسة من قبل رئيس الجمعية الوطنية بإقرار التشريع . وفي حالة النقض يُعاد التشريع إلى الجمعية الوطنية التي لها أن تقر التشريع مجدداً بأغلبية الثلثين غير قابل للنقض خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً ) ، أي أنه لم يُعترض عليه من قبل رئاسة الجمهورية ولم يُعاد من جديد إلى الجمعية الوطنية لإقراره بأغلبية الثلثين ، وهنا الدستور الأنتقالي تسوده الضبابية نظراً لإغفاله عن مسألة مهمة هي إذا مضت الفترة المقررة للإعتراض دون ممارسة حق النقض ... هل يصبح التشريع قابلاً للإصدار والنشر ويصبح له حكم القانون النافذ !! وكما جرت العادة عند نشر القوانين في الجريدة الرسمية علاوةً على ذلك لم تحدد نصوص قانون الجنسية وقت نفاذه !! بل كان مجرداً للنشر فقط ليس إلا ، وبعد البحث والتقصي من الجهات ذات العلاقة تبيّن وجود إعتراضات كثيرة على هذا القانون لكونه شُرع على عاجلة ودون دراسة وافية ومستفيضة وفي وقت قصير وحرج في ظل حمى الإنتخابات وتركيز الجمعية الوطنية جّل أهتمامها لقضية الدستور وإعداده خلال فترة قياسية لا تتجاوز الأربعة أشهر وما تخلته من مناقشات مارثونية وجدالات حادة وبالتالي أضعفتها كسلطة رئيسية عليا لتشريع القوانين ، وذلك كنوع من الإخلال بالمادة (32/الفقرة "جـ") والتي ما يلي : - ( لا يجري التصويت على مشروع قانون في الجمعية الوطنية إلا بعد قراءته مرتين في جلسة إعتيادية للجمعية ، على أن يفصل بين القراءتين يومان على الأقل ، وذلك بعد أن يدرج مشروع القانون على جدول أعمال الجلسة قبل التصويت بأربعة أيام على الأقل ) إضافة إلى ما إلزمته المادة (11/الفقرة "و") المذكورة آنفاً ، وما يزيد الأمر تعقيداً ويثير الغرابة والريبة هو عدم نشر القانون المقترح في وسائل الاعلام المقرؤة والمسموعة أو بثه عبر مواقع الأنترنيت وفي وقت أعتادت الصحافة العراقية على نشر مشاريع القوانين قبل وبعد إقرارها وسواء كانت معدلة أو غير معدلة فهل كان الأمر مقصوداً كي لا تسلط الأضواء عليه !! لغرض منع مناقشته والتداول بشأنه من قبل المواطنين والرأي العام والأصوات الحرة المتمثل بالوسط الثقافي وعلى المستوى الدستوري والقانوني وبيان عيوبه وميزاته كتشريع يهم كل عراقي بإعتبار مواطنته هي الأساس الجوهري لكافة حقوقه وحرياته ، ثم جاء نشره فجأة في الوقائع العراقية وسط تجاهل تام بعد أن ظل محفوظاً في الدرج فترة طويلة منذ إقراره ولا يعرف ما دَارَ بشأنه خلف الكواليس !! ونتيجةً لما حصل .. فقد ولد التشريع المنوه عنه ميتاً كسابقه الصادر بقرار مجلس الحكم الأنتقالي ذي الرقم (45) والمؤرخ في 16/9/2003 ، نظراً للإعتماد في صياغة نصوصه وهيكليته وأطاره العام على قانون الجنسية العراقية رقم (43) لسنة 1963 المعدل " الجائر " ، إذ كان مجرد إمتداد طبيعي له والتغيير الذي طرأ عليه هو حذف عدد من العبارات والجمل وتقديم وتأخير في المواد والأحكام ، وعليه يصب في نفس المنوال وهو ظلم الكردي الفيلي وأي عراقي مُسقط عنه الجنسية مرة أخرى ، ولكن الآن في عهد سيادة القانون وحكم الدستور والذي لازال يلاحقه لحد الآن مفهوم العشائر السبعة المشبوهة والواردة في قرار ما يسمى بمجلس قيادة الثورة {المنحل} رقم (180) لسنة 1980 والموروث عن النظام البائد ووفقاً لتسميته البغيضة التي أطلاقها ضد المهجرين جزافاً ، ولا نعلم هل هي عملية تسفير جديدة في قالب ديموقراطي .. أم ماذا !!  فلقد أصبح التحقيق إجراءً أصولياً وإعتيادياً وأسلوباً أدارياً ووظيفياً كعرف روتيني مُتبع وأستمر حتى بعد أنتهاء مدة نفاذ القرار المذكور زمن النظام المقبور نفسه !! وليأخذ منحى جديد حالياً في دوائر الجنسية وأكثر قسوةً وشدةً من السلطة العفلقية السابقة وكأننا لا نعيش في العراق الجديد بلد المساواة والتعددية التي نقرأ عنها في الكتب !! إذ تجري دوائر الجنسية تحقيقاً قاسياً بهذا الشأن وكأن صدام موجود فعلاً وليس معدوم بتاريخ 30/12/2006 ، لا بل أشد لبقاء تشريعات البعث المقيت نافذةً لحد الآن دون تغيير أو تعديل أو حتى تجميد أو تعليق على أقل تقدير ، وبالتالي لم يتغير شيء وخاصة بحق المهجرين المسقط عنهم الجنسية العراقية ، حيث أن مجموع قرارات ما يسمى بمجلس قيادة الثورة {المنحل} بلغت أكثر من (13500) قرار خلال الفترة الممتدة من 17/7/1968 ولغاية 9/4/2003 ولم يلغى منها غير (1000) قرار ولجنة مراجعة القوانين المشكلة لهذا الغرض وقد تم حلها بإعتبار أن مجلس النواب المتخب قد باشر مهامه الدستورية في تشريع القوانين والذي شهد تغيبات كثيرة من أعضائه وجدول أعماله مزدحم بأكثر من (100) مقترح ومشروع قانون بعضها في القراءة الأولى والأخرى في القراءة الثانية أو بأنتظار التصويت النهائي للمصادقة عليها !!
 
     ولا يعرف السبب الحقيقي الذي يكمن وراء ذلك !! فعندما تبحث قضايا الكرد الفيليين كشريحة أساسية لا تتجزء أو تنسلخ من الشعب العراقي لحلها دستورياً وقانونياً ، يقع التسويف والمماطلة فحقيقة يطرح هنا سؤال مهم جداً من صاحب هذه اليد الطولى الخفيّة كالعصى السحرية ؟؟ فالجواب بالتأكيد هم البعثيون الصداميون الذين فلتوا من قبضة القانون ومن إجراءات إجتثاث البعث الشفافة ومحاكمة رموز النظام في غفلةً من الزمن نظراً لقدرتهم ومهارتهم العالية في التلون مع كل العصور والحكام كالسرطان المستشري الذي ينخر بالعظام حتى النخاع والتغلغل في أجهزة الدولة والأحزاب واللعب على جميع الحبال .. أي الأنخراط داخل العملية السياسية من ناحية والتحريض على الإرهاب والعنف والطائفية من جهة أخرى .
 
