محنة الكورد الفيليين بين اشكالية نشدان الحلول لكوارث الامس.. ومآسي التفجيرات

رسالة مفتوحة لحكومة المالكي بضرورة التعجيل بتطبيق المادة (140) في مندلي وخانقين وبدرة انقاذا لحياة عشرات الالاف
مسلسل التفجيرات ليست له بداية مثلما ليست له نهاية على الاقل في هذه المرحلة التي بتنا فيها نصحو على اصوات الانفجارات المخيفة هنا وهناك مثلما كنا نسمع كل صباح ومن القيثار الحكومي المنخور عبر مرسلاته الاذاعية المختلفة والمتنوعة في زمن النظام البائد اشد الاناشيد حماسة وتهورا فنترقب بحذر من ان يكون الطاغية فعلها ودخل حربا اخرى ومع جار اخر... التفجيرات تطول الشوارع والساحات ومناطق تجمع العمال في كل مكان وتستهدف كذلك الاسواق والمدن لقتل الابرياء بسلوك اجرامي قذر ومدان اخلاقيا وادبيا وبكل المقاييس والقوانين والشرائع الارضية والسماوية على حد سواء لكن تكرار التفجيرات في مكان واحد لاكثر من مرة لتصل الى خمس مرات وفي فترة زمنية محدودة امر مثار تساؤل ليس من جهة المد الارهابي وعيونه التي لاترى سوى الدماء المسفوكة لتبتهج بها فرحة في سلوك شاذ شائن لاينتمي الى الاعراق البشرية من اي صنف او لون لكن التساؤل حول القوى الامنية العراقية ومدى جديتها في الحفاظ على ارواح الابرياء وفقا لضوابط الخطة الامنية التي كان لابد وان تكرار الحوادث التفجيرية يوقظ فيها احداثيات الحالة والمسح الامني كي لاتتكرر المأساة ولو تكررت فان خسائرها لابد ان تكون طفيفة على خلفية الاحتياطات المتخذة... فحادث التفجير الاجرامي المروع الاخير الذي حدث في منطقة الصدرية والذي ذهب ضحيته اكثر من مئة وخمسين شهيدا وارقام مضاعفة من الجرحى الى جانب اضرار اصابت المباني والسيارات التي كانت على الطريق.
وتعد المنطقة واحدة من افقر مناطق العاصمة ذات اغلبية كوردية فيلية تجمعت هناك بلا سابق موعد بسبب سياسات الانظمة المقبورة وخاصة النظام البائد والذي عمد الى تهجير وترحيل عشرات الالاف من الكورد من مناطق مندلي وخانقين وقزرباط وغيرها تماشيا مع سياسة التغيير الديموغرافي بهدف تغيير البنية السكانية في تلك المناطق تمهيدا لتعريبها بالكامل وخلق حزام امني عسكري لتطويق اقليم كوردستان والذي تشكل تلك المناطق بواباته الجنوبية ومعظم هؤلاء الاهالي يمتهنون الحرف البسيطة لحرمانهم من حقوقهم الوطنية فقد حرص النظام البائد على ان يكون مستواهم المعاشي تحت خط الفقر كي يبقوا ضمن دائرة الالم والمعاناة والعذاب وهو ذات النهج لكن بدرجة اقل في العهود السابقة بسبب الدور النضالي والوطني والوجة المشرق لهذه المنطقة في معمعان النضال والكفاح في سبيل حرية الوطن والمواطن وحقوق الكورد المغتصبة على الدوام فانطلاقا من تلك الروح الوثابة الباسلة كانوا مادة دسمة للتفجير حاليا واموالهم مصدر السلب والنهب الدائميين في العهود السابقة فيما كان شبابهم طعما ووقودا للتجارب الكيميائية التي اقدم عليها النظام البائد. فهؤلاء هم اهالي الصدرية كفاح ونضال وبلاء في ميادين النضال القومي والوطني وعقابا لدورهم امتنعت السلطات عن الاهتمام الخدمي والصحي في منطقتهم وبرغم من كون المنطقة اعيد تخطيطها عدة مرات من قبل امانة بغداد بهدف اعادة بنائها رغم ان اعادة البناء قد شملت مناطق عديدة من بغداد في زمن النظام البائد الا ان هذه المنطقة ظلت على حالها واضيف فقر اخر على فقرها.
وقد تطلع هؤلاء الكورد وخاصة بعد سقوط النظام الاستبدادي الى العهد الجديد والى مفاهيمه وقيمه ومبادئ الديمقراطية المرفوعة والنهج القائم على اعطاء كل ذي حق حقه وازالة المغبونية والظلم عن سائر مكونات الشعب العراقي وخاصة الشعب الكوردي بوصفه ثاني اكبر قومية تعرضت لسياسات الابادة والقمع والتهجير وناشد هؤلاء على مدار اربع سنوات بمعالجة مشكلاتهم المزمنة والتي افتعلتها السلطات على مر المراحل والعهود وفي مجالات مختلفة كالجنسية وسائر حقوق المواطنة الاخرى كما عقد الكورد الفيليون عدة مؤتمرات في بغداد كان اخرها المؤتمر الذي اقامته ورعته مشكورة مؤسسة شفق للثقافة واعلام الكورد الفيليين والذي حضره عدد من السادة الوزراء والشخصيات السياسية وقد اكدت تلك المؤتمرات ضرورة اعادة التطبيع في مدنهم وخاصة مندلي وخانقين وبدرة وفقا للمادة (140) من الدستور والذي مازال محنطا بفعل الاجراءات البطيئة ذات الهمة المنهوكة اثرى لو التفتت الحكومة الى هؤلاء وسهلت لهم العودة الى مناطقهم الاصلية وعوضتهم عن حقوقهم المهدورة ما كانوا ليصبحوا طعما للتفجيرات ان الحكومة تتحمل مسؤولية اخلاقية ودستورية كما يتحمل المسؤولون الكورد في بغداد من السادة الوزراء والنواب نصيبا من ذلك جراء عدم المطالبة الصريحة والواضحة بضرورة اعادة هؤلاء وتأمين حياتهم هل ستصبح مشاهد القتل الجماعي لهؤلاء نسخا مكررا اخر لمشاهد التسفير والقتل الجماعي والانفلات القذرة السيئة الصيت. كما تتحمل الحكومة متمثلة باجهزتها الامنية والمكلفة بحماية وحراسة المنطقة المسؤولية التاريخية والادبية والقانونية عن ذلك. ولاندري لماذا لاتلتفت الحكومة الى وضع هذه المنطقة المنكوبة ملكيا وجمهوريا في عراق ما بعد الدكتاتورية ان التصدي الجدي للمشكلات وحلها يتطلب شجاعة وطنية مثلما يتطلب ترفعا عن النظرات والرؤى الشوفينية الضيقة وان تكون النظرة على مساحة العراق بالتساوي. ان مأساة منطقة الصدرية ليست الوحيدة في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العراق حيث كل شبر من ارض العراق معرض لان يتحول على شاكلة ما جرى في الصدرية لان سموم الارهاب لاتميز بين منطقة واخرى او فئة او قومية انها توزع الموت المجاني كما يحلو لها ولابد من التصدي الحازم كيما يتم دحر هذه الافة الغريبة على اصول ونسيج العراق كي تستمر عملية البناء وتخطو المرحلة التي لابد من تخطيها للانتقال الى عملية البناء الحقيقي.

احمد ناصر الفيلي/ كاتب وباحث وصحفي
المصدر: صوت العراق، 29/4/2007