ثقافة الفرهود الوطنية !!

نقلت لنا وكالات الأنباء في الأيام الماضية خبرا قد يكون مرّ على الكثير مرور الكرام وربما قرأه البعض ولم يعره اهتماما كثيرا وهذا الخبر يتعلق بحادثة انتحار وزير الزراعة الياباني ( توشيكاتسو ماتسوكا) بعد اتهامه بقضايا تتعلق بالفساد المالي والاختلاس!

وقد يطرح احدهم تساؤلا لايخلو من خبث وظرافة في آن واحد وهو:لماذا لم يعمد هذا الوزير المنتحر إلى الهروب بالأموال التي لطشها ليتنعم بالعيش بقية عمره في دولة ما، وكما يفعل الكثير في عالمنا العربي؟

إن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب بعض المعرفة بطبيعة المجتمع الياباني وعن منظومة القيم والأخلاق التي تحكم هذا المجتمع المحافظ بطبيعته والملتزم التزاما عجيبا بقيمه وخلقياته وتراثه ،وتعتبر قضية مثل الاختلاس أو الفساد أو الخيانة عند اليابانيين من الأمور التي تسيء بشكل كبير ليس فقط إلى مرتكبها بل أيضا إلى سمعة وشرف عائلته،فصاحبنا الوزير طيب الذكر فضّل الانتحار لعلمه المؤكد بأنه ومهما كان حجم الأموال التي سرقها سوف يبقى منبوذا ومحل ازدراء ويعامل معاملة الخائن لبلده لخيانته الأمانة وسيبقى إسمه عارا ولطخة في تاريخ عائلته فاختار رحمه الله أن يختصرها من البداية ويكفي اليابانيين شر الفضيحة !

وفي الوقت نفسه نقلت إلينا وكالات الأنباء المحلية إنباءً عن إصدار أحكاما بالسجن على وزير الدفاع العراقي السابق (حازم الشعلان) ووزير الكهرباء السابق (أيهم السامرائي ) وعضو مجلس النواب (مشعان الجبوري) والثلاثة دخلوا العراق من المنفى مع القوات الأجنبية وبصفتهم خبراء ضمن مجموعات إعادة أعمار العراق، فحازم الشعلان دخل مع البريطانيين ضمن مجموعة المرحوم مجيد الخوئي وأياد جمال الدين ومعد فياض ومن لفّ لفهم،وهو الآن مقيم في لندن مستثمرا المليار الذي حصل عليه بالكدّ والشقاء!

وأما أيهم السامرائي ومشعان الجبوري فقد دخلوا مع القوات الأمريكية والأول تم تخليصه من السجن على أيدي القوات الأمريكية باعتباره مواطنا أمريكيا وهو ألان يعيش متنعما بما غنمه ومن يدري ربما يكون معاليه يقضي وقته بتأليف كتاب مثل(المواطنة الصالحة وطرق التضحية من اجل الوطن)!

أما السيد مشعان الجبوري ففضيحته أصبحت أشهر من نار على علم،فبعد هروبه بالأموال المخصصة لحراسة آبار النفط ارتدى لبوس المقاومة ضد القوات التي دخل معها كدليل!

وفي هذه الأيام يستثمر السيد الجبوري أمواله التي لطشها في فضائيته (الزوراء) التي تدعو إلى قتل ثلثي الشعب العراقي بحجة أنهم عملاء للاحتلال!

والملفت للنظر إن السادة المختلسين ممن ذكرناهم وغيرهم الكثير بعد أن فعلوا فعلتهم النكراء لم يعتقونا بل لازال الواحد منهم يطل علينا في هذه الفضائية أو تلك ليعطونا دروسا في النزاهة والشرف وأطماع الدول في العراق!

وأنا هنا أوجه النصيحة للإخوة اليابانيين للاستفادة من خبراتهم إذا أرادوا أن يقضوا على ظاهرة انتحار المرتشين والمختلسين!!

ونقلت نفس وكالات الأنباء عن رئيس هيئة النزاهة القاضي(راضي الراضي)قوله:إن هناك تهما بالفساد بحق ثلاث وعشرين وزيرا سابقا ومئات المسئولين.

رحماك ياربي.... ثلاث وعشرون وزيرا فاسدا خلال فترة اقل من أربع سنوات ....إنها والله لكارثة.