     ولا يهم أذناب عفلق وصدام غير تعطيل مسيرة التقدم بأي ثمن كان لإعادة الأوضاع إلى ما قبل 9/4/2003 بوضع العصى في العجلة التي لا يمكن أن تتوقف مهما طال الزمن أم قصر .. فهيات ثم هيات أن يفيقوا من كابوسهم المرعب ، ويتجلى ذلك نفسهم المعادي بحقد دفين وبغيض ضد المهجرين بصدور ثلاثة قوانين لهيئة حل نزاعات الملكية العقارية مع تعديلاتها وخلال ثلاث سنوات على التوالي وأقاموا الدنيا ولم يعقدوها بشأن الأضرار التي ستلحق بالمالك الحالي للعقارات المغتصبة ونسوا أو تناسوا بأنهم من خلق هذه المشاكل عن سبق إصرار وترصد .. إليست هذه مفارقة عجيبة تستحق التفكير لوهلة وبتأني عميق .. ثلاثة تشريعات خلال ثلاث سنوات لحسم موضوع واحد فقط !! .. في حين أن قانون الجنسية لا يقل أهمية عنه ولم ينال تلك الأولوية والحظوة .. هذا مع العلم أن الدستور العراقي الدائم لعام 2005 ينص على عبارة " ينظم ذلك بقانون " (60) ستين مرة .. وهنا سؤالاً يُطرح من تلقاء ذاته والحليم تكفيه الإشارةً .. متى سوف تسن هذه القوانين وبمعادلة رياضية بسيطة وهي أن كل تشريع القانون يستغرق ثلاث سنوات أي ( 60 قانون × 3 سنة = 180 سنة تكفي لأنجاز جميع القوانين ) أي لا يرى هذه المنجزات غير أحفاد الأحفاد !!  
 
     وهذه التشريعات هي اللوائح التنظيمية رقم (4) لسنة 2003 و(8) و(12) لسنة 2004 الصادرة عن سلطة الأئتلاف المؤقتة وأمر مجلس الوزراء رقم (22) لسنة 2004 بشأن رفع إشارات الحجز الموضوعة لأسباب سياسية وقانون التعديل رقم (1) لسنة 2005 وأخيراً القانون رقم (2) لسنة 2006 على التوالي * { وهذا التشريع الأخير أنصف حتى المالك الحالي للعقار المصادر وأن كان ظالماً مغتضباً أو مشترياً بثمن بخس أو مستملكاً للعقار بقرار من صدام " مكرمة كما كانت تسمى في حينها "  وقد أمتد نطاق سريانه ليشمل حتى العقارات المصادرة منذ 14 تموز عام 1958 بدلاً من 17 تموز عام 1968 } ، وسبب العلة في كثرة تلك التشريعات الصادرة هي لضمان تسوية رضائية عادلة لكافة الأطراف بإستثناء المسفرين لكونهم الفئة الأضعف والمغلوب على أمرهم وبلا سند أو ظهير قوي ، إذ أن هذه القوانين جميعاً لم تكن بالمستوى المطلوب وعدم إيجادها حلول مناسبة ولأنصاف المهجرين الشريحة الأكثر تضرراً في المجتمع العراقي وإعادة ممتلكاتهم المصادرة بل لم تؤخد بنظر الإعتبار أموالهم المنقولة المستولى عليها قسراً وأرصدتهم النقدية ومدخراتهم في البنوك والمصارف زمن التسفيرات رغم وجود وثائق وأدلة ثبوتية صادرة عن جهات رسمية في الدولة إلا أن الأمر قد تم تجاهله بالمرة ، والأدهى من ذلك كله تطالب تلك التشريعات المذكورة المهجرين بدفع تعويضات لمغتصبي ممتلكاتهم المصادرة أن وجد فيها ترميمات وإضافة بناء وكأن الدولة ليست لها أية علاقة بتهجيرهم وأصبحت مجرد هيئة تحكيمية بموجب تلك التشريعات ، وكأن المسفرين في نزهة سياحية أصطيافية طيلة ربع قرن من الزمن مليئة بالهموم والأحزان والعذاب ... فمن يدفع لهم عن إعادة إعتبارهم الواجب الملزم دستورياً وقانونياً عن الأضرار البالغة والجسيمة مادياً ومعنوياً التي لحقت بهم خلال سنوات الغربة والتشرد والضياع وفقدان الأبناء المغيبين في غياهب المعتقلات والسجون الرهيبة ، وتغافلت وتجاهلت الدولة كليةً بأنها ترث أفعال الحكومات المتعاقبة على السلطة إستناداً إلى أحكام الدستور ولحين معالجة آثارها الرجعية ولكن ليست المعاجلة على حساب المواطن المضطهد الفقير البسيط الذي لا يحول ولا قوة !! فأين العدالة وميزانها من هذا الفضائع !! وهذا على الرغم من ذكرهم كشريحة مضطهدة في دبياجة الدستور إلا أن ذلك لم يترتب عليه أي إجراء دستوري أو أثر قانوني ، وعسى ولعل أن تدرج ضمن عبارة " سائر المكونات الأخرى " المنصوص عليها في المادة (125) من الدستور والمتعلقة بضمان حقوق القوميات المختلفة لكون المسألة متروك أمر تنظيمها للقانون كي لا تكون مجرد جبر للخواطر وحبر على ورق يجف بمرور الوقت في رمشة عين وكأنه لم يكن أصلاً أو أصبح من الزمن الماضي ، وبالرجوع إلى قانون هيئة حل نزاعات الملكية العقارية رقم (2) لسنة 2006 والمنشور في جريدة الوقائع العراقية الرسمية في العدد (4018) والمؤرخ في 6/3/2006 والصادر بالقرار الجمهوري المرقم (2) في 9/1/2006 عن مجلس الرئاسة وبالأكثرية وهذا مناقض تماماً لحكم المادة (36/الفقرة "جـ") من قانون إدارة الدولة إذ تنص على ما يلي : - ( يتخذ مجلس الرئاسة قرارته بالإجماع ، ولا يجوز لأعضائه إنابة آخرين عنهم ) ، كما لم يذّيل التشريع المنوه عنه بإسماء أعضاء مجلس الرئاسة الموافقين والمعترضين ، وينطبق نفس الحال على مجموعة القوانين المنشورة في ذات العدد من الجريدة الرسمية وهي قانون مؤسسة الشهداء رقم (3) لسنة 2006 وقانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006 ، وهنا يثار تساؤل هل ما حصل هو مخالفة دستورية أم مجرد إلتباس أجرائي ليس إلا ... أو سقط سهواً عدد من النصوص بسبب أخطاء طباعية مثلما حدث عند نشر دستور جمهورية العراق الدائم في جريدة الوقائع العراقية الرسمية ذي العدد (4012) والمؤرخ في 28/12/2005  أو مثلما ينشر قانون التقاعد الموحد ورقمه (27) بالعدد (4015)  في 17/1/2006 في حين أن قانون الجنسية رقمه (26) ينشر بالعدد (4019) في 7/3/2006 ولا يُعرف كيف يتم ذلك .. بتقديم اللاحق على السابق !! ... ومن باب أولى عند تشكيل مثل هذه الهيئات المستقلة وغيرها بمقتضى الدستور أن يكون للشريحة المضطهدة دور فيها بنسبة حجمها السكاني نظراً لشعورها العميق بواقع المعاناة تماماً مثلما حصل في وزارة المهجرين والمهاجرين ومجلس النواب والذي بالتأكيد يعبر عن وعي حكومي وحزبي لدى مكونات الشعب العراقي المساهمة في العملية السياسية بحقيقة مآساة الكرد الفيليين .
 
