الحكومات الديمقراطية ليست حكومات وطنية

الحكومات الديمقراطية هي نتاج انتخابات سليمة تشترك فيه مختلف الاحزاب وهذا ما يعلمه الجميع ، وفي الانتخابات هناك خاسر ورابح وهذا يعتمد على جماهير الاحزاب المتنافسة ، والحقيقة ان هذه الحكومات سوف تنفذ برامجها الانتخابي الذي اوصله للحكم قد يصل للغايات التي ادعت به او قريبة لذلك ، ومايهما هو ان هذه الحكومات ليست وطنية لأنها لا تتناصف الحكم مع الخاسرين ، وتنفرد بالحكم لتشكل حكومة غير وطنية ، ولا اعرف بالضبط لماذا لا تأخذ هذه الحكومات الديمقراطية العبرة من الحكومة العراقية وتشرك الخاسرين في الانتخابات لتضيف على حكوماتها الشرعية وبذلك تكون حكومات وحدة وطنية .

الحكومة العراقية هي نتاج انتخابات سليمة ، ولكنها اخذت بنصيحة الامريكان والدول العربية ( والحقيقة كانت هناك ضغوط امريكية وعربية ) لتشرك الجميع في الحكومة لتضفي على نفسها الشرعية ، ولا اعرف هل الحكومات العربية تشرك جماهيرها في الحكم او لنقل تجري في بلدانها انتخابات سليمة !!! وهل الحكومة الامريكية تشرك الحزب المنافس الخاسر في اتخاذ القرارات او في الحكم !!

الرابحون في الانتخابات العراقية اشركوا الجميع او لنقل الغالبية في تشكيلة الحكومة لتسمى ظلماً حكومة وحدة وطنية ، وهي كانت بالاساس حكومة شد وجذب ، فالاقلية التي اخذت فرصة لتشترك في الحكومة اخذت تحيك المكائد والمؤمرات مستعينة بذلك بالدول الطائفية التي كانت وماتزال لا تجد عراقيين غير الاخوة من العرب السنة ، وانا لا انكر على الاخوة من العرب السنة عراقيتهم ولكن الدول العربية تنكر على الشيعة والكورد عراقيتهم ، وهذا ما يعرفه القاصي والداني ، وكل الحكومات العراقية السابقة كانت تقوم بالشيء نفسه ، ان هذا الانكار ليست وليدة اليوم ، فالانكار والظلم بحق العراقيين الاصليين بدأ بعد مقتل الامام علي (ع) وتشكيل الدولة الاموية التي حولت الدولة الاسلامية الى دولة قومية عنصرية ، فبدؤوا بظلم الموالي سكنة العراق الاصلين، وهذا ليس نطاق مناقشتنا اليوم ، ولكن من خلال التاريخ يمكننا التعرف على الرواسب التي مازالت مغروسة في نفوس الكثيرين .

ونعود الى حديثنا الا وهو الوحدة الوطنية ، هل الاحزاب تحقق هذه الوحدة ام الحكومة ام الشعب ؟

في الحقيقة ان شعبنا او لنقل الغالبية منهم يميلون مع كل ريح ( قال أمير المؤمنين عليه السلام الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق) ، وانا لا استطيع ان اتهم الشعب بأنهم همج ورعاع ، وحديث امير المؤمنين (ع) لا يمكن هنا ان نعممه على غالبية الشعب العراقي ، ولذلك اكتفيت ان اقول ان غالبيتهم يميلون مع كل ريح ، ولي عن ذلك تفسير ،الناس هم نفس الناس ولكن الذي يختلف هو الزمان والمكان ، فشعبنا بالرغم من ان نسبة كبيرة منه متعلم ويحملون لشهادات دراسية (ثانوية اوجامعية) ولكن مع الاسف يفتقرون للأطلاع على الثقافات الخارجية وحتى ان هؤلاء المتعلمين او حملة الشهادات لم يقرؤا كتاباً غير الكتب الدراسية ، ولذلك عندما فتح الشعب عينه على سقوط النظام الدكتاتوري بدء بالتخبط لايعرف ما هي الديمقراطية اهي تعني ان ننقاد الى مقتدى الصدر بصورة عمياء ام الى حارث الضاري ام للسياسيين الذين لا هم لهم غير مصالحهم الخاصة ومصالح احزابهم ، ولذلك بدء التخندق الطائفي يأخذ اشكالاً رهيبة في التعصب وكره الاخر ، فهذه مساحة الحرية التي فرضت على الشعب ، في العهد البائد لم يتعرف الشعب الا على تعاليم الحزب الارعن العنصري ، واليوم التخنق الطائفي على اوسع ابوابه ، وهنا لا استطيع ان انكر ان هناك الكثير الكثير من المثقفين في العراق ، ولكن عمل البعض منهم الى ركوب التيار والحصول على مكاسب شخصية ضارباً بعرض الحائط الوطنية وللعلم هذه الفئة من المثقفين ضربوا الوطن بعرض الحائط بأسم الوطنية ، وقسم اخر من المثقفين الذين اكتفوا بالتفرج على الاوضاع خائفين من ان يتدخلوا ويبدوا بارائهم خوفاً على حياتهم وحياة عوائلهم ، والقسم الاخر ابعد قسراً عن الحياة السياسية والبرلمانية لأن الضغط الطائفي كان رهيباً ، وهنا لا اعني بالضرورة ان المثقفين العلمانيين فقط ابعدوا بل المثقفين الاسلاميين ايضاً .