ولعلنا لا نأتي بجديد إذا قلنا إن آفة الفساد هي من اشد الأمراض فتكا بعراق اليوم جنبا إلى جنب مع آفة الإرهاب

ولا تقتصر هذه الآفة على فئة أو شريحة أو طبقة معينة،

لقد انتشرت آفة الفساد كأنتشار السرطان في جسم العراق العليل،فبالإضافة إلى تفشي الرشوة والمحسوبية في جميع مفاصل الدولة وإداراتها نرى أيضا إن معظم الأحزاب والتيارات السياسية الحاكمة والنافذة في العراق تعاني من هذا الآفة،بل وتشجعها ولا استثني هنا طائفة أو قومية دون غيرها (فالكل في الهوى سوى)

والأدهى من ذلك إن النخب والشخصيات السياسية أصبحت لاتخجل ولا ترى حرجا من تفشي رائحة فسادهم التي أصبحت تزكم الأنوف،فمثلا وفي احد المواقع الالكترونية يشتكي نائب سابق مقيم في الخارج على نائب حالي في البرلمان لأنه استولى على شقته في المنطقة الخضراء والطامة إن كلا النائبين ينتميان إلى التيار الإسلامي ومن نفس الطائفة !

ولا أريد هنا أن أتطرق إلى فخامة رئيس الجمهورية ومستشاريه ورواتبهم فقد كفتنا الكاتبة (نرمين المفتي) هذه المؤنة مما أدى إلى تهديدها برفع دعوى قضائية ضدها من قبل مكتب فخامته،في حين لم يحرك رئيسنا العزيز المام جلال أي ساكن ولم يرفع أي دعوى ضد (عدنان الدليمي) عندما وقف في مؤتمر تركيا وأمام الكاميرات صارخا وهو يرتجف (نعم نحن طائفيون) داعيا العرب للقدوم للعراق لنصرته ولقتل أكثر من نصف الشعب العراقي بحجة إنهم صفويون!

وبنفس السياق وعلى ذكر المستشارين لابد من الإشارة لأحد نواب رئيس الجمهورية هذا النائب والذي ينتمي إلى حزب إسلامي ومدرسة -كان رمزها وملهمها أيام خلافته يطفأ شمعة بيت المال عندما يدخل عليه أحدهم ليكلمه في شأن شخصي حرصا منه على أموال المسلمين- في حين يتقاضى مستشارو السيد النائب رواتب يكفي راتب الواحد منهم لإطعام خمسين عائلة عراقية معدمة ولمدة شهر ! ولحد الآن لاتوجد مشكلة.. ولكن الحواجب سوف ترقص تعجبا عندما نعلم إن هؤلاء المستشارين لايقيمون بالعراق بل في دول مجاورة وربما يقدمون استشاراتهم الذهبية عن طريق غرف الدردشة!

ومن الظواهر التي أصبحت سائدة في عراقنا في هذه الأيام الضنك هي ظاهرة التكسب السياسي أي جعل السياسة موردا إلى البزنس ووسيلة تجارية كأي عمل تجاري مربح،و من نماذج هذه الظاهرة رجل الأعمال العراقي المقيم في دبي (علي الدباغ) الذي طلّ علينا بدايةً كخبير بأمور المرجعية ليقفز إلى الجمعية العمومية وليصبح ناطق باسم الائتلاف لينشق بعدها ويؤسس تجمع (النخب والكفاءات) وبعد فشله بنيل ثقة الناخب العراقي وجدناه يعود إلينا من الشباك بصفة قيادي في حزب الفضيلة ليتركه بعدها عندما حصل على صفقة مربحة وضعته في منصب الناطق باسم الحكومة لتهون كل التضحيات التي بذلها السيد الدباغ أمام التسهيلات والخصومات التي تحصل عليها شركاته التي مقرها دبي.

ومثل ذلك ظاهرة السادة المعارضين أمثال السيد (خلف العليان )الذي أصبح بزنسه الرابح هذه الأيام هو التجوال على الدول العربية لجمع التبرعات للمقاومة العراقية في حين انه جزء من الحكومة ولايزال يستلم راتبه منها!

وقد أصبحت الاهانة التي تلقاها من نجل القذافي موضوع تندر بين العراقيين.

والمفارقة المؤلمة إن كلا من السادة المسئولين في الحكومة والسادة المعارضين لها من أمثال الضاري وجوقته أصبحوا جميعا من ملاك العقارات الباهظة الثمن في مدن مثل لندن ودبي وعمان والقاهرة والكل تتاجر باسم العراقيين وكأن صيحة الفرهود المشؤمة قد أطلقت على وطننا المنكوب.

إن الأحزاب والتيارات الفاعلة على الساحة العراقية اليوم والتي ترفع من خلال الحكومة شعار مكافحة الفساد ينطبق عليها المثل الشهير(طبيب يداوي الناس وهو عليل ) حيث إن جسد هذه الأحزاب نفسها تفشّت به أمراض الفساد والرشوة والمحسوبية ومثال على ذلك الإثراء الفاحش لقيادي حزب الفضيلة في البصرة والذي أصبح ظاهرة يتحدث عنها جميع أبناء البصرة، والغريب إن سماحة الشيخ اليعقوبي المرشد الروحي لحزب الفضيلة تحدث قبل فترة قصيرة متهما الأحزاب العائدة للعراق بالفساد لكن سماحته نسي أن يتحدث عن صفقات تهريب النفط التي يقوم بها الإخوة الفضلاء بالبصرة!