     أن صيغة أجماع مجلس الرئاسة والأغلبية الخاصة سواء أثناء التصويت على مقرارات الحكومة أو الجمعية الوطنية ما هي إلا آلية التوافق المقررة دستورياً بهدف الوصول إلى أجماع وطني متكامل وملزم لكافة الأطراف المشاركة في العملية السياسية ، وعند إصدار التشريعات أعلاه لن يحصل ذلك أبداً ، فتصويت بالأكثرية وليس الأجماع على القوانين في مجلس الرئاسة يتطلب أعدتها إلى الجمعية الوطنية لأقرارها مرة ثانية بالثلثين بمقتضى المادة (37) المذكورة أنفاً لتصبح غير قابلة للنقض وبالتالي لا حاجة لتصديقها بقرار جمهوري ، وقد تطفو على السطح مسألة خطيرة جداً وهي الفترة المقررة لنشر القوانين في الجريدة الرسمية بعد المصادقة عليها بصورة نهائية سواء بممارسة حق النقض أو من دونه ، حيث لم يتطرق القانون الأنتقالي إلى ذلك ، فقد إشارت المادة (30/الفقرة "ب") إلى أن القوانين تنشر في الجريدة الرسمية ويعمل بها من تاريخ نشرها ما لم ينص فيها خلاف ذلك ، ونفس هذه المشكلة موجودة في الدستور الدائم وتحديداً في المادة (129) ، وبالتالي ترك الدستور لهذه العبارة مرونة كبيرة وعلى وجه العموم من غير تحديد واضح وصريح لفترة نشر ونفاذ التشريعات بعد إقرارها وإصدارها النهائي ، يجعلها تخضع للأجتهادات والتفسيرات المختلفة ، ولابد من محددات لأزالة أية إلتباسات وبشكل غير قابل للتأويل ، فوضع العراق المأساوي وحالته الصعبة تجعله في غنى عن الجدالات العقيمة كالنقاش البيزنطي على سبيل المثال ، وعند بدء الإجراءات لتعديل الدستور ووفقاً للمادة (142) نلتمس أن يؤخذ بنظر الإعتبار هذه المقترحات ، إذ ليس من المعقول أن يبقى قانون تم إقراره بدون تحديد ميعاد نشره وفي ظل فضاء مفتوح لا نهاية له ، وهذا بالرغم من أن المادة (138/الفقرة "خامساً") من الدستور قد شرحت آلية تصديق التشريعات المقرة من قبل مجلس النواب وبأجماع مجلس الرئاسة إستثناءً مما تضمنته الفقرة "رابعاً" من نفس المادة وكيفية ممارسة حق الإعتراض من قبل مجلس الرئاسة بموجب البنود { "ب ، جـ" } من الفقرة خامساً أعلاه ، وبالنتيجة تتعطل معه حقوق المواطنين المظلومين من أرث النظام البائد بالأخص ، والذين هم بأنتظار الفرج منذ ثلاثة عقود ونصف مضت !! وكل أملهم الوحيد اليتيم أن ينصفهم القانون العادل ولو بشكل يسير بسيط ، فهذا هو الكردي الفيلي بأخلاقه العالية يسامح من أساء إليه ولا يتجاوز بيده على ظالمه مفضلاً على ذلك طرق أبواب العدالة لإعادة حقوقه المسلوبة بأسلوب قانوني حضاري بعيداً جداً عن التهديد والوعيد ، وفيما ورد في أعلاه تناولنا فقط قضايا الجنسية ومشاكل الملكية العقارية المتنازع عليها ولم نتطرق إلى القضايا الأقتصادية والأجتماعية والثقافية للمسفرين فكل فرد منهم يحتاج إلى الآف الأوراق كي يدون شهادته أمام التاريخ !! والسؤال يطرح نفسه ... هل التاريخ سوف ينصفه ؟؟ هذا مع مراعاة أن قرار مايسمى بمجلس قيادة الثورة {المنحل} رقم (666) لسنة 1980 لم يلغى إلا بموجب المادة (11/الفقرة "هـ") من قانون إدارة الدولة بمعنى أن القرار المذكور كان ساري المفعول منذ صدوره في 7/5/1980 ولحين إلغائه بكتاب مجلس الوزراء ذي العدد (ق/6/1/10/2402) والمؤرخ في 8/9/2004 وبالتالي من شمل بالقرار ولم يهجر في هذه الفترة ظل خائفاً ومترعباً ومحارباً ومنبوذاً ومطارداً من أجهزة السلطة القمعية في رزقه ومعيشته ، وعليه فمن حق هذه الفئة المغيبة التعويض المنصف بما لا يقبل الشك والجدل .      
 
     آملين دراسة ملاحظاتنا وأخذها بنظر الإعتبار عند إجراء التعديلات الدستورية بموجب المادة (142) ، وتشريع قانون جديد للجنسية العراقية ووفقاً للمعايير العصرية والحضارية ووفقاً لما هو سائد في الدول المتمدنة وبهدف إيجاد الحلول الجذرية المناسبة بميزان العدالة الناجزة وصوت الضمير الوجداني إستناداً إلى أحكام المادة (18/ الفقرة "سادساً") من دستور جمهورية العراق الدائم ، وهذا الأمر يتطلب تشكيل لجان فنية متخصصة يزج فيها أصحاب الكفاءات والخبرات العلمية ومن أبناء الشرائح المضطهدة خاصةً وذات صلاحيات تمكنها من إيجاد الحلول المناسبة ومرضية لكافة الأطرف المتنازعة خلال فترة وجيزة أذ ليس من المعقول أن يبقى المهجر ينتظر إستعادة هويته الوطنية وأملاكه المصادرة ورد إعتباره وتعويضه مادياً ومعنوياً وأنصافه بشكل عادل في تولي الوظائف الحكومية والمناصب العليا للدولة لربع قرن آخر بعد أن حرم منها طيلة العهود الماضية والحكومات المتعاقبة لغرض تلمس التغيير الحقيقي والجذري الذي شهده العراق الجديد بعيداً عن الأقصاء والتهميش ويمارس دوره بفعالية في عملية إتخاذ القرار داخل الحكومة ذاتها على مختلف المستويات والأصعدة هذا في حالة ما تم الأخذ بنظر الإعتبار أن الفيليين وأن لم يكن لهم دور سياسي إلا أنهم كانوا أصحاب مصالح مؤثرة ورؤوس أموال ضخمة تشكل العصب الأساس للإقتصاد الوطني العراقي وبالتالي يعد سبباً كافياً لإستهدافهم وضربهم وتشتيتهم أرباً أربى وهذا ما أكده المجرم فاضل البراك الذي كان مديراً للأمن العام زمن وقوع التهجيرات العظمى عام 1980 ثم رئيس جهاز المخابرات العامة لاحقاً في كتابه الموسوم { المدارس اليهودية والإيرانية في العراق } ومما يلفت الأنتباه إلى أن الكتاب المذكور قد صدر وطبع بموافقة ديوان رئاسة الجمهورية " المنحل " بكتابه المرقم بـ (م.ع./9/126) والمؤرخ في 24/3/1984 والمذيّل في أخر صفحة من الكتاب مع تخصيص ريعه للمجهود الحربي آنذاك ، أي أن الكتاب لمؤلفه المقبور فاضل البراك ليس كتاباً أعتيادياً كبقية الكتب والتي تصدر عادةً موافقات نشرها من وزارة الثقافة والأعلام !! وبالتالي هذا دليل واضح لا لبس فيه ، لكون الكتاب يعبر عن وجهة نظر النظام المخلوع بأكمله وبأعلى وأدنى مستوياته وأجهزته ومؤسساته ، وحتى المجرم المذكور لم يسلم بطشه سيده المقبور إذ جرى إعدامه بأشنع طريقة .
 