اما مثقفين الخارج فأنهم بين مبعد عن الحياة السياسية او ناقماً على الوضع الذي ال له البلاد والعباد من دمار في العقول والنفوس ، وبين شامت ، والشيء المحزن هو عدم تحسن الظروف الامنية لعودة العراقيين بل على العكس تضيق وتشتد الازمة .

ولكي نعود الى الوحدة الوطنية علينا اولاً ان نبدأ بالاحزاب السياسية التي اشتركت في الانتخابات وخاضت جولة الانتخابات الاخيرة ، فكل التكتلات والاحزاب استقطبت الناس لطوائف وقوميات ، ويخطأ من يظن ان كتلة علاوي لم يستقطب الناس ( فعلاوي استقطب الناس الذين يعادون الدين بشكل او باخر بحجة العلمانية ، ولذلك حزب علاوي كان ايضاً قطباً من هذه الاقطاب ) ، ولذلك لم يكن علاوي وطنياً بالمعنى الشمولي ، والحقيقة تقال ليس هناك حديث عن مبدأ معين يرضى عنه الشعب كله فهذا الشيء مستحيل لا بد ان يكون لكل قطب قطب اخر مضاد ، ولذلك مسألة الحكومة الوطنية كانت فاشلة وستفشل اذ اراد البعض اعادة تجربته ، فالاحزاب استقطبوا الناس ووضعوهم في قوالب طائفية وقومية وفكرية ، والناس بضغط الجماعة او بدوافع شخصية تقولبت ، ووصل الحال الى ماهو عليه ، ونعود ونسأل هل الخطأ في الناس ام في الاحزاب ؟!! ان لكل فرد تحليلاً خاصاً ومفهوماً خاصاً ، واراء خاصة ، وعقائد خاصة ولكن هذه الخصوصية لا تبقى خاصة اذا نوقشت علناً ، وهنا اعني مناقشة الامور الخلافية علانية ، وبذلك يستبين الناس الخطأ من الصواب في معتقداتنا وافكارنا ، لا ان يفرض الافكار بالقوة او المخالفين للافكار يحجموا او يقتلوا ، فالعلماني يتهم الاسلامي بالدجل والشعوذة والاسلامي يتهم العلماني بالالحاد والزندقة ، وهذا ديدن الاحزاب ، فالاحزاب نقولها ومع الاسف احزاب سلطوية وليست خدمية كلها باحثة عن السلطة والجاه والمال ، ولذلك هذه الاحزاب لا يمكن لها الدوام والمواصلة دون استقطاب المستضعفين والبسطاء لقوالب لا يمكن لهم التحرك او التفكير من خلاله ، والبسطاء والفقراء لايهمهم ان يعرفوا شيئاً عن الفلسفة او عن المنطق او علم الاجتماع ، وحتى ان حاول المرء ان يقنعة بالنظريات الاجتماعية فلا يعطي لذلك الاذن الصاغية ، الناس تريد ان تعيش ، وهم يعيشون على الامال والوعود التي يتلقونا من الاحزاب التي ترسم لهم مستقبلاً بحياة زاهية ، وكأن هذه الاحزاب تمتلك العصى السحرية .

ولذلك نرى ان الاحزاب لها برامج واجندات تختلف احداها عن الاخرى حتى ولو كانت من قومية واحدة او من طائفة او مذهب واحد ، والاختلاف شيء جميل وصحي بحيث لاتصل الى ابعد من الخلاف الفكري ، وهنا لا يمكن ان نحصر الاحزاب المختلفة ونصهرها في بوتقة واحدة ، لأن هذه الاحزاب مختلفة بالاساس وصهرها قد يولد انفجاراً كما حصل مع حكومة المالكي ، والخطأ ليس في المالكي ، وفي تقديري لم يستلم الى الان شخص الوزارة افضل من المالكي ، ولكن الخطأ في الذين يصرون على ان تكون الحكومة بوتقة لاصهار جميع الاحزاب .

المهندس بهاء صبيح الفيلي
baha_amoriza@hotmail.com
3/8/2007