حسين الشهرستاني وفصول من ثلاثية روبرت فيسك

كان الدكتور الشهرستاني احد المثقفين الذين تعرضوا للسجن والتعذيب في ظل النظام الديكتاتوري. وهؤلاء يعدون بالالاف - كاتب السطور احدهم - البعض منهم انتهوا كلاجئين في المنافي ولا يزالون، والبعض الآخر صعدت أرواحهم الى السماء. منهم من تبؤا مرا كزا في قمة السلطة الحالية، وآخرون، المهمش دورهم أصلا، لا يزال دورهم الوطني مهمشا في انتظار استحقاقات نضالهم الوطني.
بعد إعدام ستا من أشقائي – اصغرهم عمرا 16 عاما وأكبرهم 28 عاما، وتسفير المتبقي من أفراد عائلتي إلى إيران بحجة التبعية الإيرانية ونقل خدماتي من التدريس الى وظيفة في وزارة الصناعة، ومن ثم إحالتي قسرا على التقاعد. حدث انه في مطلع صيف 1990 وقبل غزو الكويت بأشهر عندما جاءت زمرة من مخابرات النظام البائد لاعتقالي بشكل يتنافي مع ابسط مفاهيم وقيم الكرامة الإنسانية، حيث تم جري جرا كالشاة المذبوحة أمام زوجتي وصراخ أطفالي الصغار ليدفعوا بي دفعا إلى سيارة مرسيدس سوداء كانت في الانتظار متوجهين الى المعتقل في الحاكمية التابعة للمخابرات في شارع 52 مقابل مديرية الجوازات كي انتهي في زنزانة انفرادية مشهورة بإبعاد 2×3 متر مربع تسمى بـ الحمرة (الجدران والأرضية مطلية بلون احمر يختلط بلون الصراصر التي كانت تقتل فينا روح المقاومة وتزيد في معاناتنا، فضلا عن القمل الذي ملأ بطانية واحدة للغطاء وأخرى نستعملها كوسادة).
كالعادة، كانت التهم الموجهة لي هي ذاتها الموجهة للدكتور الشهرستاني ولباقي السياسيين المعتقلين، وهي تهم مخابراتية جاهزة. فتارة بحجة العمالة والتجسس، وفي أخرى الخيانة او التحضير لمؤامرة ضد النظام. ومن التهم الأخرى التي وجهت لي هو الانتماء الى حزب الدعوة او الى الحزب الشيوعي او الدعوة الى انفصال الكورد. الأغرب ما في التهم هي تهمة الاستخفاف بنظرية الاشتراكية العربية من تنظيرات حزب البعث العربي الاشتراكي، حينها كنت مدرسا لمادة تاريخ النظريات الاقتصادية في الجامعة المستنصرية عام 1976.
ومما لا يخفى على العراقيين هو طبيعة وحجم التعذيب الذي تعرضنا له. لم تكن طرق وأساليب التعذيب أبشع مما كان عليه النازيون الألمان فحسب، بل كانت في مقاربة كبيرة من أساليب التعذيب في القرون الوسطى. فبالإضافة إلى ما ذكره الشهرستاني والكثير من المعتقلين السياسيين. فقد كانوا على درجة عالية من التطوير في فنون التعذيب. فمثلا كانوا يجعلون مني متفرجا لطريقة حفر القبر الذي سينزلونني إليه وأنا حيا بعد ارتدائي الدشداشة البيضاء -الكفن- وهكذا جرت لي ثلاث محاولات للدفن حيا وبهذا الشكل اللااخلاقي اللاإنساني وصولا إلى حالة الانهيار النفسي.
لست بصدد وصف أساليب التعذيب، التي تعرضت لها، فقد تعذب الملايين غيري من العراقيين الشرفاء في عهد الطاغوت شر عذاب، وهو ما ذكرها كثيرون في اكثر من مناسبة ومحفل، ولكنني بصدد تذكير أصحاب القرار السياسي بالوعود التي قطعوها للمستصعفين والفقراء والمناضلين من الشرفاء في عراقنا الجريح المستباح، وحقوق الكورد الفيليين المنسية والكفاءات المهمشة المتسمين بولائهم للوطن وللعملية السياسية .. هل علينا تذكيرهم باستحقاقات نشاطاتهم السياسية، الذين عرضوا أنفسهم للاغتيالات عندما كانوا وكنا في صف المعارضة المكافحة من اجل عراق جديد ...
احد الله واشكره فقد اوجد لي الخالق الباري سبحانه مخرجا اعتبره لغاية اليوم بالمعجزة الإلهية لأنني اليوم بين أهلي وأحبائي حيا في ظل عهد جديد لا يزال جاحدا للذين قدموا الكثير من التضحيات وتحملوا الكثير من المعاناة في الغربة وفي الوطن. ولتنوير القارئ فقد تم دفعي مبلغا يقترب من ربع مليون دولار مقابل شرائي لحريتي لصابر الدوري المعتقل حاليا، والذي يحاكم لاقترافه جرائم ضد الإنسانية كغيره من ازلام العهد المباد وغيرهم ممن تلطخت أياديهم بدمنا ودم أبناء الثكالى من أمهاتنا. المفارقة في كل ذلك هو ان الكثير من هؤلاء الذين اضطهدوا ابناء الشعب المستفيدين من النظام الطائفي البائد، هم اليوم وفي ظل النظام الحالي، احسن حالا، بل اكثر نشاطا وهمة وبحبوحة وذوي مراكز عليا وأخرى عادية كان يحلم بنيلها اليوم ابناء الشعب تعويضا للمظالم التي لحقت بهم في ظل العهد الديكتاتوري.
دعائنا بالخير لعراق اليوم ولتسود عدالة السماء .. آمين يارب العالمين

الدكتور خليل شمه كاكه لي
مستشار في الخارجية التشيكية

المصدر: صوت العراق، 17/6/2007