     ولا يسعنا إلا أن نضع هذه القضية الحساسة جداً بكافة جوانبها وخلفياتها الدستورية والقانونية أمام أنظار كافة المؤسسات الدستورية الموقرة وأجهزة الدولة المتمثلة بمجلس الرئاسة والحكومة العراقية الإتحادية الدائمة ومجلس النواب كونها نابعة من رحم الشعب عبر صناديق الإقتراع وإنتخابات حرة ونزيهة إضافة إلى السلطة القضائية خاصة مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الإتحادية العليا ووزارات الداخلية والمهجرين والمهاجرين وحقوق الإنسان والعدل والهيئات المستقلة ذات العلاقة والأحزاب والوطنية والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية ووسائل الصحافة والإعلام بمختلف أنواعها وأشكالها بإعتبارها سلطة رابعة تنبض من قلب الرأي العام ، والأصوات الحرة والشريفة وكل مواطن من موقعه الرسمي أو غير الرسمي أو الوظيفي أو الحزبي أو السياسي أن يمارس بفعالية ومسؤولية عالية وبإلتزام شرفي ومهني وبكل أمانة وأخلاص وتفاني وحيادية وشفافية أحكام الدستور العراقي الدائم للوصول إلى بر الآمان في تحقيق المصالحة الوطنية الصحيحة وتثبيت سلطة القانون وتنفيذ حكم القضاء العادل وإشاعة الإستقرار والطمأنينة وتكافوء الفرص ورفع مستوى الرخاء والتقدم وتجفيف منابع الإرهاب والتطرف في عقر دارها ومكافحة الفساد المالي والإداري على كافة المستويات والأصعدة دون إسثتناء .  
 
 
 
 
 
 
 
* مختصص بشؤون المسفرين والمهجرين
والدفاع عن حقوقهم الدستورية والقانونية
 
 
قضية الكورد الفيليين وأبعاد معاناتهم وتسفيرهم في ظل التشريع العراقي
بقلم : الكاتب الصحفي / رياض جاسم محمد فيليriyadhjasim@yahoo.com * 

 
     ان مشكلة الكورد الفيليين لم تبدأ بتسفيرهم على شكل موجات متصاعدة منذ نهاية الستينات ومطلع السبعينات والثمانينات نتيجة لأشتراكهم الفعلي في الحركة التحررية الكوردية خاصة والحركة الوطنية العراقية عموماً، وانما ترجع اوليات معاناتهم الى زمن قيام الدولة العراقية الحديثة وتأسيسها تحت الانتداب البريطاني على يد قادة وضباط عثمانيين سابقين من ذوي النزعة الطورانية المتشبعين بسياسة التتريك العنصرية الشوفينية، فلم يجدوا الا ان يتخذوا من القومية العربية ستاراً لغاياتهم رغم عدم انتمائهم لها بل أغلبهم من أصول أجنبية، وعلى أثر ذلك صدر قانون الجنسية العراقية رقم (42) لسنة 1924 ذي الاطوار الشاذة والغريبة حيث لامثيل له في كل دول العالم على الاطلاق، وبموجبه أعتبر العثماني عراقي الجنسية حكماً وبصفة اصلية، في حين منح الكوردي الفيلي الجنسية العراقية بصفة مكتسبة لأسباب طائفية، أي يصبح العثماني مواطناً عراقياً من الدرجة الاولى وأن كان ساكناً في تركيا العثمانية والبلاد التابعة لها (مثل البلقان، الشام، مصر، ... الخ) وبغض النظر عن لغته وعرقه وجنسه، وبعكس الكوردي الفيلي الذي يصبح مواطناً عراقياً من الدرجة الثانية حتى وأن ثبت وجوده وآبائه في العراق منذ مئات السنين، أي أن طالب اللجوء وأينما وجد في دول العالم هو أحسن حالاً من الكوردي الفيلي، لكونه سيحصل على جنسية الدولة الملتجئ اليها بتزوجه أمراة من مواطنيها أو بولادة طفله على أراضيها أو بمرور فترة زمنية محددة قانوناً، أما الكورد الفيليون فمحرومون من كل ما تقدم لابتزوجهم عراقيات من الدرجة الاولى ولا حتى بولادتهم أباً عن جد في العراق ولاحتى بالفترة الزمنية وأن أمتدت الى الآف السنين في العراق !    

    
علاوة على كل هذا الظلم يجب على الكوردي الفيلي تقديم طلب إلتماس لغرض منحه التجنس بعد أستيفائه لـ (12) شرطاً منصوص عليها في تعليمات الجنسية، في حين يأخذ العثماني الجنسية تلقائياً ودون الحاجة لتوفر أية شروط بالمرة، وهذا مخالف لأحكام المادة (6) من القانون الأساسي العراقي (الدستور الملكي لسنة 1925) والتي نصت على ما يلي : (لافرق بين العراقيين في الحقوق امام القانون وأن أختلفوا في القومية والدين واللغة)، فأين المساواة التي دعى اليها الدستور ؟ فشخص منحه كامل الحقوق وآخر سلب منه أهم حق الا وهو حق المواطنة، وقد أطلقت رصاصة الرحمة على هذه المساواة الزائفة لتلغى نهائياً وبالتالي أصبح الدستور الملكي مناقضاً لنفسه بصدور قانون التعديل الثاني رقم (69) لسنة 1943 اذ عدلت بموجبه الفقرة (1) من المادة (30) من القانون الاساسي العراقي لسنة 1925 وكما يلي : "لايكون عضواً في أحد مجلسي النواب والاعيان ما لم يكن عراقياً اكتسب جنسيته العراقية بالولادة أو بموجب معاهدة لوزان أو بالتجنس على أن يكون المتجنس منتمياً الى عائلة عثمانية كانت تسكن عادةً في العراق قبل سنة 1914 ومر على تجنسه عشر سنوات" أي ان الكوردي الفيلي لايستطيع تولي عضوية أحد المجلسين (الاعيان والنواب) الا اذا كان مكتسباً للجنسية العراقية بالولادة في حين ان العثماني يصبح عيناً أو نائباً لمجرد كونه متجنساً لمدة عشر سنوات من اسرة تسكن عادة في العراق قبل عام 1914، كما أن التشريعات والدساتير اللاحقة في العراق لم تعالج من الموضوع شيئاً يذكر، بل زادت من الطين بلة، فكلما تقدمت السنين زاد وضع الكورد الفيليين سوءاً وتعقيداً. وعلى صعيد ذي صلة هو ما حصل عام 1950 حينما طرد المواطن الكوردي الدكتور جعفر محمد كريم العضو المؤسس للحزب الديمقراطي الكوردستاني، ثم صدر في العام نفسه قانون أسقاط الجنسية العراقية عن اليهود رقم (1) لسنة 1950 وتبعه القانون رقم (12) لسنة 1951 تحت تأثير الحركة الصهيونية، وفي عام 1954 صدر مرسوم ذيل الجنسية العراقية رقم (17) وبموجبه جرى عام 1955 أسقاط الجنسية عن كل من عزيزشريف وعدنان الراوي والدكتور صفاء جميل الحافظ وكاظم السماوي وكامل قزانجي وتوفيق منير وأكرم حسين محمد وبهاء الدين نوري بابا علي وجاسم حمودي وعبد الرزاق الزبيدي وزكي خيري وصادق جعفر الفلاحي وكامل صالح السامرائي ومحمد عبد اللطيف الحاج محمد وعلي الشيخ حسين الساعدي والمواطنة بهية مصطفى، وتحت الضغط الشعبي العارم لم يتم أبعاد سوى توفيق منير وكامل قزانجي الى تركيا وبهية مصطفى الى أيران، ولقد أوجد هذا الأجراء سابقة خطيرة وترتبت عليه عواقب وخيمة ساعدت على ترسيخ فكرة الاسقاط والابعاد في ذهن السلطة الحاكمة، فلقد أستغلت جيداً من قبل نظام البعث الفاشي مستقبلاً، ومهدت السبيل لأتساع الدائرة من ترحيل محدود الى عمليات تسفير بالجملة شملت شريحة مهمة من الشعب العراقي متمثلة بالكورد الفيليين لتكون أول ضحايا الانفال والتطهير العرقي المعروفة بالجينو سايد، وطافت قضية الشيوعيين المبعدين على السطح لكونها مخالفة لروح الدستور خاصة في المادة (7) من القانون الاساسي العراقي والتي حظرت أبعاد العراقيين ونفيهم الى خارج البلاد، وهذا ما كشفته وقائع جلسات محكمة الشعب بعد ثورة 14 تموز عام 1958 الوطنية وأثناء محاكمة وزير الداخلية في العهد الملكي سعيد قزاز.  