والأمر عينه مع الأحزاب الإسلامية الفاعلة وذات الشعبية الأكثر حيث أصبحت المحسوبية والفساد المنتشرة في أوساطها سببا منفّرا للكثير من مؤيديها وأنصارها وأصبح اللوم والسخط ينصب على قياداتها التي لا نشك في نزاهتها ونظافة يدها.

فعلى سبيل المثال هل يعقل إن ممثل اكبر حزب شيعي في أهم عواصم الدنيا (واشنطن) شخص غير متفرغ للعمل الحزبي ومشغول جدا بأعماله الخاصة والسبب الوحيد لابتلاء سماحته بتمثيل ذلك الحزب في واشنطن إن أخاه من المتنفذين في الحزب!!!

وأما إذا أردنا الكلام عن المدن التي تقع تحت نفوذ بعض هذه الأحزاب ونأخذ مثلا مدينتي الحبيبة(النجف الاشرف) فان المرء ليصدم وهو يطالع تقرير منظمة الصحة العالمية الذي يتحدث عن انتشار وباء الكوليرا في النجف ومرض الكوليرا حسب المتعارف طبيا هو من أمراض الوساخة . فإذا كانت النجف التي تتمتع باستقرار وأمان أكثر من المدن الأخرى تعاني من هذا الوباء فكيف هو حال مناطق الاهوار؟

وأما خدمات الماء والكهرباء فقد أصبحت من النعم المفقودة ومن سوالف أيام زمان عند النجفيين، كل هذا والحاج ( أبو كلل) محافظ النجف (زاد الله إيمانه )يطل علينا بين الفترة والأخرى ليحدثنا عن مشروع تطوير جبل الحويش!!!

وأرجو أن لا تسيئوا الظن بالرجل ولا بنائبه الذي يتمتع بشعبية تضاهي شعبية ساركوزي في فرنسا! فهما يمتلكان من طيبة القلب والتسامح ما جعل نفس الأشخاص الذي كانوا يقيمون الحفلات الليلية الصاخبة لزبانية صدام ويشاركون مدراء الأمن السابقين في أعمالهم التجارية علانيةً هؤلاء الأشخاص أنفسهم أصبحوا يكسبون الملايين ويسيطرون على معظم المشاريع في النجف والتي لم ير منها المواطن إلا الوعود، ولا نريد هنا أن نفتح الملفات التي بحوزتنا وعملا بالقول المأثور ((إذا ابتليتم فاستتروا))

كل هذا وحال الإنسان العراقي البسيط صار ينتقل من سيئ إلى أسوأ، فبعد كل التضحيات والدماء التي قدمها أبناء الشعب ليوصلوا من وضعوا ثقتهم فيهم إلى مجلس النواب ومراكز القرار خيّب الكثير من الساسة آمال هذا الشعب المبتلى بل جعلوه يكفر بكل قيم الديمقراطية والإصلاح والبطيخ المبسمر !!!

أن معالجة مرض الفساد المنتشر في الجسد العراقي تتطلب جهودا جبارة وعلى أكثر من صعيد ولا يتحمل عبئها فريق أو جهة معينة فقط بل يجب أن تتضافر جهود الجميع لمحاربة هذه السلوكيات وهذه الثقافة التي اصطلح عليها ب(ثقافة الفرهود)!

ويقع على عاتق النخب المثقفة مسؤولية كبيرة فهم يجب أن يكونوا خط الهجوم الأول في فضح ونقد الفاسدين بدون أي مجاملة أو محاباة،فمن الواجب علينا كمثقفين أن نمارس رسالتنا في تشخيص الخلل وتصويبه وإبداء النصيحة والصدح بكلمة الحق التي (لا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فيهم إن لم يسمعوها)

ومن المهم أيضا التنبيه على دور الصحافة في كشف مكامن الفساد والصفقات المشبوهة فهذا من أولى أولويات السلطة الرابعة،وكم أتمنى أن نرى صحفنا المحلية تقوم بإجراء استطلاعات الرأي على غرار الصحف العالمية حول الشخصيات العامة والمسئولين في الحكومة ليرى هؤلاء مدى تدني شعبيتهم وخيبة أمل من انتخبهم .

وأخيرا لابد من الإشارة إلى الدور المهم لمؤسسة المرجعية حماها الله في سحب البساط عن المسؤلين الفاسدين وان ينتقل التقريع والتأنيب الذي أصبح هؤلاء يسمعونه من قبل المراجع الكرام إلى العلن لكي تسقط ورقة تأييد المرجعية التي يستغلها هؤلاء ،ولكي يعلم فقراء العراق ومساكينه إن المرجعية تقف معهم وليس إلى جانب من تاجر واغتنى بمعاناتهم.

د.جعفر الحكيم
رئيس تحرير جريدة المهاجر/ الولايات المتحدة

المصدر: صوت العراق، 5/6/2007