     وتطورات قضية التسفير متلاحقة ففي 30/5/1963 صدر قانون الجنسية الجديد تحت رقم (43) لسنة 1963 وكان أشد وطأة من سابقه، وقد لوحظ أنه صدر بعد ثلاثة أشهر من وقوع أنقلاب 8 شباط الاسود، بهدف الانتقام من الكورد الفيليين نظراً لقيام مقاومة مسلحة للأنقلاب في مناطق سكناهم مثل حي الاكراد وساحة النهضة وباب الشيخ والكاظمية، كما زج بالآلاف منهم في السجون والمعتقلات وتم تعذيبهم على أيدي البعثيين ورجال الحرس القومي الذي أدى الى استشهاد عدد كبير منهم تحت التعذيب مما أضطر عدد كبير منهم الى مغادرة البلاد منذ ذلك الوقت، أما بالنسبة للقانون المذكور أعلاه فقد شدد من شروط منح الجنسية وأعطى لوزير الداخلية صلاحيات واسعة ومنها أسقاط الجنسية ولأسباب أمنية ودون الرجوع للقضاء، أضافة الى جعل العرب من أبناء الامة العربية أعلى مرتبة من الكورد الفيليين، الا أن أحلام البعثيين المريضة في القيام بحملات تهجير واسعة النطاق قد تلاشت نتيجة طردهم من السلطة في أنقلاب 18 تشرين الثاني عام 1963.      

     وفي 10/5/1964 صدر الدستور العراقي المؤقت في عهد عبد السلام عارف، وقد ضم أوضاعاً غريبة وشاذة وخاصة مايتعلق بالكورد الفيليين، ففي المواد (41 و 72) من الدستور أعلاه "قد أشترطت على كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ونوابه والوزراء حين توليهم مناصبهم أن يكون عراقياً ومن أبوين عراقيين ينتميان الى أسرة تسكن العراق منذ عام 1900 وكانت تتمتع بالجنسية العثمانية، وأن لا يكون متزوجاً من أجنبية، وتعتبر العربية التي من أبوين وجدين عربيين عراقية لهذا الغرض" فهذه الشروط المبينة اعلاه ذات تفسير واضح لا تدع مجالاً للشك، فمعناها حرمان الكورد الفيليين من حق المشاركة في الحياة السياسية والشؤون العامة، ومنعهم من تولي المناصب الحكومية الرفيعة، وقد شمل هذا الحظر أيضاً العراقي بصفة أصلية أذا كان متزوجاً من أمراة كوردية فيلية، ورغم قيام الحكومة في وقت لاحق بتعديل تلك المواد تحت ضغط الشارع العراقي الا أن أجراءها كان بعد فوات الاوان.  

     وأستمر الحال من سيء الى أسوء، فوقع أنقلاب 17 تموز الاسود عام 1968، حيث صدر في 21/9 من نفس السنة الدستور البعثي الاول وهو مؤقت أيضاً، حيث نصت المادة (20) من هذا الدستور على ما يلي : "أ ـ الجنسية العراقية يحددها القانون، ولا يجوز أسقاطها عن عراقي ينتمي الى أسرة تسكن العراق قبل 6 آب عام 1924 وكانت تتمتع بالجنسية العثمانية وأختارت الرعوية العراقية، ب ـ يجوز سحب الجنسية عن المتجنس في الاحوال التي يحددها قانون الجنسية".     

     والمقصود هنا يجوز أسقاط الجنسية العراقية عن من لم يكن عثماني الجنسية سابقاً، وبالتالي يبرر سحب التجنس من الكورد الفليين بأعتبارهم أجانب مما يسهل عملية أبعادهم الى خارج البلاد تحت أية ذريعة كانت، كما أن المادة (66) من الدستور البعثي جاءت تاكيداً وامتداداً لما نصت عليه المواد (41، 72) من دستور عام 1964 قبل تعديلها، وهكذا أتضحت نوايا البعثيين الحاقدة والخبيثة، فقاموا بحملة تهجير أستهدفت حوالي (70.000) الف كوردي فيلي في الاعوام (1969 - 1970 - 1971) وعلى الرغم من توقيع أتفاقية 11 آذار عام 1970 بين حكومة البعث والحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة المغفور له الملا مصطفى البارزاني والذي رشح السيد حبيب محمد كريم أمين عام الحزب لمنصب نائب رئيس الجمهورية كأحد بنود أنهاء النزاع، الامر الذي رفضه صدام حسين رفضاً قاطعاً وبشدة لكون السيد حبيب محمد كريم كوردي فيلي، والجدير بالذكر أن أول أمرأة عراقية نفذ فيها حكم الاعدام في تاريخ العراق المعاصر كان على يد جلاوزة النظام البائد في عام 1975 وعلى المواطنة الكوردية الفيلية الشهيدة الخالدة ليلى حسن قاسم.        

     وفي 16/7/1970 صدر الدستور البعثي الثاني، وتحديداً ما نصت عليه فقرة (أ) من المادة (42) من الدستور، والتي أجازت لمجلس قيادة الثورة أصدار القوانين والقرارات الأرتجالية والكيفية والسرية وتكون لها قوة القانون والالزام ودون أية رقابة أو مساءلة، ونظراً لتمتع رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة بالحصانة التامة وفقاً للمادة (40) من الدستور، فقد صدر سلسلة من التشريعات لا أول لها ولاآخر وذات صلة بإسقاط الجنسية عن الكورد الفليين وتسفيرهم، ومنها ما يستهدف إذلالهم والتضييق عليهم، وكما يلي :          

أولاً : قانون منح الجنسية العراقية للعرب رقم (5) لسنة 1975 والقرار رقم (890) في 4/8/1985 والقرار رقم (511) في 19/7/1987 والقرار رقم (141) في 21/5/1991 وبموجب كل ماتقدم أجيز للعرب من أبناء الامة العربية الحصول على الجنسية العراقية ودون أية شروط مع أحتفاظهم بجنسيتهم الأصلية وعدم تجنيدهم الى الخدمة العسكرية أضافة الى أمتيازات عديدة منها منحهم قطع أراضي سكنية وقروض مصرفية وعقارية وتسهيلات تجارية وصناعية وأستثمارية، في حين أن الكوردي الفيلي يخدم في الجيش الخدمة الالزامية وخدمة الاحتياط ويقدم التضحية تلو التضحية حتى لو كان أهله مسفرين ومع ذلك يظل أجنبياً عميلاً في نظر السلطة الدكتاتورية ولا يتمتع بأي من الامتيازات المقررة للشهداء والمعوقين والاسرى في الحرب، رغم أن المتعارف عليها دولياً بأن الأجنبي لايسوق الى الخدمة العسكرية، وفي حالة أذا ما سوق اليها فأن هذا الامر سوف يسهل ويسرع معاملة منحه الجنسية، ويتضح من بنود هذا القانون وما تتبعه من قرارات أنه يستهدف تغيير البنية السكانية والطبيعة الديموغرافية للشعب العراقي، وهذا ما تبين بجلاء أثناء الحرب العراقية الايرانية وقدوم أكثر من أربع ملايين مواطن مصري وأصبحوا أعلى منزلة من المواطن العراقي.     

ثانياً : قانون تعديل الجنسية العراقية رقم (147) لسنة 1968 والقرار رقم (413) في 15/4/1975 وبموجب هذين التشريعين منعت المحاكم من النظر في الدعاوى الناشئة عن تطبيق احكام قانون الجنسية، وأنما أجيز الاعتراض على قرارات وزير الداخلية لدى رئيس الجمهورية ويكون قراره قطعياً . وبالتالي ترتب على هذا الامر الغاء حق المواطن في التقاضي ومراجعة المحاكم والالتجاء اليها وسلوك سبل الطعن المكفول له دستورياً ودولياً وخاصة ما ينص عليه الاعلان العالمي لحقوق الانسان، كما أدى ذلك الى تقويض دور القضاء وأستقلالية سلطته، وبالتالي لن يستطيع الكوردي الفيلي الاعتراض والشكوى على قرار تسقيط جنسيته وأبعاده الى خارج البلاد. 

ثالثاً : القرار رقم (180) في 3/2/1980 والذي تضمن شروطاً مشددة للحصول على الجنسية ولم تكن معروفة في التشريعات السابقة وأعطى وزير الداخلية صلاحيات مطلقة وكاملة في قبول تجنس الاجانب ورفضه، وحثهم على تقديم طلبات أكتساب الجنسية العراقية خلال مدة نفاذ القرار المحددة بـ (6) أشهر والاسيتعرضون للطرد وهو بمثابة أنذار أولي وقد شمل ذلك الأجنبي المتزوج من عراقية والاجنبية المتزوجة من عراقي، فيما أعتبر القرار عدداً من العشائر الكوردية هي أجنبية وهي عشائر (السوره ميري والكركش والزركوش وملك شاهي وقره لوس والفيلية والاركوازية والكويان) ولايشمل بأحكام هذا القرار من كان وجوده في العراق ضرر على أمن وسلامة الوطن وليس مستمراً بالاقامة والسكن للفترة الزمنية المحددة لكل حالة من الحالات المبينة في القرار اعلاه، فلقد كانت كل الاجراءات تستهدف جمع معلومات أستخباراتية متكاملة عن كل المتقدمين بطلبات الحصول على الجنسية وجردهم، بغية تمكين الاجهزة الامنية من الوصول اليهم بدقة متناهية والتحضير لعمليات أعتقالهم وتسفيرهم. 

رابعا : القرار رقم (200) في 7/2/1980 حيث جاء فيه عدم السماح للاجنبي الذي أقام في العراق قبل نفاذ هذا القرار، أو يقيم فيه مدة خمس سنوات من الاستمرار في أقامته كما لا يجوز العمل بأي نص يتعارض مع أحكام هذا القرار، وبالتالي أتضح الهدف من صدور القرار رقم (180) بعد أربعة أيام فقط.    

خامساً : القرار رقم (518) في 10/4/1980 والذي أستثنى الاجنبي الايراني الاصل من الاحكام الخاصة بالتجنس الواردة في القرار رقم (180) في 3/2/1980.  

سادساً : القرار رقم (666) في 7/5/1980 السيئ الصيت حيث أنه جاء تتويجاً لكل القرارات السابقة، والذي بموجبه تم أسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي أذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والاهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة، ولوزير الداخلية أن يأمر بأبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية وفقاً للقرار اعلاه ما لم يقتنع بناء على أسباب كافية أن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية أو حفظ حقوق الغير الموثقة رسمياً والقرار هنا واضح لا يحتاج الى شرح بل قام بتفسير القرارات السابقة والتي كانت غامضة ومبهمة.     

سابعاً : القرار رقم (474) في 15/4/1981 والذي بموجبه يصرف للزوج المتزوج من أمراة من التبعية الايرانية مبلغ قدره (4000) دينار أذا كان عسكرياً و (2500) دينار أذا كان مدنياً في حالة طلاقه من زوجته وتسفيرها الى خارج القطر، ويشترط لمنح المبلغ المشار اليه اعلاه ثبوت حالة الطلاق أو التسفير بتأييد من الجهات الرسمية المختصة وأجراء عقد زواج جديد من عراقية وبهذا الصدد أيضاً صدر تعميم سري لمدير عام مكتب أمانة القطر (علي حسن مجيد) حول ضوابط الزواج للرفاق الحزبيين كتاب حزب البعث العربي الاشتراكي العدد/3/33138 تاريخ 14/11/1983.       

ثامناً : أضافة الى قرارات اخرى ذات صلة بموضوع الجنسية وأكتسابها، كمنح الجنسية العراقية للاجنبيات المتزوجات من عراقيين، وتولي السلطة المالية أدارة العقارات العائدة للزوجات العراقيات الملتحقات بأزواجهن المسفرين، ومنع الزوج الغير عراقي من التصرف بأموال زوجته العراقية مثل نقل الملكية والوراثة، كذلك تحديد ضوابط زواج الموظف في دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي من أجنبية، وترتيب هذه القرارات كما يلي :          

أ ـ القرار رقم (1468) في 14/9/1980     

ب ـ القرار رقم (1610) في 23/12/1982 

ج ـ القرار رقم (1194) في 2/11/1983    

د ـ القرار رقم (329) في 15/3/1984       

هـ ـ القرار رقم (456) في 15/4/1984    

و ـ القرار رقم (363) في 27/4/1986       

ز ـ القرار رقم (722) في 15/9/1987       

تاسعاًً : علاوة على تشريعات سرية او غير منشورة في الجريدة الرسمية وما خفيّ كان أعظم أو تكون على شكل تعليمات وتوجيهات وأوامر، ومنها حرمان الكوردي الفيلي من التعيين في دوائر الدولة وخاصة ديوان الرئاسة وهيئة التصنيع العسكري واذا سمح له التعيين فعلى نطاق ضيق ومحدود وفي وظيفة بسيطة وتحت المراقبة الامنية المستمرة ولا يجوز له تولي الدرجات الوظيفية الخاصة رغم ثبوت كفائته وإخلاصه في العمل، كذلك منعه من الاشتراك في أي عمل أو نشاط أقتصادي، تجاري أو صناعي مع الدولة كالتعهدات والمناقصات والمزايدات، ولا حتى من حقه أكمال الدراسات الجامعية العليا والالتحاق بالكليات العسكرية والشرطة، وعدم شموله بأمتيازات الشهداء والمعوقين والاسرى نتيجة للحروب الصدامية، مع عزله في معسكرات خاصة للتدريب أثناء أداء الخدمة العسكرية وأخذ بيانات مفصلة عنه، وتزويده بشهادة جنسية مميزة لكي يسهل التعرف على أصله وتجنسه من قبل الجهات الامنية والحزبية والاستخبارية عند طلبها المستمسكات الرسمية منه أو أثناء مراجعته لدوائر الدولة، وعلى أثر ذلك وأثناء عمليات التسفير وما بعدها حصلت حملات تطهير لكل الدوائر العامة وتم بموجبها طرد الآف من الكورد الفيليين من وظائفهم ومن بينهم أطباء ومهندسين وقضاة وضباط وعلماء وأساتذة جامعيين ومدرسين، ومن خيرة أبناء المجتمع من الذين قدموا له خدمات جليلة لاينكرها أحد والعدو قبل الصديق، وحتى التجار وأرباب الصنائع الذين خدموا الاقتصاد العراقي لم يسلموا من هذا الامر، أذ جرى تسفيرهم بكل مكر وخديعة بناء على دعوتهم لاجتماع عاجل في غرفة تجارة بغداد وما أن وصلوا كان رجال الامن بأنتظارهم وكل هذا معروف للقاصي والداني.         

عاشراً : وهذا ما عدا المصادرة المجحفة للمدرستين الابتدائية والثانوية الاهليتين للكورد الفيليين وناديهم الاجتماعي والرياضي رغم ما قدمته للمجتمع من نخبة خيّرة متعلمة وأجيال مثقفة واعية من العرب والكورد على حد سواء، فكانت هذه الاجراءات المتعسفة تستهدف طمس معالم الثقافة الفيلية ومحو تاريخها المشرف وتراثها العريق.     

وهكذا كان الكورد الفيليين طيلة الثمانين سنةً الماضية تحت رحمة المطرقة والسندان والمتمثلة بالقوانين الجائرة التي أصدرتها الحكومات العراقية المتعاقبة وخاصة القرارات الاجرامية الظالمة زمن البعث وبجرة قلم صدام حسين، حيث ذهب ضحيتها حوالي (500.000) الف كوردي فيلي مسفر وحوالي (10.000) شخص محجوز من خيرة شباب الفيلية في غياهب السجون والمعتقلات ولايعرف مصيرهم لحد الان أكثر من نصفهم كانوا من العسكريين (اثناء ادائهم الخدمة الالزامية)، ومنذ عام 1980 حيث تم حجزهم بموجب تعليمات وزير الداخلية رقم (2884) لسنة 1980 بخصوص المهجرين العراقيين، كذلك تم مصادرة أموال المسفرين المنقولة وغير المنقولة على نحو تعسفي ودون تعويض او منحهم مهلة لتصفيتها ورميهم على الحدود ليعبروا من بين حقول الالغام ومات قسم منهم بسبب انفجار الالغام او نتيجة للمرض والجوع والتعب خصوصاً كبار السن منهم والاطفال والنساء، وكانت تبريرات النظام المقبور وحججه ضد الكورد الفيليين هي مشاركتهم في نشاطات تخريبية مدعومة من ايران ومنها حادث التفجير في الجامعة المستنصرية وبدراما محبوكة من اجهزة البعث القمعية، وذلك لشن الحرب ضد ايران، أما الكورد الفيليين الذين لم يسفروا فقد جعلهم النظام ورقة احتياط يلعب بها في اي وقت يشاء، وأستمر بتشديد الخناق والتضييق على نشاطهم الاقتصادي والتجاري وتجميد أموالهم وممتلكاتهم طيلة أيام الحرب على أعتبار كونهم جواسيس وخونة وعملاء وبالتالي يشكلون طابوراً خامساً لايران.   

     كما ان قضية الجنسية لم تقتصر على الكورد الفيليين فقط بل امتدت لتشمل كل من الكلدو آشوريين والارمن وقسم غير قليل من العرب، حيث ان الحكومة استيقضت من سبات عميق لتتذكر في عام 1972 أصدار عفواً عاماً عن القائمين بالحركة الاثورية في عام 1933 وتعيد لهم الجنسية العراقية لمن أسقطت عنه من المشاركين بتلك الحركة بموجب القرار رقم (972) في 25/11/1972 وفي هذا الصدد صدرت في عام 1997 تعليمات جديدة لمنح الجنسية العراقية للآثوريين الاانها كانت مجرد حبر على ورق وللاستهلاك الاعلامي فقط.  

إن ما قام به النظام المخلوع من ظلم وجور بحق الكورد الفيليين لم يكن مخالفاً لكل الاديان السماوية والاعراف والمواثيق الدولية فحسب، وأنما كان مناقضاً لاحكام دستوره الذي أصدره في 16/7/1970 وخاصة في المادة (16) منه والتي نصت على ما يلي : "لا تنزع الملكية الخاصة الا لمقتضيات المصلحة العامة وفق تعويض عادل حسب الأصول التي يحددها القانون"، والمادة (19) ونصت على ما يلي : "المواطنون سواسية امام القانون، دون تفريق بسبب الجنس أو العرق أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي أو الدين"، وكذلك مناقضاً أيضاً لقانون الجنسية العراقية رقم (43) لسنة 1963 وخاصة ما نصت عليه المادة (20) وكما يلي : 

لوزير الداخلية سحب الجنسية العراقية من العراقي في الاحوال الاتية :       

1 ـ اذا قبل دخول الخدمة العسكرية لاحدى الدول الاجنبية دون أذن سابق يصدر من وزير الدفاع .         
2 ـ اذا عمل لمصلحة دولة أو حكومة أجنبية أو جهة معادية في الخارج أو قبل في الخارج وظيفة لدى حكومة أجنبية أو أحدى الهيئات الاجنبية أو الدولية وأبى أن يتركها بالرغم من الامر الصادر اليه من الوزير.  
3 ـ اذا قام في الخارج بصورة معتادة وأنضم الى هيئة أجنبية من أغراضها العمل على تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي للدولة بأية وسيلة من الوسائل. 
     وحتى لا تتكرر هذه المآسي الوحشية والقاسية، نتشرف بأيضاح النقاط التالية لحضراتكم وكما يلي :       

أولاً: أن الكورد الفيليين هم عراقيون أصلاء أباً عن جد ولم يعرفوا غير العراق وطناً لهم وخدموا في مؤسساته ودوائره وتدرجوا في الوظائف العامة وقدموا الكثير من الشهداء أثناء تأديتهم الخدمة العسكرية، وهذه حقيقة لا تغيب عنها الشمس ولايختلف عليها أثنان حتى على مستوى المسؤولين القياديين في النظام الصدامي العفلقي، وقد أكدت هذه الحقيقة العديد من المراجع التاريخية ومنها :
               
1 ـ من هو العراقي ؟ أشكالية الجنسية واللاجنسية في القانونين العراقي والدولي تأليف الدكتور عبد الحسين شعبان .  
2 ـ بغداد في العشرينات تأليف عباس البغدادي.
3 ـ تاريخ الفيلية تأليف عباس العزاوي أعداد حسين الجاف.       
4 ـ الفيليون تأليف نجم سلمان مهدي.  

ثانياً: رد الأعتبار الى الكورد الفيليين وتعويضهم مادياً ومعنوياً وأعادة المهجرين منهم الى ديارهم معززين مكرمين والكشف عن مصير أبناءهم المفقودين والمحتجزين، وتفعيل حقهم الطبيعي بالمساهمة في الحياة السياسية العامة ومنها حق الانتخاب والترشيح وأبداء الرأي في الأستفتاءات الشعبية وتولي المناصب العليا في الدولة دون قيد أو شرط (والتي كانت محصورة بازلام النظام وأعوانه وأقرباء الطاغية) نظراً لعدم وجود أي دور سياسي للفيلية منذ قيام الملكية وحتى سقوط النظام الدكتاتوري في 9/4/2003 ورغم ما كانوا يمتلكونه من ثقل أقتصادي وأدخال ذلك في صلب الدستور الدائم ولو على سبيل العموم.     

ثالثاً: أصدار قانون جديد وعادل للجنسية العراقية ووفقاً للمعايير العصرية السائدة ويلغي الطبقية والفوقية، وينصف الكورد الفيليين المظلومين ويؤكد على عراقيتهم الأصيلة، كما يحل كل المشاكل السالف ذكرها ويزيل أثارها المتراكمة طيلة ثمانين سنة وبالفعل صدر قانون مؤقت على عجل خلال هذه المرحلة الانتقالية ولا يوجد في البلاد أي دستور الا انه لن يكتسب الشرعية الكاملة ما لم تكن أولى مهام السلطة التشريعية المنتخبة وفقاً للدستور الدائم تشكيل لجان مختصة لاعادة النظر في قانون الجنسية ودراسته من جديد بهدف اتخاذ قرار نهائي اما بالابقاء عليه كما هو أو تعديله أو استبداله بقانون آخر مع الاخذ بنظر الاعتبار ملائمته لروح واحكام الدستور ورأي الجهة القضائية المختصة بالرقابة على دستورية القوانين فيه، حتى لايطعن بشرعية اعادة الجنسية العراقية للكورد الفيليين وبحجة ان الامر تم وفقاً لتشريع مؤقت وليس دائم، وحتى لايعيد التاريخ نفسه وما حصل للكورد الفيليين من معاناة وظلم بموجب قوانين وقرارات مؤقتة وفي ظل دساتير مؤقتة ايضاً.

رابعاً: أيجاد ضمانات حقيقية وملموسة وأدخالها في صلب الدستور الدائم وبنصوص واضحة غير قابلة للتفسير أو التأويل، وبالتالي تكون أسسا ومحددات لقانون الجنسية الجديد وأطار عام لا يخرج عنه، لتلافي أية تسفيرات مستقبلاً وتحريم إسقاط الجنسية عن أي مواطن وحظر أبعاده الى خارج البلاد أو منعه من العودة اليها ولأي سبب كان وتحت أي ظرف، وأن هذه الحصانة الدستورية مطلوبة حتى لا تتلاعب أية أغلبية بسيطة من أعضاء السلطة التشريعية (البرلمان) بالقانون وفقاً لمشيئتها، حيث أن الدستور هو مصدر القوانين جميعاً، وعليه فأن عملية تعديله تكون صعبة جداً وتحتاج الى زمن طويل من المداولات والجلسات في البرلمان، أضافة الى توفر أغلبية خاصة تصل الى أغلبية ثلثي نواب البرلمان أو حتى أغلبية ثلاثة أرباع النواب، وربما بعد أن إستكمال هذه الإجراءات، يعرض التعديل الدستوري على الاستفتاء الشعبي ليكتسب الصفة الشرعية النهائية، في حين أن تشريع أي قانون وفقاً للاعراف الدستورية وما تنص عليه الأنظمة الداخلية لمعظم برلمانات دول العالم الديمقراطية كما يلي: "لا تكون جلسات البرلمان صحيحة الا بحضور أغلبية أعضائه، وتصدر القرارات بأغلبية الاعضاء الحاضرين" أي معناها أن تشريع القانون لا يتطلب سوى حضور أغلبية النواب الى جلسة البرلمان وموافقة أغلبية الحاضرين، وبالتالي يصدر القانون بموافقة ربع النواب كحد أدنى من مجموعهم، وهذا يعتبر شيئاً خطيراً بالنسبة لقانون الجنسية إذ من الممكن بواسطة هذه الأغلبية المشار اليها (ربع النواب) تعديل القانون أو الغائه أو تغييره عن مساره الصحيح، كما يجوز لنائب واحد حق اقتراح تعديل القانون في حين ان تعديل الدستور لا يتم الا باقتراح مقدم من ثلث النواب مع بيان اسباب التعديل وشرح مبرراته وخاصة نحن في بلد أنتهكت فيه حرمة سيادة القانون وأستقلال القضاء أستناداً الى الفقرة (أ) من المادة (42) من دستور عام 1970 كما ان العراق حديث عهد بالحرية والديمقراطية فلابد ان يكون دستوره الجديد أكثر تفصيلاً وتشعباً وحتى لو يتناول أموراً عدة من الممكن تركها للقوانين العادية، ومن هذه الضمانات المتعلقة بالجنسية والمقترح أدخالها ضمن باب الحريات والحقوق والواجبات العامة من الدستور الدائم ما يلي :     

1 ـ يكفل لكل عراقي حق المواطنة والجنسية على قدم المساواة دون تفريق بسبب الجنس او الاصل او العرق او المعتقد وينظم القانون احكام الجنسية العراقية وشروط اكتسابها بصورة عادلة.     
2 ـ يعتبر عراقياً كل شخص مقيم في العراق أذا توفرت فيه أحدى الشروط الآتية:  
أ ـ أن يكون قد ولد في العراق.
ب ـ أن يكون أحد أبويه ولد في العراق.          
جـ ـ أن يكون قد أقام في العراق أقامة عادية لمدة يحددها القانون.
3 ـ يعتبر عراقيا من كان احد ابويه عراقياً سواء الأم أو الأب ودون الحاجة الى الشروط المبينة في الفقرة اعلاه.        
4 ـ لا يجوز بحال أسقاط حق الجنسية عن أي مواطن عراقي ولا يحرم من جنسيته تحت اي ظرف كان ولأي سبب من الأسباب.          
5 ـ يتمتع العراقي في خارج البلاد بحماية الحكومة العراقية وفقاً للأصول الدولية المرعية.     
6 ـ لا يجوز سحب الجنسية عن المتجنس الا في حالة ثبوت ادانته بتهمة الخيانة العظمى وبقرار من المحكمة الدستورية العليا وبأشراف ومراقبة هيئات حقوق الانسان، ويجوز لمن فقد تجنسه حق التظلم امام القضاء المختص وفق الاجراءات المبينة في القانون.
7 ـ يكفل القانون منح تسهيلات خاصة للمغتربين العراقيين وأبناءهم وفروعهم ولمواطني الاقطار الأقليمية المجاورة من ذوي الأصول العراقية.
8 ـ يحق لكل مواطن ان يستعيد جنسيته العراقية التي أسقطت عنه، كما يجوز له التخلي عن جنسيته وقتما يشاء، ويحق لكل عراقي الاحتفاظ بجنسية أجنبية اضافة الى جنسيته العراقية. 
9 ـ يجوز للاجانب الذين أقاموا في العراق اقامة عادية وما زالوا مستمرين فيها حق طلب أكتساب الجنسية العراقية خلال مدة يحددها القانون وفقاً للشروط المبينة فيه.  
10 ـ يحق للمتجنس الاسهام في الحياة السياسية العامة بمرور مدة محددة قانوناً من تاريخ تجنسه.       
11 ـ لا يجوز مطلقاً أبعاد أي مواطن عراقي او نفيه الى خارج البلاد او منعه من العودة اليها.         
12 ـ تسليم المواطنين او اللاجئين السياسيين محظور، وتحدد القوانين والاتفاقات الدولية أصول تسليم المجرمين العاديين.
13 ـ يحدد بقانون الوضع الحقوقي والقانوني للاجانب المقيمين في العراق وفقاً للقوانين والاعراف الدولية.    
14 ـ يعاد كافة المهجرين والمبعدين وخاصة الكورد الفيليين وترد اليهم جنسيتهم العراقية واموالهم وحقوقهم المغتصبة والكشف عن مصير ابنائهم المفقودين وتعويضهم عما لحق بهم من اضرار جسيمة تعويضاً عادلاً (ضمن باب الاحكام الانتقالية والختامية من الدستور الدائم).         

خامساً: أن يؤكد الدستور الدائم على دعم إستقلال القضاء وحصانته ونزاهة القضاة وتجردهم وعدم تعرضهم للعزل الا في حالات محددة في القانون، ولاسلطان عليهم في قضائهم غير القانون ولايجوز لأي سلطة التدخل في سير القضايا أو شؤون العدالة، وسيادة القانون أساس الحكم وخضوع الدولة للقانون، وتشكيل مجلس أعلى للقضاء ومحكمة دستورية عليا، وحظر اي نوع من المحاكم الخاصة او العسكرية او الأستثنائية وبكل أشكالها، وتفعيل دور القضاء الاداري والسلطة الرابعة المتمثلة بهيئات حقوق الأنسان والصحافة ووسائل الأعلام وبالتالي ينعكس بشكل أيجابي على موضوع الجنسية والرقابة على تشريعاتها دستورياً وقضائياً وحتى شعبياً.          

     وبذلك نضمن لأنفسنا كعراقيين على حد سواء قيام المجتمع المدني ومؤسساته الحرة في ظل حكم الدستور وسيادة القانون وعدل القضاء من أجل بناء عراق ديمقراطي فدرالي موحد.

 

*مختص بشؤون الكورد الفيليين والدفاع عن حقوقهم الدستورية والقانونية